إعادة اكتشاف الذات الجماعية ومقاومة الاختراق
مجلة مجرة المغربية تخصص عددا عن الثقافة والأدب الشعبيين :إعادة اكتشاف الذات الجماعية ومقاومة الاختراقالرباط ـ القدس العربي ـ من الطاهر الطويل: يحفز الوضع السياسي والثقافي الراهن في العالم العربي، أكثر، علي ضرورة الاهتمام بالثقافة الشعبية والارتقاء بها إلي العملية الإنتاجية، من خلال الاشتغال عليها باعتبارها ثقافة ومعرفة تشخص حالات الوجدان الجماعي وتعبر عن رؤية للعالم. والمثقف بهذا التوجه نحو تعبيرات المجتمع يعزز الموقف ضد سياسة تعطيل الوجدان الشعبي من خلال الإعلاء من تعبيراته الرمزية.تلك بعض خلاصات العدد الجديد من مجلة مجرة الفصلية التي تصدرها دار البوكيلي للطباعة والنشر بالمغرب، وساهم في هذا العدد الذي حمل عنوان الثقافة والأدب الشعبيان مجموعة من النقاد والأدباء والباحثين، وهم: عباس الجراري، مصطفي يعلي، محمد أنقار، أحمد حافظ، سعيد يقطين، بوسلهام الكط، أحمد زياد محبك، ليلي مسعودي، محمد سعيد سوسان، المختار التزنيتي.في دراسة تحت عنوان نحو تأصيل الدراسة الأدبية الشعبية بالمغرب: نموذج (من وحي التراث) ، يشير الأديب والناقد مصطفي يعلي إلي أن التراث والأدب الشعبيين كانا يقابلان بموقف سلبي في المغرب خلال مرحلة ما قبل ستينات القرن العشرين، ويقول إن المثقفين المغاربة كانوا يقفون موقف ازدراء وتحقير من الأدب الشعبي وما يمت إليه بصلة، إلي حد أنه كثيرا ما نُظر إلي المحاولات القصصية الرسمية التي كتبها بعض الكتاب المغاربة خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي نظرة استفزازية من لدن أصحاب الأقلام المحافظة، الذين عمدوا في مواجهتهم لها إلي المقايسة علي القصص الشعبي باعتباره كلام عجائز وتسلية، لينتقل التحقير من هذا القصص إلي القصص الرسمي ذاته. وفاتهم إدراك أن الأدب الشعبي هو أيضا أدب حامل لقيم نبيلة ورموز عميقة بعيدة الدلالة، تتجسد عبر مكونات وأدوات جمالية ومعالم أسلوبية غاية في الروعة والإتقان.ولكن الدكتور يعلي يشير إلي جهود اعتبرها استثنائية وقليلة كان أصحابها يمتلكون وعيا بجدوي الأدب الشعبي خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي والإسباني للمغرب، معتبرا أن هذه اليقظة النسبية تجاه الأدب الشعبي ترجع إلي الشعور بفضل الجماهير الشعبية في محاربة المحتل في نكران ذات، مما مكن من التخلص منه؛ فضلا عن الإحساس العام بالذات الوطنية ومحاولة دعمها بمختلف المبررات، بما فيها المبررات التراثية التي تثبت عراقة الأمة وجدارتها. ثم يتوقف الدارس عند كتاب المفكر المعاصر الدكتور عباس الجراري الذي يحمل عنوان من وحي التراث باعتباره أول تجربة فعلية في سياق تأصيل الدراسة الأدبية الشعبية في المغرب.وكتبت الباحثة والأديبة زهور كرام بحثا تحت عنوان نحو الانفتاح علي الثقافة الشعبية ، مما جاء فيه: إن انفتاح المثقف علي الثقافة الشعبية (المحلية) أو ما يسميه المفكر المغربي عبد الله العروي بالثقافة العضوية، هو انفتاح علي الشعور الجماعي، وهو إدراك لخصوصية تجارب المستويات التعبيرية، وفي هذا إغناء نوعي للثقافة. إن المثقف، باعتباره يشتغل علي إعادة إنتاج الخطابات عبر الكلمة والصورة والإشارة واللغة والإيقاع ومختلف أشكال التعبير، فإنه يعيد إنتاج إدراك جديد بهذه الثقافة التي ينتجها المجتمع، بناء علي وضعيتهم وتفكيرهم. وتخلص الباحثة إلي القول إن الانفتاح علي هذه الثقافة يجعل المجتمع يتحول بكل فئاته إلي مكونات فاعلة في تسيير شؤون الوطن، وفي تدبير شؤونه. وبهذا الشكل أيضا يمكن للشعوب مقاومة مختلف أشكال الاختراق التي تهدف إلي سلب وجدان الشعوب من خصوصيتها في معني الحياة. واختار الباحث عبد الله بن عتو لدراسته عنوان التدين الشعبي: الآليات والمجال نحو إثارة الإشكال ، إذ يوضح أن نصوص أدب التدين الشعبي توجد في المجالات والظواهر الآتية: اعتقاد الناس في الكائنات العلوية والسفلية من الجن والعفاريت والمردة والهواتف وأرواح الموتي، اعتقاد الناس في الأمكنة والجهات مثل الأضرحة والزوايا والأماكن المسكونة بالجن والآبار والخرب والوديان وعيون المياه، الاعتقاد في استقراء البشر للغيب ويدخل في بابه الاعتقاد في السحر والكشف عن غموض المستقبل والتعزيم علي المرضي، الاعتقاد في أشياء تجلب الحظ وأخري تقترن بالنحس. وبالإضافة إلي العادات والتقاليد التي تشكل المشترك الاجتماعي للمغاربة، تطرق الباحث إلي وسائل التعبير الأدبية كالسيرة النبوية وسير الأولياء والصالحين والأمداح النبوية والأغاني الدينية.وفي مقاله المعنون بـ من ذاكرة الثقافة الشعبية يحلل الباحث بوسلهام الكط دلالة البركة بين الثقافة الشعبية والفلسفة، مشيرا إلي أن البركة كقوة خفية غير مرئية للجميع مرتبطة في الذهنية بأولياء الله ورجال الدين والمتصوفة. ويقول الباحث إن البركة تصبح إشكالا يشوش عقلية الإنسان العاجز عن التفسير والتحليل والفهم والمعرفة. كما يصبح النقد الفاضح والبناء طريقة من الطرق التي توضح وتظهر المختفي وتنتقد الثقافة الساذجة غير الواعية التي تخلط بين العجز والقدرة، بين العقل واللاعقل، بين الغش والصدق، بين الخرافة والعلم… في حياتنا البشرية.وتحت عنوان وحدة الحكايات الشعبية يقدم الدكتور أحمد زياد محبك دراسة مقارنة تنصب علي حكاية شعبية واحدة ذات روايات مختلفة في البلاد العربية، كحكاية الطائر الأخضر أو شجرة العرعر، ويقارنها بحكاية مشابهة لها في اللغة الألمانية، ويوضح ما بينهما من وجوه اتفاق واختلاف، ويفكك عناصرها المكونة ويربطها بمثيلاتها في الأسطورة والدين والأدب والتاريخ، ويخلص الدارس إلي القول بوحدة الحكاية الشعبية العربية علي الرغم من تعدد أشكال روايتها، ويري أنه من الصعب تحديد زمان الحكاية أو مكانها أو الأصل فيها.واختار الناقد والأديب محمد أنقار التوقف عند كتاب مغربي قديم نسبيا يحمل عنوان أدب الطفولة المغربية لمؤلفه محمد الجعفري، ويحلله انطلاقا من نظم الحكايات ومحاولة صياغتها شعرا. أما الباحثة ليلي مسعودي فركزت دراستها علي الحكاية الشعبية في الشمال الغربي المغربي، وقاربتها مقاربة سوسيولسانية، ساعية إلي ضبط الأبعاد الاجتماعية وإبراز مدي تأثيرها علي الحكاية، وكذا الوصول من خلال الحكاية إلي معرفة المجتمع وما يتداول فيه من معتقدات وتقاليد.وفي دراسة بعنوان السيرة الشعبية العربية والمتخيل العربي ، يؤكد الدكتور سعيد يقطين أن السيرة تاريخ شعبي، لأنها التاريخ الذي سجلته الذاكرة الجماعية العربية الإسلامية بانتصاراته وانكساراته، وظلت ترويه وتتناقله بطرقها الخاصة عبر الزمن، من خلال رواة محترفين. كما أنها ـ باعتقاد الباحث نفسه ـ تمثل أرقي وأكمل الأنواع السردية العربية. أما العلامة عباس الجراري فيحلل الزجل المغربي ويتطرق إلي أنواعه ويبرز تمظهراته الإبداعية. وفي مجال القراءات النقدية، يحلل الناقد والشاعر أحمد حافظ سؤال المرجعية في ديوان مخ السيكان للزجال محمد الزروالي، ويقرأ الدكتور مصطفي يعلي كتاب الحكاية الخرافية للمغرب العربي للمؤلف عبد المجيد بورايو، كما يقدم يعلي مجموعة حكايات عربية: قصص الأجداد في متناول الأحفاد التي أعدها الأديب والباحث محمد سعيد سوسان ونشرها بين دفتي كتاب. وبهذه النخبة من المواد الثرية والكتاب المتميزين، تكون مجلة مجرة ساهمت، بدورها، في إعادة الاعتبار للثقافة الشعبية المغربية والعربية عموما، وأولتها المكانة العلمية التي تستحقها. 0