ملمس الضوء

حجم الخط
0

منذ كان الصمت، قناع الخوف في دروب النسيان، تعبر الخفافيش عن فوضى المكان المهجور في ذاكرة عربي، لم يعد يتذكر ابناءه السبعة، ولا زوجته العجوز التي تلاعب الزمن بوجهها، وانحنت مرغمة لرؤية اديم الارض، كلما مشت في طريق الكهولة المريرة، والعيون تلخص ما تبقى من موت بطيء يحتمل كل الوجوه التي كانت تعتقد انها ستظل ناضرة، رغم مرور السنين، وهموم الايام الحالكة، مثل قطعة ليل هارب من ضوء قمر خافت يسرق همس الفؤاد، ويرتل اغنيات العذارى على ابواب الزواج الموصدة بقرار جمهوري.

يتكئ على عكازه القديم، يحمي الديار بظله النحيل على امتداد الضوء، تخرج الاصوات عن المالوف، وتصنع لنفسها سفن الظلام، واشرعة العودة الى تخوم البلاد الغارقة في حمرة شمس، تودع اهلها كل غروب، وهي غير موقنةانها ستعود مشرقة في اليوم الموالي، تكشف هول ما اقترفته يد الانسان في حق اخيه الانسان، وتواري التراب عن وجوه كانت بالامس القريب، تخاصم الجيران، عن حق دفع الاذى لاخر جار، يطل من شرفة بيت، هو بيتك، اراك تحمل امتعة الرحيل صوب وجهة اخرى، ولم يعد المكان يحتمل عدد الوجوه المتشابهة من زحمة الشوارع التي لا تعرف طريقها، ولا تدري اين يصب هذا النهر المتدفق من البشر كل صباح، والخبز يوجه فقراء العالم على مصير من لم يجد لقمة عيش شحيحة، في زقاق ضيق، لم يتعود على كشف وجهه السيء، الا من خلال عدسات التصوير، والكوارث االمتتالية التي تعكس بطش ظلم حاكم في حق جسد الوطن الذي يشكو من انتشار الحمى، ولا دواء يعالج صداع الضمير، وطهارة الروح من عذابات سقوط غرناطة، وحامية السلطان في احراق كتب الاعتراف، ومصاهرة العجم في اللباس، والكتابة على يسار القلم.

ثمة متسع من الوقت ليعيد التاريخ صرخته الأولى في ما يجري الآن داخل حيز الرؤية المسموح بها أثناء معالجة الضوء بدماء سخية على حدود الجسد، أرقب ما تبقى من حجر يتراكم فوق ظهر عجوز شمطاء تفاوض الوافد الجديد عن صمت الحقيقة في عيون هذا الوطن الممتد على أطراف المنفى، والجرح الغائر في إرتعاش اليدين لا تقوى على حمل السلاح في وجه لم يعد غريبا عن مواطن السؤال، والإجابة السريعة مثل الوجبات الأمريكية على قارعة النوادي السياسية، تأخذ الصورة عبارة الإحتجاج، وتخون الذاكرة مشاهد القتل في أسواق الشرق، تعرض أصناف الجثت بأثمنة موسومة بالغضب، تلقى في العراق تتلقفها أنياب الذئاب الضالة في عواصم الغرب. متى أجد جثتي خارج الوطن تحمل حروفا عبرية للإستهلاك المحدود حسب طبيب مختص.

خليل الوافي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية