اجرى الحوار تيسير النجار: تشكل رواية ‘انين مدينة’ للروائية سناء ابو شرار لبنة مهمة في معمارهاالروائي الذي يرصد معاناة الانسان اولا، وتحمل هذه الرواية في معمارها ‘الصحافة’ كمادة للدراسة ولرصد التحولات التي يعيشها البطل احمد عبر صفحات الرواية لرصد وجع الانسان وتفاصيل المه. في روايتها الصادرة حديثا بطبعتها الثانية عن دار شمس بالقاهرة تمعن الروائية بتقديم ورصد حالة وصورة المعتقل السياسي القديمة حتى يتسنى للجيل الشاب ان يتعرف على صورة من يضحون من اجل افكارهم وأين تصل بهم الطريق، اجواء الرواية رغم سوداوية مشهديتها الاّ ان الصوت والضمير الانساني فيها يعلو على ما عداه. و كان هذا الحوار الخاص مع الروائية سناء ابو شرار لـ’القدس العربي’ وهي من مواليد غزة- فلسطين، ومقيمة في عمان- الأردن وتعمل بالمحاماة، وتحمل ليسانس حقوق جامعة دمشق، وماجستير في العلوم القانونية جامعة مونبيليه- فرنسا وهي عضوة في اتحاد كتاب فلسطين وفي اتحاد كتاب مصور في نادي القصة في القاهرة، وتمت مناقشة أعمالها في العديد من الندوات في القاهرة وعمان، وابرز مؤلفاتها : ‘اللاعودة: قصص’، و’جداول دماء وخيوط فجر : قصص’، وصدر لها الروايات: ‘رائحة الميرامية’، ‘غيوم رمادية مبعثرة’، ‘أساور مهشمة’، ‘رحلة ذات لرجل شرقي’، ‘في انتظارالنور’، و’لاني اشتاق إليك’ ..تاليا نص الحوار معها: * في روايتك ‘انين مدينة’ تبرز وجوه المدينة المتعددة ويغيب اسمها، ما الغاية من ذلك؟* المدينة بالنسبة لي ليست اسما بل وقع حياة، ففي كل مدن العالم هناك تشابه في وجود الأغنياء والفقراء والتناقضات التي تقع بين هاتين الطبقتين، في كل مدن العالم هناك ركن صامت للحزن وساحات واسعة للفرح، وفي كل مدن العالم يحيا البشر وما يجمهعم اكثر مما يُفرقهم، لذا لا أهمية لاسم المدينة لروايتي وقد تعمدت عدم ذكر اسم المدينة كي تنطبق أوصاف مدينتي على أي مدينة تتألم بهذا العالم الواسع. * بالنسبة للبطل أحمد، كانت واضحة تجربة المعتقل السياسي فهل هذا سبب في نجاح الرواية وهي تعبر عن حقبة زمانية عربية، فهل انتهت هذه الحقبة؟* سبب نجاح الرواية ليس تجربة المعتقل السياسي بل هو تحويل ماهو سياسي إلى ما هو انساني، في معظم الروايات العربية تم تناول المعتقل السياسي من الزاوية الجافة والتي تنتقد سياسة الدولة، ولكنني بهذه الرواية انتقلت من المعتقل إلى الحالة الإنسانية التي يحياها شخص عادي ويعمل كصحفي وتم تصوير تجريته مع المعتقل بصورة ناجحة دون تهجم أو رأي مُسبق من طرفي، فأنا أكتب ما يمكن أن يشعره أي شخص من حولي. في ظل التغييرات الحالية في الوطن العربي يمكن القول بأن المعتقل السياسي تقلص دوره ولكن الأخطر من المعتقل السياسي حالياً هو أن يمسك بعض أفراد الشعب بمعول الهدم ويدمرون ما تم بناؤه، فرغم انتقاد بعضسياسات الدول لابد من الحرص على ما تم بناءه ولابد من الحذر من مؤامرات تدمر الأوطان تحت شعار الحريات.* أحمد بطل الرواية رغم فقره وبؤسه، هل كان مثالياً وكأنه بطل؟* للأسف أننا في الوطن العربي نقيس قيمة الإنسان بما يملك رغم أنالحياة تثبت لنا وفي كل المحطات بأن قيمة الإنسان ليست بما يملك من مال بل من قيم ومبادىء ايمانية أو أخلاقية، لذا نعتبر أن من يتمسك بهذه القيم مثالي رغم أنه ليس مثاليا ولكنه ببساطة ما اراده الله تعالى للإنسان أن يكون بأخلاقة وقيمته الإنسانية الراقية، بطل الرواية ليس مثاليا، هو فقير ولكنه ليس بائسا وقد آمن بمبادىء معينة بحياته ودافع عنها حتى النهاية دون أن يجعل من ذلك بضاعة يتاجر بها، إنه مخلص وصادق مع ذاتهقبل أن يكون كذلك مع الآخرين وتوجد شخصيات كثيرة في مجتمعنا تحمل هذه الصفات العظيمة ولكنها مجهولة وأنا أحب أن أسلط الضوء عليها لجمالها ونقائها. * الوطن يمتد على صفحات الرواية كاملة بتفاصيل عاشق، فكيف يمكن لمعتقل سياسي أن يحب وطنه أكثر من الاخرين؟* كل انسان يحب وطنه، ولكن هناك من يحب صورة محددة في تفكيرهلوطنه، والمعتقل له صورة عن هذا الوطن يريدها أن تكون، قد تبقى هذه الصورة حلما صامتا وقد تتحول لمطالبة صريحة، وفي كل الأحوال فإن حبه للوطن يدفعه احياناً للمعتقل، وفي ظل حرية الرأي المسموح بها حالياً اصبح الحديث عن المعتقل موضوعا قديما نسبياً، الأهم هو ألا يتاجر صاحب القناعة السياسية بأفكاره لأجل هدف مادي أو معنوي وأن يكون صادق بحبه لوطنه لدرجة الانسحاب إن كان ذلك الحب يشكل خطرا على المصلحة العليا للوطن.*معمار الرواية يحمل بعداً هامشياً للزمان والمكان ما الغاية المقصودة من ذلك؟* حين يتم الحديث عن قيمة عليا وجمال انساني رفيع تتقلص مساحة الزمان والمكان، فجميع المقولات الأدبية العالمية والتي تم توارثها عبر أجيال لم تهتم بالمكان أو الزمان، لأن الذات البشرية تختزل حدود المكان والزمان بينما المكان والزمان لا يمكن أن يختزلا الذات البشرية، ما دعا الله تعالى إليه من أخلاق وايمان يتجاوز حدود المكان والزمان، لذلك يبدو الزمان والمكان في أغلب رواياتي هامشياً لأن ما يهمني هو اتساع الذات البشرية وتقلبها وتحولها أو ثباتها واصرارها.*الصحيفة برأيك مناخ للرواية وهي فكرة مختصرة عن الوطن؟* حين ننظر لما يوليه الغرب من اهتمام للصحافة ندرك وبشكل عميقمدى اهمية الصحيفة والصحافة، الكثيرون في مجتمعنا ينظرون للصحافي في جريدة ما أنه مجرد صحافي في جريدة ويكتب ما يُملى عليه، ولا يتصورون اهمية هذه المهنة بل وأهمية الصحافة، ولكن المشكلة في المجتمعات العربية هي أن الصحيفة اصبحت مجرد ناقلة للخبر الجاف، بينما في الغرب تطورت الصحيفة لتصبح المرآة العاكسة لجميع هموم ومشاكل بل وسعادة المجتمع، الصحافي في الغرب ليس ناقل خبر بل محرك لحياة الملايين ويستمد قيمته كصحافي من هذا التواصل الإنساني الواسع مع القراء، لذلك فالصحيفة هي من افضل انواع المناخاتللرواية لأنها البوتقة التي ينصب بها جميع التيارات الاجتماعية والثقافية والسياسية بل والدينية.*مريم، هل تجسد شخصية البرجوازية التي تشتري المظاهر؟ وهل يشكلذلك نقدا لتلك الطبقة؟* لا تشكل شخصية البرجوازية، وإلا لما اختارت الزواج من الصحافيالفقير، لكنها تشكل شخصية تنتمي لطبقة غنية ولكنها لا تغفل وتتعالى على القيم الأخلاقية لمجرد كونها من طبقة برجوازية، بل ان دورها اتىلتوضيح وجود بعد الفئات من الطبقة البرجوازية التي لا تزال تتمسك بالقيمالأخلاقية والإنسانية. ولا يشكل هذا نقدا لتلك الطبقة، لأن الطبقة البرجوازية ان تم توجيه نقد لها ليس لكونها تمتلك المال بل لكونها تتعالى وتتجاهل مشاعر انسانية يشعرها الفقير والغني، المال بحد ذاته نعمة كبيرة وقوةلا يُستهان بها ولكن النقد للطبقة الثرية موجه لطريقة تفكيرها وليس لملكيتها للمال أو السلطة.*تحليل شخصية رئيس التحرير وتلاعبه بأقدار البشر ما قصدت به؟* لن اسمي عمله بأنه تلاعب بأقدار البشر، ولكن رئيس التحرير خصوصاً في أي بلد عربي محكوم ومقيد بسلسلة من القيود والالتزامات والبروتوكولات، يتأرجح عمله بين الموازنة بين ما يجب وبين ما يرغب من حوله وبين ما يفكر به هو، وقد يكون ما يفكر به هو أكثر الآراء استبعاداً لأنه اعتاد على موازنة كل شيء حتى مشاعره، فهو حتى ولو كان ضد تفكير صحفي ما لا يكون ذلك لصفة شخصية ولكن لأن عمله هو صراع الموازنات، حتى في الغرب لا يزال رؤساء التحرير لا يتمتعون بما يرغبون به من حرية مطلقة، لذلك تبدو الصحافة بجزء كبير منها دبلوماسية موازنة القوى خلال تناقض التيارات والأفكار. *هل يمكن للوطن أن يرفض المخلصين من ابنائه؟* لا ارى أن الوطن شعارات ضخمة، بل هو حفنة رمال دافئة، وشجرة تين وارفة وعيون سود سعيدة، هذا هو الوطن بالنسبة لي، وهو لا يرفضأيا من ابنائه، فالتلة لا تقول لمن يجلس عليها اذهب من هنا والرمال لا تهرب ممن يسير فوقها، نحن من يضع القيود، ونحن من جعل الحب مشروطاً، ممنوعاً أو مشوهاً، الوطن يعشق كل ابنائه إلا من اتخذ من حبه وسيلة لمغنم مادي أو معنوي، فيرفضه ويلفظه مهما اتقن التمثيل ومهما طال زمن التمثيل، الوطن لا يقبل إلا حب البسطاء الأنقياء الذين يضحون بصمت ودون أن يطلبوا المقابل تجاه هذا الحب الطاهر.