‘العطر يقطع المخطوط ‘ لأسعد الجبوري: جسّ الاعضاء المتألمة بمفردات واقعية

حجم الخط
0

لينا شدودأيها الشعر يا بلادي الأخيرة يا حديقة يتنهد فيها موج الذهن ويرسمها خيالها بأشعة من فلك وطقوس.(كل أرض مسودة لرحم منتهك)فخذ لباطن العقل مكواة.. وتأملخرابنابعد البخار.

يُقرِّبنا الشاعر أسعد الجبوري بمدّه وجزره، من نصوص تلوّنت بالأحمر والأسود، ومن طيش لغةٍ لا تضنّ علينا بإيقاع مختلف تُصدِره كائنات غير مرئية، تسكن أرضاً بعيدة، وتُغرينا لننصب خيامنا فيها.. وذلك من خلال بحثه عن عطر خارج الأقواس في مجموعته الثامنة ‘العطر يقطع المخطوط’. معه نصبح في مواجهة الجمال وأضداده بتلقائية عابرة لكل ما هو بائد، والفضل يعود للغة مباغتة، متفرّدة، ليست مجهولة النسب، بل من بنك الخيال الذي يثق به الشاعر وبكل امتيازاته. في هذا البنك تُفكّك الصور العادية عبر مرآة صافية لِتُفرَغ من شحناتها الموروثة، ومن ثم تُضَخّ بما هو مؤرّق، بعيداً عن فوبيا القواميس.. خيالٌ ثرّ، لا حرج عنده من هتك وشجّ القيود التقليدية. إنه الرفض الجميل لما هو محسوس بجسّ الأعضاء المتألّمة بمفردات واقعية، وبتشكيل مرن.. لغة محرّضة تُتقن التصدّي لكل ما قد يأسر المخيلة.. إذ لا قَداسة للموروث، بل جرأة على التطهير والشحن في آنٍ معاً.

مبتعداً عن التهكّم، مقترباً من ملامح حكمة طازجة قادرة على اختراق الذائقة المجلببة بالتابو؛ التي تخشى النزول إلى الساحات العامة، حيث الدم الحار جداً. شعر مشتعلٌ وقّاد، وليد أرض بكر، تسكنها مخلوقات مثيرة، قادرة على السطو على الذهن بما تملكه من أدوات الصعق في طقوس شهوانية لاستعارات ومجازات تؤطّّر هذا العمل الشعري المتجدّد من داخله، والمشاكس للنقد وإنجازاته. ‘لتطرب النصوص بعيداً عن مشارط النقاد ومخالبهم’. يُدرك الشاعر بما يملكه من ذاكرة أن الشعر الغني.. يُثري الوعي، بل ويُدرّبه على امتلاك أسباب بقائه، معه نستعيد ما سَلَبنا إياه الواقع الفقير من تخريب للذائقة.

ثمّة قسوة تنثر فضّتها على صفيح رغبة متأجّجة كلّما أطلّ الفقد من بين أنقاض الروح؛ خيالٌ نهم لا تكفيه الحواس العادية لحصر أصداء القديم في مقاطع قليلة، وهذا عادي بالنسبة لشاعر محارب، نصوصه مُتخمة بسريالية محببة، غير منكّهة بصفير لا يُجدي.

ليس من شحوم زائدة، أيضاً لا رغبة لإقصاء الحدث الواقعي، بل سعي متواتر من أجل تلوينه ليسهل امتصاصه.

قد تعاكسنا بعض السطور وتَحول دون التقاط الإشارات المُرسًلة فيحدث شرخ في عملية التلقّي. لكن بما يملكه الشاعر من حيلة، وانفتاح على التجارب الشعرية، ومهارته في إبعاد النص عن العقم الشعري بجعلنا طرفاً في الصراع مع بلاغة استثنائية تُحرض بوصلة الجمال عندنا على اللهو في أزقة الشعر وساحاته.

يلجأ الشاعر أحياناً إلى تقوية الاستعارة، وأحياناً أخرى إلى المجاز المُرسَل، ربما لاستعادة المعنى المرجو بحركات تنشطُ ببراعة التلميح.

هي قصائد خيميائية، متدرّجة المقاصد لقطف الكمال من خلال رصد الوعي الداخلي للنص.

يتجنب الشاعر الإكثار من استخدام الميثولوجيا كي لا يُنهك النص ويخنقه بأشباح لم تعد تقيم بيننا.

هو دائماً في سباق مع المعاني والصور بما يملكه من غموض الملامح والإيحاءات الغنية بشتى درجات التعبير. كيف لا ونحن من ‘بلدان تجلس على بيضة جهنم’ و’العواصم تحتلها التماثيل’. هم ‘سكان الكمنجات المختنقة’ وسكارى المخطوطات.

وليصور حالة التشظّي يعود بنا إلى التراث بصور غاضبة لمّاحة ووهاجة.. إلى الخوذ المنقوعة بالدماء، حيث الكثير من الصخب في طوابق الرأس العليا.’القراصنة في الرأس والقناصون وراء الجبال’معه النار مشتعلة دائماً في قرى الخيال.. الخيال المشغول باختراع أرض جديدة ليحميها من زلازل الخيانات.

من حين لآخر يذكر الخربشات المتروكة في عين كل عاشق، وإلى بقايا الزجاج المحطّم بين المفاصل.

كل خطوةٍ إليكَ طريقٌ ثملةٌ.

كل إرتماء عليكَ، قصةٌ لصيدٍ في البراري واللغات.

أنتَ يا عربدتي المُنتخبة وأدبي المقارن.

هل من نمرٍ، يقفزُ السياجَ، ليفتكَ بسكانِ خزائني.

لقد جعله الحب الفطري في حالة يقظة مديدة. ‘نحن الأرواح المجنّدة لتكنولوجيا المجازتنتظر شفتاها الأميتان”إنه الحب بثرثرته يجعل الأقحوان في الرأس’وفي نهاية المطاف.. ‘القلب خمّارة’.. هو يخشى الوحدة التي تلقي بأعواد الثقاب في الرأس لذا يسعى لإطلاق رصاصه الطائش في الحلم.

عشقه للأنثى… للذاكرة يتداخل مع عشقه للأرض لبلاد مرسومة بفم أحمر.’وليس ثمة من يأتي ببغداد’هنا يضع إصبعه على حالة اغتراب روحي، وكأننا معلّقون بخيط من نواح.’فنحن من تلك العواصف ولا نملك سوى حق الإقامة في الزمهرير”الغريب جثة لم يخسرها أحد’مع أنهم كانوا ممتلئين بخصوبة الهواء.. يدعونا الشاعر لتقليد الفريسة ومع ذلك لا بد من قطار ليغادر.. كيف لا وهو المشطور بين شرق وغرب لدودين.’أنا صاحب البزّة السوداءالمتقدم في القشدة صامتاً ما بين شرقتملأ الرماح رنينهوغرب يُدخنني تحت معطفه’ولأنه ابن بلاد تحتمي بذنوبها، صارت الحكمة ضريحاً وبلداً مهجوراً ولا مكان للحالم إلا على خطوط البراكين، وأكثر ما يخشاه أن تأخذنا الغيبوبة مبكراً، في بلدان تقيم في خرائط مجففة.

القصيدة لدى أسعد الجبوري عربدة تمهّد لغضبه الشاسع، وللهواء المشتعل بحطبه، يجره هذا الاشتعال أحياناً ليوجه سخطه إلى الرسل والأسطورة.’قل يا يسوعما أجمل الصليب الأحمرحين يصير مأوى للملايين’في قصائد أسعد الجبوري الكثير من الشوك الضروري لقصائد تتقن التمرد.

وثمة تحذير من الاقتراب من عطره.. من شعره.’لن تدخل عطري بعد الآن’العطر الذي ‘هو وجه الماء أثناء البكاء’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية