محمد عبد الواحد
جميع أعراض انفلونزا الطيور، تبدو واضحة علي جميع الجوارح التي تحكم مصر وبحسب المتخصصين فإن أبرز اعراض المرض تتلخص في القيء والاسهال والدوار الشديد الذي تتعرض له الطيور المصابة بالمرض، وهي اعراض يعاني منها كل المسؤولين في مصر، إذ ـ رغم مرضهم ـ لا يتوقفون عن تقيؤ التصريحات علي وجوهنا، منذ سخر الرئيس مبارك في عصر ـ اقصد ولايته ـ ما قبل تاريخ انفلونزا الطيور، من ان المصريين تعودوا الرفاهية، حيث يشربون الشاي ويضعون عشرة ملاعق من السكر في الكوب الواحد، وأذكر وقتها ان الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين كتب في عموده الرائع في جريدة الاهرام مذكرا الرئيس بأن المصريين لا يعرفون من انواع الحلويات سوي الشاي، وليست لديهم القدرة علي شراء الجاتوه، وبعدها ـ كمدا ـ دخل الكاتب الشريف في غيبوبة وتوقف قلمه عن الكتابة، ودخل غيره في غيبوبة الرئاسة ولم يتوقف عن التصريحات، اما الاسهال فكل المسؤولين في مصر مصابون به، وربما كان شرط توافرالقدرة علي اسهال الكذب والنفاق شرطا لكي يصبح المرء وزيرا، حيث يسهل عليه تحميل الغريق مسؤولية غرقه، سواء في عبارة او اسفل عمارة منهارة، ومن علامات الاحتشام ان يتواري المصابون بالإسهال خلف ابواب الحمامات، لكن المسؤولين عندنا يمارسون ذلك علنا فوق صفحات الجرائد وشاشات التليفزيون، الي الدرجة التي يعلن فيها أقرب شخص الي رئيس الجمهورية متفاخرا، نعم ممدوح اسماعيل صديقي وليس شريكي، والاستاذ العلامة ممدوح اسماعيل حفظه الله ذخرا للنظام، ليس عالما أو قدوة في أي شيء سوي في إقامة الحفلات والفرفشات، في الفندق الذي يمتلكه في مصر الجديدة، بالإضافة الي تخصصه النادر في قتل المصريين واغراقهم في البحر الاحمر، من دون ان يخسر مليما واحدا، فالغريق هو الذي يدفع قيمة تذكرة سفره الي الدار الآخرة علي عبارات السلام التي يملكها صديق الرئاسة، وإذا تفضل الرجل وتنازل عن بعض التعويضات التي تدفعها له شركات التأمين، واعطي بعضها لاهالي الضحايا، تشكره الحكومة، ويعينه رئيس الجمهورية امينا لحزبه، في الدائرة التي يسكنها الرئيس ـ مصرالجديدة ـ، ويزيد له حجم التعويض، فيعينه عضوا في مجلس الشوري، ليشير عليه بالمزيد من الوسائل السريعة لمساعدة النظام في التخلص من المصريين الذين لا يتوقفون عن اهدار السكر والشاي، و(زرب) العيال. اما الدوار الذي يعانيه نظام انفلونزا الطيور الذي يحكم مصر، فلا يحتاج الي أمارات، تكفيك تلك الشيخوخة البادية علي الوجوه واللاأفكار، والتي وصل الدوار بهم الي حد انهم يسمونها فكر جديد، وفي نهاية الأمر تكتشف ان الفكر الجديد ليس سوي فشر جديد، إذ يتصور ابو لمعة انه اكثر شبابا من ابنه لمعة، لمجرد انه ارتدي قميص الابن الشاب، وانه اصبح يقص شعره الذي شاب بطريقة جديدة وصبغة جديدة، فأن يرتدي الابن لباس ابيه، امر عادي كنوع من التشبه بالكبار، لكن ان يحدث العكس، يصبح الامر حالة من فقد الاحساس بالزمن، وان الارض تدور حول نفسها كل اربع وعشرين ساعة ـ علي رأي فؤاد المهندس في مسرحية السكرتير الفني ـ لكن المصاب بالدوار يري الارض ثابتة تحت قدميه، ويؤكد شعوره بذلك كل الذين يدورون في فلكه، إنه دوار السلطة الذي يفقد صاحبها الشعور بمن يتسلط عليهم، فهو لا يملك الاحساس بهم، لا يراهم، وان حدث، وشاهدهم في مبارة لكرة القدم، فإنه يراهم علي طريقة المتنبي الذي لم يكن يري سوي نفسه ويقول عن جموع البشر اري زحاما ولا اري احدا ويقول غيره هذا الزحام لا أحد، لكن الشعراء لا يحكمون الشعوب، وليسوا مسؤولين عن حمايتهم من الغرق في الفقر والظلم والقهر. لقد اصابت انفلونزا الطيور دجاج وديوك وبط النظام الحاكم في مصر، وبلغت إصابته حد أنه يخترع كذبة، ثم يتوهم أنها حقيقة، بل أصبح لا يصدق سوي الوهم، ويتصور ـ مثلا ـ أن مشهد الجماهير التي توافدت لمتابعة مباريات كأس الأمم الافريقية لكرة القدم، هو دليل عودة الروح لمصر، وهي كذبة تؤكد أنه نظام طلعت روحه منذ زمن طويل ويتصور انه ما زال حيا، فهؤلاء العاطلون عن العمل ذهبوا الي الاستاد كنوع من التغيير من المقاهي الي الاستاد، انهم شباب فقدوا الامل واكتسبوا احباطا، جعل الجالسين في المقصورة الرئاسية يتوهمون ان هذا الصراخ والتصفيق في حب مصر، انه صراخ المكبوتين، الصراخ الذي تسمح به خراطيم مياه الامن المركزي، الصراخ الذي تحرسه عيون امن الدولة بحنان، وتشجع عليه، لأنه صراخ لا يكلفها الجري وراء هؤلاء المشجعين في المظاهرات، ان النظام الذي يري فرقا بين تجمع مئات الالاف حول مباريات كرة القدم، وتجمع المئات في المظاهرات التي تندد به، هو نظام فقد وعيه ونوره وظله، فهذه المئات من هذه الالاف، مع اختلاف بسيط في الاولويات، لكن المعاناة واحدة، والقهر متطابق، فليست فراخ النظام المصابة بالانفلونزا هي القادرة علي متابعة مران الفريق القومي لكرة القدم، في الوقت الذي كانت تتابع فيه اسماك البحر الاحمر حفل عشائها بجثث محكومي هذا النظام، وانما بقية هؤلاء المحكومين لديهم القدرة نفسها علي التكيف، لكن هؤلاء المحكومين لم يصبهم دوار الحكم، وان بدت عليهم هم ايضا اعراض انفلونزا الطيور، الا انهم لا يأكلون الطيور من الاساس، احيانا يأكلون ارجل الفراخ، لكن ذلك منذ زمن، يسبق ظهور المرض، وليس مستحيلا ان ينتقل قريبا صراخهم من اسفل اقدام لاعبي الكرة، الي أعلي مقصورة في استاد الوطن، إنني ألتمس العذر لهذه الجماهير، وألومهم لانهم لا يشاركون بالحماس نفسه، في مباريات منتخب الهم الوطني، فالمباريات التي تنصب لهم تتوالي، من العبارة الي اختفاء السكر وظهور انفلونزا الطيور، ومن قبل ومن بعد الرسوم الدنماركية التي أساءت الي الرسول صلي الله عليه وسلم، وهي أمور يتعامل معها النظام باعتبارها هدايا من السماء، يستثمر بعضها ضد المصائب التي يقترفها علي الأرض، والفرح الصبياني بهذه الهدايا المزعومة، ربما يصبح سببا ليتذوق هذا النظام طعم المآتم، فالناس تلتقط الطعم، وتخرج لتسب الدنمارك، ويفرح النظام بصيده الجديد، وتنسيه شيخوخته المزمنة، ان المشاركين في تلك المظاهرات، يلعنون الدنماركيين الذين يحكمون مصر، واعماهم الزهايمر عن التمييز، بين أهالي ضحايا العبارة، وبين عصابة خط العيد خالد الذكر عزت حنفي، لقد تعامل امن النظام الدنماركي مع الأمرين بالطريقة نفسها، باعتبار أن ضحايا العبارة والخط.. كلهم صعايده! ان اكثر ما أخشاه، ان تنتقل انفلونزا الطيور التي اصابت نظام الحكم في مصر الي شعبها، لكن أملي كبير في صحة ما يقوله خبراء منظمة الصحة العالمية، من ان المرض لا ينتقل بالدرجة الاولي سوي بطريق الاحتكاك، بين الفراخ المصابة وبين الانسان، والحمد لله فالناس لا تري أحدا من فراخ ـ او كتاكيت ـ النظام إلا من وراء زجاج شاشات التليفزيون، فلا مجال للإحتكاك، وانصح كل من يقرأ جريدة وفيها صورة مسؤول في نظام الحكم، ان لا يحتك بها، وان حدث الامر سهوا، فليسرع بالإستعاذة من الفيروس الرجيم، وغسل يديه من اصحاب العبارات واصدقائهم ورؤساء اصدقائهم، ولا تنتظروا المساعدة من مسؤولي دولة قتلت ألفا من أبنائها بالأمس في البحر الأحمر، ونسيتهم منذ أول أمس، لتواصل الإهتمام بانفلوانزا الطيور، لانه اهتمام غير بريء، ولعل سببه أنه من السهل ـ هذه المرة ـ إلقاء اللوم علي الضحايا، الذين يسكنون في العشش العشوائية، فوق أسطح المنازل، ولا بد من قتلهم جميعا، منعا لانتشار المرض، وعندها يصبح قتل الفراخ دفاعا عن الوطن، وينسي قادة النظام ان هؤلاء الجنود الذين يدفعون بهم الي ارض المعركة، لا يختلفون عن العدو في شـــيء، فالــفراخ والجنود من ذوات الإثنين وليس الأربع، ويسكنون معا العشش العشوائية نفسها. انني اتمني علي قنوات السرايا الصفرا في ماسبيرو، ان لا تزيد في خفة دمها بالحديث عن شفافية النظام، الذي سارع بالإعلان عن ظهور المرض في مصر، لأنه حديث يفور بسببه شيء لا يعرفونه إسمه الدم، فالنظام لم يعد يحتاج لأي رداء شفاف، فلم يعد هناك مايخفيه، وأصبح عاريا، لا يستحي من عوراته، بل يعرضها بفخر، ويكرمها، ويحصنها برلمانيا وحزبيا. اننا في عصر تزوجت فيه البجاحة بالقهر، واصبح الفجور ابنا شرعيا ينتظر وراثة ابيه، لكن لكل عصر مغربه. ہ كاتب صحافي من مصر[email protected] 8