إيران من الثورة إلى الربيع

حجم الخط
0

د. ناصر بن غيث

إيران ومنذ قيام ما بات يعرف بالثورة الإسلامية فيها وهي حديث المدينة كما يقال، ففي البداية كانت أحداث رهائن السفارة الأمريكية التي استمرت لأكثر من سنة ثم بعد ذلك الحرب مع العراق التي استمرت لثماني سنوات كانت عجاف على أطرافها المباشرين وغـــير المباشرين، وتلا ذلك ما كان يسمى بمبدأ تصدير الثورة كان يرتكز على مظلومية الأقليات الشيعية في بلاد العرب تلا ذلك محاولات تشييع في مختلف الدول العربية والأفريقــــية، وأخــيراً جاء البرنامج النووي التي تقول إيران أنه لأغـــــراض إنتاج الطاقة السلمــــية رغم أنهــــا تحظى بمخزون هائل من النفط والغاز، وبكلمات قليــــلة يـــمكن اختصار وضع إيران الإقليمــي في الثــــلاثة عقــــود الأخيرة بالقول أنها لم يكن لها دور بــــناء أقليــميا ولم تكن عنصر مندمج دولياً، لكن ما المشكلة؟ ولماذا عجزت أيران الإندماج إقليميا؟

أعتقد أن المشكلة في المقام مشكلة داخلية كانت لها أنعكاسات وإفرازات أقليمية ودولية منعت إيران من الاندماج مع محيطها، وتتلخص هذه المشكلة في ثلاثة عناصر: أقتصادي وسياسي وعرقي بالإضافة إلى عقدة تاريخية لم تتمكن الأنظمة الأيرانية المتعاقبة على تجاوزها، فالمتابع لتاريخ إيران الحديث يجد أن إيران تحت أنظمة الحكم المتعاقبة ربما بإستثناء فترة حكم العائلة البهلوية كانت أقل الدول إندماجاً مع محيطها وهذا قد يكون نتيجة عوائق عرقــــية وتاريخـــية وثقافية فهي الدولة ذات الغالبية الشعية بين دول ذات غالبية سنية وكذلك هي الدولة التي تعتقد أن لها حق تاريخي في أقاليم تتبع لدول مجاورة تحت ما يسمى بفارس الكبرى وهو ما جعلها تعاني من حالة ما يعرف بالدولة الوحيدة (Lonely State) والتي أستخدمها صموئيل هنتجتون لوصف الدولة التي تعجز عن الإندماج في محيطها الأقليمي نتيجة تضارب عوامل التاريخ والجعرافيا. فمن الناحية الإقتصادية فإن إيران وبالرغم من عناصر القوة التي تملكها في المجال الإقتصادي من ثروات طبيعية وموقع جغرافي وتاريخ حضاري ونظام تعليمي جيد ورثته من نظام الشاه إلا أنها وتحت حكم النظام الديني الصارم فشلت في تحقيق نقلة في الإداء الإقتصادي بل على العكس من ذلك تماماً فقد تخلف الإقتصاد الإيراني عما كان عليه إبان الحكم الملكي، فإقتصاد إيران ما يزال إقتصاد ريعي يعتمد بالدرجة الأولى على عوائد النفط والغاز ونسب النمو الإقتصادي التي حققها منخفضة مقابل معدلات بطالة في إرتفاع مضطرد بسبب الإزدياد الكبير في عدد الداخلين إلى سوق العمل حيث أن الشعب الإيراني من الشعوب الشابة، كما أن معدلات التضخم السنوية أمست خارج السيطرة ومستوى المعيشة والخدمات الأساسية من تعليم أو رعاية صحية في ترد مستمر والصادرات غير النفطية في تراجع، وأصبحت إيران بعد ثلاثة عقود من حكم ولي الفقيه تستورد الكثير من إحتياجاتها بعد أن كانت قد صلت إلى مرحلة الإكتفاء الذاتي بل وتحقيق فائض في الكثير من القطاعات خاصة الزراعية والإنتاجية إبان حكم الشاه. أما عن المشكلة السياسية فتكمن في نظام الحاكم الذي يقوم على مبدأ ولاية الفقيه، فالثورة الإسلامية التي بدأت بتحرك طلاب الجامعات قامت بسبب تغول وفساد النظام الملكي على أمل التحول إلى نظام ديمقراطي يسود فيه القانون وتُحمي فيه الحقوق والحريات، إلا أن ما تمخضت عنه هذه الثورة هو حكم شمولي شبيه بالحكم الملكي لكن بلبوس ديني، وبالرغم من العملية الإنتخابية التي يتم من خلالها تداول السطلة في إيران إلا أنه لا يمكن وصف نظام الحكم فيها بالديمقراطي فالمؤسسة الدينية متمثلة في المرشد الأعلى للثورة تمسك بزمام الإمور وتتحكم في المؤسسات الدستورية من برلمان وحكومة وقضاء، وقد لا نبالغ أن قلنا أن نظام ولاية الفقيه يعتبر من أكثر أنظمة الحكم ديكتاتورية لأنه يحيط نفسه بعباءة الدين المقدسة التي تحصنه ضد النقد والمراجعة والذي تجعله نظاماَ تجاوزه التاريخ غير مقبول اليوم الأمر الذي شكل له أزمة شرعية داخلية كبيرة.

