درس الثورة

حجم الخط
0

عزت القمحاوي عام على ثورة الشعب السوري. أكثر من ثمانية آلاف وخمسمائة شهيد ومائة ألف معتقل شهيد وما لا يمكن إحصاؤه من أعداد الجرحى. وبحسبة بسيطة، إذا وضعنا متوسط عشر علاقات قرابة وصداقة حميمة لكل شهيد ومعتقل شهيد وجريح شهيد فنحن بصدد بلد حزين، لم ينج من مرارة الحزن فيه إلا العصابة الحاكمة وقلة من النفوس الميتة التي تمثلها في القنوات الفضائية. لكن فراغ قلوب هذه العصابة وموتى الضمير من الحزن لا يعني أنها مطمئنة كقلب أم موسى؛ بل محتلة بالقلق وإن بدت على غير ذلك؛ حيث لا وجود لشيء اسمه الفراغ في هذا العالم.

الفداحة الإنسانية لكل ما جرى خلال العام في سورية جعلت من ثورتها الثورة الأقوى بين ثورات العرب، ولم يكتمل العام إلا وقد تأكدت الفرادة التاريخية لهذه الثورة؛ حيث عرف العالم ثورات تحسمها العواصم أو الأطراف، الفقراء أو البرجوازية، الشعب أو حفنة عسكر يؤيدها الشعب لاحقًا. كما عرف العالم ثورات قائمة على توازن القوى الداخلي وأخرى تتعرض لبعض التداخلات الخارجية، بينما تشمل الثورة السورية كل الخريطة وكل القوى ويعرقلها العالم مجتمعًا. بالأمس كتب عبدالوهاب بدرخان بجريدة الحياة عن هذا العام الثقيل، وهل بقي حامل قلم لم يكتب في هذه المناسبة التعيسة؟! حتى أصحاب النفوس الميتة يكتبون عن ثقل العام. بدرخان ليس من بينهم بالتأكيد، وبرأيه أن العام لم يجعل الشعب السوري يتعلم جديدًا أكثر مما كان يعرفه عمن يحكمونه، لكن النظام تعلم خلال هذا العام الكثير عن شعب لم يكن يعرفه. الجملة جميلة والمفارقات والتضادات تضيء الأسلوب، لكن الواقع يضعنا أمام تساؤل المعنى في نصف المفارقة التي اجترحها بدرخان.

نعم. الشعب كان يعرفهم تمامًا، ومن المؤكد أن الذين ثاروا يعرفون أية عصابة تختطف بلادهم، وإذا جاز أن نحسب المشاعر كميًا فإن أحزان السوريين خلال عام ليست أكبر من رعبهم طوال حكم الأب والإبن. ولهذا يستمر السوريون في دفع الثمن على فداحته. ما لا يمكن أن نوافق بدرخان عليه هو اعتقاده بأن عصابة الحكم تعلمت شيئًا. لو تعلمت ما واصلت العيش في رواية خيالية وما ضاعفت من جرائمها التي تقلل فرص نجاتها يومًا بعد يوم.

ليست للنظام عين فترى، ولا لذراعه اللبنانية التي أصابها الخدر جراء المعضلة السورية، إذ لا يزال حسن نصر الله يصر على أن سقوط النظام رهان مستحيل!’ ‘ ‘الطغاة في العادة لا يتعلمون. بعد التأله لا يعودون يحسون بالخطر في مواجهة شعب أو في مواجهة عدو متفوق. وبعد الصعود إلى سلم المشنقة لا تمكــــــننا إعادتهم إلى الحياة لكي نسألهم إن كانوا قد خافوا موتهم أم لا، مثلــــما لا يمكننا أن نسترجع شهيدًا أو نعيد الأعضاء المبـــــتورة من جســــد مصاب بمجرد التفاف الحبل على رقبة طاغية مجنون أو انطلاق رصاصة باتجاه رأسه أو انتصاب خازوق باتجاه دبره.

ولكن السبب الأهم من جنون التأله، الذي يمنع الطغاة من الفهم، هو كونهم لم يكونوا في يوم من الأيام ثوارًا، وبالتالي فهم يجهلون نفسية الإنسان الثائر. يصل بعضهم إلى الحكم بالغلبة لأنهم مغامرون، يقامر الواحد منهم بحياته مرة واحدة فيكسب مثلما كسب صدام والأسد الأب والقذافي، ويصل بعضهم بالميراث والأيلولة، مثلما ورث مبارك سلفه العسكري السادات ومثلما ورث بشار أباه. وليس لدى المقامر الغالب ولا للوارث الكسول ما لدى الإنسان الثائر من إحساس بالتسامي يجعل مصافحة أخطر متعة تشبه متعة التصعيد الجسدي. هذه الطاقة النفسية لا توصف بل تعاش. وهي التي ستمضي بالثورة السورية في طريقها. وإذا كان عام من الثورة قد مضى دون أن يزداد الشعب السوري معرفة بحكامه ودون أن يزداد الحكام جهلا بشعبهم؛ فإن ما يجب أن تكون الشعوب العربية قد تعلمته هو ضرورة الالتفاف حول ثوراتها لحماية حلم الحرية في عالم ليس أفضل حالاً منا؛ إذ تحكمه القبضات العارية في الصين وروسيا والقبضات المخفية داخل قفازات الحرير في الغرب.’ ‘ ‘درس الدم الحار في سورية الآن، هو درس نزيز الدم الهادىء والتهريج السياسي اللئيم في مصر واليمن وتونس وليبيا وهو درس الإظلام التام في البحرين. لا أحد سيحمل عن الشعوب أحلامها. ومن يرى مشاورات في مجلس الأمن أو مندوبًا أمميًا في دمشق عليه أن يفهم أن القطران الذي يسكبون هدفه مزيد من إحراقنا بسخونته وإعاقتنا بلزوجته وليس تمهيد الطريق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية