د. احمد مصطفى في اخر زيارة للقاهرة لم اقم في بيتي ولا بيت اهلي بل اخترت نزلا متواضعا في جاردن سيتي في بناية تلاصق المبنى الذي كان يضم مكاتب ‘دار الفتى العربي’ التي اسستها الراحلة صفاء زيتون زوجة نبيل شعث السابقة. ومع اني لم التق أي من اصدقاء قدامى ربطتــني بهم دار الفتى الا اني غرقت في ايام قديمة تعود الى ربع قرن حين كنا نعمل مع الدكتور رؤوف نظمي (محجوب)، او د. محجوب عمر كما عرفه القراء في جريدة القدس العربي والشعب وغيرها من الصحف والمجلات. كان محجوب عمر يعمل من مكتب في دار الفتى ومعه فريق من شباب مصريين، اصبحوا جميعا في مراكز مميزة في مجال الاعلام والرأي في مصر فيما بعد.كان ‘الحكيم’ يضع على طاولة مكتبه تماثيل مختلفة للحمار، ذلك الحيوان الرائع الذي يظلمه كثيرون بتشبيه اغبياء البشر به. لم يكن محجوب حكيما مثل وديع حداد ولا حتى مثل جورج حبش، بل كان حكيما لأنه طبيب ولأنه يملك من الحكمة التي راكمتها السنين ما يكفي لتعليم اجيال. كان الدكتور رؤوف واحدا من طراز فريد من رجال مصر ممن يصدق وصفهم بانهم ‘جيل الاسطوات’ المؤمنون بالمثل الشعبي القديم ‘الاسطى اللي علم ما مات’. وقد علم محجوب كثيرين في مصر وغيرها وبالطبع في فلسطين التي نالت من جهده وعمره القدر الاكبر باعتبارها قضية العرب المركزية.ناضل الحكيم بالسلاح ومعالجة المرضى في العيادات الشعبية في شرق الاردن والمخيمات وبالكلمة في السياسة وحتى الشعر وقصص الاطفال. سمعت الكثير عن دوره بين مجموعة المناضلين العرب ـ وأكثرهم اطباء ـ الذين التحقوا بالمقاومة الفلسطينية بعد هزيمة 1967، ليس منه بل من اخرين. عرفته وانا ادرس الطب واعمل بالترجمة واقترب من الكتابة، وكان بعد الخروج الفلسطيني اثر حصار بيروت عام 1982 عاد الى مصر ولم يذهب الى تونس. واختار مجموعة صغيرة من الشباب، اتسعت فيما بعد، للعمل معه وايضا ليبثهم الكثير من خبرته وتجربته بالعمل وليس بالوعظ على طريقة الاسطوات المهرة. كان ابويا في تعامله مع من يعملون معه وان ابقى على مسافة كما علمته سنين النضال في الحزب الشيوعي المصري وفي المقاومة فيما بعد. كان تفانيه في العمل من اجل فلسطين يقترب من حد الصوفية، وقد كان على حدة مواقفه المبدأية في قضايا امته ‘درويشا’ تشعر انه من المريدين اكثر منه صلفا متفلسفا ككثير من المدعين الذين يسودون الصفحات ويملآون الشاشات في ايامنا هذه. تعلمت منه ان اتعب على ما افعل، اذا اردت الكتابة عن امر فيجب البحث والتدقيق واذا تصديت لاي عمل فلا بد من بذل اقصى الجهد في حدود معرفتي ومهارتي. كان حكيما ايضا لأن التجربة صقلت انسانيته، التي طورها مقاوما ثم مفكرا اكثر منه طبيبا معالجا. كان منفتحا على كل التيارات والافكار، ويرى ان كل ما هو جيد يصب في النهاية في خدمة الامة ويضيف خطوة على طريق النصر. لم يقتصر ذلك على الفكر والسياسة، بل حتى في الفن فقد كان الحكيم يحب اغاني محمد عبد المطلب وطوني حنا، مع ذلك كان من نبهني لأمثال عمرو دياب وسيمون. لم يتوقف عن العمل الا عندما حال المرض بينه وبين ذلك، رغم انه تحمل فراق الكثير من الرفاق من زملاء مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت الذي قصفه العدو الصهيوني مطلع السبعينيات ونجا هو باعجوبة ليدفن رفاقه الذين استشهدوا فيه الى من اغتالتهم اسرائيل وفي مقدمتهم الشهيد خليل الوزير (ابو جهاد) الذي اغتيل في تونس.تميز الحكيم بتواضعه الشديد الا في مواقفه وارائه، دون صلف او عنجهية فارغة بالتأكيد، ولم ارى من هو اكثر منه زهدا في الدنيا. كان حريصا ان تكون حياته ابسط ما يكون، اقرب لحياة ما بين الزنزانة والمخيم.اذكر انه مع الانتفاضة الاولى عام 1988 كان متفائلا الى حد انه اعتبرها بداية انتفاضات من طرف الوطن الى طرفه، وكان يكرر دائما ان ‘الشرارة ستشعل السهل كله’. وشاء الله ان يرحل بعدما بدأت الانتفاضات تنتشر في السهل فعلا.حزني الشخصي على فقدان الدكتور رؤوف امتزج بهم الوطن الذي يفقد في السنوات الاخيرة القدر الاكبر من جماعته المرجعية، واثقل على النفس تذكّر كثيرين مثل المفكر والسياسي الفريد عادل حسين والاقتصادي المتميز د. رمزي زكي والكاتب والصحفي القدير محمود عوض والاكاديمي الموسوعي د. عبد الوهاب المسيري … وتطول القائمة. الا ان ‘مصر ولادة’، والوطن الذي انجب هؤلاء قادر على ان ينجب مثلهم لخيره وخير الامة جمعاء، حتى رغم سنوات الجدب والقحط الفكري والانساني التي اصابت مصر بالعقم المؤقت في عهد مبارك. وداعا يا حكيم، ولتسعد روحك عند بارئها فما زرعته في كثيرين يثمر الان اجيالا جديدة ستنشر خضرة النصر في السهل كله، وفي القلب منه فلسطين.’ كاتب مصري