المشكلة العرقية والطائفية تتجلى في النسيج الديمغرافي المتنوع فإيران تتشكل من خمس مكونات عرقية: الفرس والأذر والعرب والبلوش والكرد، فالفرس يشكلون الغالبية العظمى ويستوطنون الوسط في حين أن الأذر الذين يستوطنون الشمال الغربي يشكون ثاني عرقية من حيث العدد، يأتي بعد ذلك الكرد الذي يستوطنون الغرب والشمال الغربي ثم العرب في الجنوب والجنوب الغربي والبلوش في الجنوب الشرقي هذا بالإضافة إلى بعض الأقليات الصغيرة من التركمان والارمن وغيرهم، ويستأثر الفرس والأذريين والذين ينتمى أغلبهم إلى المذهب الشيعي بالسلطة والثروة على حساب الأقليات الأخرى التي تعيش في الأطراف التي تعاني من التهميش والفقر ما أثر بشكل كبير على النسيج الديمغرافي وكذلك على الإستقرار السياسي بسبب الحركات الإنفصالية التي أخدت في السيطرة على هذه الأقليات العرقية خاصة العرب والبلوش وتوتر في الوقت ذاته بعلاقاتها مع العديد من دول الجوار.

أما عن العقدة التاريخية فتتلخص في الإعتقاد بتفوق العرق والثقافة الفارسية على ما سواها من ثقافات المحيط، فتاريخيا تعتبر الحضارة الفارسية من أهم ما قدمته الإنسانية من النتاج الحضاري البشرى، وحتى بعد إنهيار الإمبراطورية الفارسية على يد المسلمين العرب والذي لم يستطع الفرس تجاوزه إلى يوم الناس هذا وبالرغم من إعتناقهم الدين الإسلامي فلقد كان للثقافة الفارسية دور كبير ورئيسي في البناء الحضاري الإسلامي فقد برع المسلمون من الفرس في الكثير من المجالات كالفلسفة والفلك والطب والجبر وغيرها من المجالات، وقد عزز هذا الشعور القومي لدى الفرس وعزز لديهم عقدة التفوق على سائر الأعراق والثقافات المجاورة وفي مقدمتها الثقافة والعرقية العربية وقد لبست هذه العقدة في العديد من الحقب التاريخية أخرها الحقبة الحالية لبوس مذهبي تتمثل في التشيع والذي مثل عامل عدم ثقة بين إيران وجوارها، هذا بالإضافة إلى أن العديد من الحكام المتعاقبين على إيران كان يراودهم حلم إقامة إيران الكبرى التي تضم إضافة إلى إيران أقاليم ومن العديد من دول الجوار والذي أضاف عامل اَخر يحد من إندماج إيران في محيطها الجغرافي.

بسبب هذه العوامل التي حدت من إنسجام إيران داخلياً وإندماجها في محيطها الاقليمي فإن إيران اليوم أمة منقسمة داخلياً تعاني التجاذبات السياسية والعرقية ومنعزلة إقليمياً ومتخلفة إقتصادياً ما يشي بإننا قد نكون على اعتاب ربيع فارسي، بل ان الكثير من المراقــــبين أستغربوا أن الربيع الفارسي تأخر وكان من المفترض أن يسبق نظيره العربي، فالشعب الأيراني شعب شاب له تطلعاته ويعاني من الفقر والبطالة ويقبع تحت حكم ديني شمولي شبيه بأنطمة الحكم الدينية في أوروبا في العصور الوسطى عجز عن تحقيق طموحات الشعب الإيراني التنموية وبدد ثرواته في مغامرات سياسية من حروب ودعم لحركات مسلحة وأخيراً برنامج نووي كانت تكلفته السياسية والأقتصادية باهظة جداً دون عائد منظور. الربيع الفارسي إن حصل ستتمخض عنه على المستوى الداخلي إحدى نتيجتين لا ثالث لهما: أولاً قد ينتج نظام حكم علماني يكون قادراً على التعامل وإستيعاب التنوع العرقي والطائفي الإيراني ويضمن مستوى مقبول من الحقوق والحريات ويكون قادراً على تحقيق التطلعات للشباب الإيراني الطامح، ومن الناحية الإقتصادية قد يشكل الربيع الفارسي نقطة إنطلاق للإقتصاد الإيراني الذي يملك كل مقومات النجاح والتحول إلى إقتصاد مؤثر ليس على المستوى الاقليمي بل حتى على المستوى الدولي خاصة إذا ما كان ضمن منظومة أقتصادية أقليمية، وإلا فإن البديل والنتيجة الثانية هي الحرب الإهلية ومن ثم التقسيم خاصة إذا ما تدخلت القوى الاقليمية والدولية للتأثير على مخرجات الحراك الإيراني أو لحماية الإقليات العرقية التي تنتمي إليها. وعلى المستوى الإقليمي فقد ينعكس الربيع الفارسي إيجاباً على المنطقة لكونه سيقلل من حدة التجاذب الطائفي في العديد من الدول كالعراق والسعودية والكويت هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى سيوقف سباق التسلح في المنطقة والذي إستنفذ موارد وإمكانيات دول المنطقة والتي كان يمكن توجهها إلى التنمية الإقتصادية والإجتماعية، ومن ناحية ثالثة لأن الربيع الفارسي وما سينتج عنه من تغيير للنظام في إيران سيمثل سقوط اَخر العوائق أمام إندماج دول المنطقة العربية فيما بينها والتكامل مع دول مثل إيران وتركيا وباكستان والتواصل مع محيطها في شبة القارة الهندية واَسيا الوسطى وأفريقيا جنوب الصحراء الأمر الذي قد يتمخض عنه في المحصلة تشكيل تكتل قوي يوازن أوروبا غرباً والهند الصين شرقاً، أرجو ذلك.’ جامعة السوربون ابو ظبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية