أوجاع قصصية قصيرة جداً

حجم الخط
0

نهار حسب الله1. استيقظت مبكراً في ذلك الصباح، وأعلنت عن بيع كل ممتلكاتي في مزاد علني.

لمن يشتري.. ارضي التي زُرعت سلاحاً كيمياوياً، واثمرت زهوراً معوقة كأطفالي.

للبيع عرضت عائلتي قبل ان تفوح منها عفونة الموت. للبيع.. بيتي القديم بحرمته وذكرياته قبل ان أعيش كوابيس اغتصابه.

لمن يشتري كل شيء.. للبيع مقابل قلم يرسم لي خارطة وطن.2. صنعت من فكري شمعة لأنير عتمة الليل، أحرقت نفسي دونما تردد ولا مصلحة ذاتية.

بدأت بالذوبان من رأسي حتى أخمص قدمي.. إلا ان احدهم استعجل اطفاء وجودي معلناً انزعاجه من دخان حرائقي.3. جردوني من كل شيء.. دفنوا إنسانيتي رغماً عني، كان القبر بعتمته القاتمة اشد باساً مما كنت قد رسمت له في داخلي.. بقيت جسداً ليس إلا، الامر الذي اضطرني لزيارة مزارع الموت بعدما اشتقت لذلك الانسان الذي بداخلي. بحثت عنه في سراديب المقبرة.. تشتت النظرات وتاه الاحساس مع قبور تمتد على مد البصر، إلا انني وجدته حقل ورود تترأسه قطعة مرمر كتب عليها (هنا دفنت الانسانية).4. قيل ان للشهداء حقوقا.. سألت عنها بعد ان راح اولادي الاربعة فداءً للوطن.

كنت طموحاً الى توفير مستقبل افضل لأطفالهم.. غير اني فوجئت بان امتيازهم يكمن في الخلاص منهم ودفنهم في قبور جماعية مجهولة الهوية.5. بحثت في داخلي عن مشاعر تنافي ذلك الواقع المشوه الذي نخوض به جميعاً.. فتشت عنها بتعطش ملحوظ، غير اني لم اجد سوى صرخات طفلة أضاعت دميتها التي كانت تشاركها الحياة وتزرع في صدرها البسمة.6. كنت مصراً على الانضمام لتظاهرة السلام، حملت بيدي سنبلة وهتفت بصوت حماسي مرتفع (لا للحرب ودمائها، نعم للسلام والحرية)… تعالت الاصوات مع هتافاتي، صفت وصفق الآخرون لمن أحرق العَلم.

حاصرني رجال الأمن من كل صوب، ولم يتمكنوا من كتم صوتي، إلا انني اصبت بحالة من الصمت الرهيب بعدما تنبهت للسنبلة وهي تسقط من يدي لتحترق مع كل ما اشعلته التظاهرة.7. انتزعوا أيديهم ووضعوها في حقائبهم مع اكوام من الاسلحة، وافرغوا جعب عتادهم الذي صار صديق كل عوائلنا.. وشحنوا كل شيء كان قد وصل إليهم، حولوا كل شيء منا الى ملكيتهم الشخصية، حتى امي شحنوها مع ما شحنوه مني.. ولم يبقوا لي إلا بضع قطرات من دمي.8. احتضنتها بحرارة، وارتشفت من ندى شفتيها.. انسجمنا حتى ارتجفنا معاً.. وزخت تعرقاتنا في الوقت ذاته.. وبعد ساعة تلت اعتذرت لها بسبب رومانسيتي المقيتة ومضيت افتش عن شفاه بطعم آخر.9. مسكينة هي ساعتي الجدارية.. تمضي، تركض، تتسارع كما لو كانت عيوني تلاحق عقاربها.. لا تريد أن تصدق بانني توقفت قبل ان تعمل!.10. كثيراً ما تنسجم احلامي مع الشيطان، وتحول عتمة لياليَّ الى حمراء.. أصحو بعد الفجر، والحيرة تأكل نصف عقلي.. أفكر في غفران الرب والحبيب معاً طوال اليوم تارة وتقديم الشكر والامتنان للشيطان الذي صاحب سهرتي الندية تارة اخرى!.11. هطل المطر هذا الموسم بقسوة غير مألوفة، لا ليروي ظمأنا المزمن، ولا ليعيد للارض خضرتها.. وإنما ليرطب جثامين الربيع العربي التي تخزنت في قبور قاحلة.12. الكل هارب في بلادي، تهرب اللوحة من الألوان، والغيوم من السماء، والاسد من الفريسة، والمغتصب من العذراء.. إلا ذلك المجنون ظل قابعاً في مكانه مستمتعاً بما يدور حوله.13. سأعير زوجتي وأمي وأختي لضيوفي.. سأقدمهن.. عاريات مزينات كتفاحات حمراوات، وسأعلن عن فيض كرمي واجهز لهم حماماً دافئاً.. ليتأكدوا بانني من سلالة الجود والكرم الاصيل.14. خياليٌ لابل أغرب من الخيال ذاك الحال الذي نعيشه، نَقتلُ الأول ونطفئ الآخر حتى نتسيد، نموت حتى نُخلد، نركع للخوف، نبكي للضحك، نحسب ما فاتنا من الايام وننسى ما تبقى منها، نتبع الخطأ على أمل ان يغير رأيه ويشفق على حالنا ويحقق الصواب نيابة عنا، كل هذا وأكثر لأننا نفهم ونمارس الحرية على هوانا!.15. اقدس الأمانة والوفاء ولم أبخس حق مخلوق في حياتي إلا نفسي حينما آمنت بوطن سرق مني حتى محبتي له.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية