انطلاقة الفن السابع القوية جاءت مع تسلم البلاشفة للحكم في روسيا:
يوسف شيخويفيد التاريخ، بأنه ورغم دخول شاشة السينما حدود الإمبراطورية الروسية في عام 1903، من قبل الفرنسيين، وتحديداً الأخوين لوميير، جاءت انطلاقة الفن السابع القوية عقب رحيل أسرة رومانوف، بعد الصرخة التي أطلقها البلاشفة في عام 1917، فقبل ذلك شهدت الشاشة الروسية لمسة تعريفية، افتقرت لممثلين احترافيين، ومنتجين وجدوا أنفسهم أمام مغامرة. وفي هذه المناسبة لا بد من ذكر ولج درانكوف، المنتج الوحيد الذي صور ليف تولستوي، حين كان على قيد الحياة، في عام 1908. والحديث عن الإنتاج؛ أسس الكسندر خانجونكوف شركة مساهمة باسم (خانجونكوف وشركاه) في موسكو، وافتتح أول أستوديو سينما في روسيا، ليتولى معظم ما أنتج في روسيا، آنذاك، إذ أخرج بالاشتراك مع فاسيلي غونتشاروف. في عام 1911 ‘الدفاع عن سيفاستوبول’، وهو أول فيلم روائي طويل في روسيا. ومع انتصار ثورة أكتوبر، عززت السينما السوفيتية تطورها؛ لتنتج في العشرينيات عدداً كبيراً من الأفلام المختلفة المواضيع والأساليب. وظهر حينها، سينمائيون ونقاد مرموقون كسيرغي ايزنشتين، فسيفولود بودوفكين، والكسندر دوفشينكو. ولا يخفى أن فلاديمير لينين، مؤسس الدولة السوفيتية – الذي كان يعلم تماما دور السينما الفعال في خدمة المشروع السوفيتي – ركز على هذا الفن. في اعتباره ‘أهم من جميع الفنون’، وهو الأمر الذي دفع به إلى تأميم صناعة السينما الروسية، لتبدأ في جبهات الحرب الأهلية؛ دافعة المصورين السينمائيين إلى تغطية العمليات القتالية ليعرضوا، على الفور، المشاهد الواقعية على المقاتلين في النشرات الإخبارية. كما كان لشركة ‘موسفيلم’، التي تأسست عام 1924، دورا كبيرا في تطوير صناعة السينما السوفيتية، التي حققت اهتماماً دولياً في فترات مختلفة من تاريخها. ولا شك أن إبداع سيرغي ايزنشتين (1898-1948)، قد جسد الانطلاقة القوية لهذه السينما حتى بلوغه العالمية. إذا اختير فيلمه ‘المدرعة بوتيمكين’ كأفضل الأفلام في جميع العصور. وفي عام 1978، جدد النقاد اختيارهم ‘المدرعة بوتيمكين’ كأفضل الأفلام العالمية. وجذب ايزنشتين انتباه المسئولين فكلف بإخراج الفيلم الطويل ‘الإضراب’ حول إضراب عمال مصنع كبير عشية قيام الثورة. وحصل على الميدالية الفضية في معرض باريس الدولي. إن الاهتمام بالسينما لم يأت إلا تعبيراً عن المضمون الاشتراكي، لتلغي بذلك الأشكال القديمة التي لم تعد صالحة. وعد سينمائيو الثورة أنفسهم حاملي المبادئ والأفكار الجديدة، ليبدأوا باستخدام الفيلم كوسيلة للدفاع عن مبادئ الثورة وتوجيه الجماهير وتثقيفها. وقد أبدع المخرجون السوفييت في استخدام اللغة السيميائية لعكس عظمة الثورة. فها هي التماثيل الثلاثة المختلفة للأسد التي صورها ايزنشتين في ‘المدرعة بوتمكين’، بحيث تم عزلها بمقاطع مستقلة، وتنسيقها الواحد بعد الآخر، مشكّلة عبارة مرئية ذات مغزى مشابها لقوة الأسد في الثورة البلشفية.
يجيب المخرج الايطالي بيير باولو بازوليني، اشتراكي النفس، عما إذا كان من الضروري استخدام الفن لبناء الاشتراكية أم بناء الاشتراكية ليكون الناس أحراراً وقابلين أخيراً لإنتاج الفن؟
، بأن ‘البديل الثاني هو ما أهدف إليه. وهكذا فإنه ينبغي ألاّ تكون هناك أية شكوك حول الأمر’. لكن السلطات السوفيتية كانت مع الخيار الأول، فكثيرا ما كانت تستخدم الفن وسيلة لترويج مشروعها الإيديولوجي، لتخلق علاقة ما، مع مؤيديها أو معارضيها، لما للسينما من قدرة على التأثير والإقناع، كما انطوت صفحات التاريخ على حقائق تؤكد هذا المنحى. فبعد ثورة 1917، كان الفنان جزءا من هذه الانجاز الكبير، وهذا ما يؤكده جون هواردلوسون، بان تطور السينما الذي بدأ بفيلم ‘الإضراب’، إنما هو تطور ألهمته الثورة ذاتها. وهذا ايزنشتاين يقول:’لسنا نحن الذين نصنع سينمانا إنما هو الزمن الثوري الذي يصنعها ويصنعنا’. وفي هذا الصدد، يستنتج السينمائيون، إن علاقة الايدولوجيا بالسينما علاقة تبادلية، وكلاهما يخدم الآخر، وهكذا تصبح السينما في هذه الفترة حاملة للأيديولوجية.
سينما السوفيت، وخلال الثلاثينيات، بدأت تعتمد على الأدب الكلاسيكي الروسي، كمؤلفات بوشكين وتولستوي وتشيخوف وغيرهم. إذ طرحت أمامها مهمة رئيسية، هي دراسة عمليات نشوء الوعي الاجتماعي الجديد في سياق النضال من اجل الاشتراكية. وفي هذه الفترة، وبينما اقتربت الحرب من حدود الاتحاد السوفيتي، تطرقت السينما إلى ضرورة حماية الوطن. إذ بدأت تتحدث بصراحة عن احتمال هجوم العدو على الاتحاد، داعية الشعب إلى تعزيز القدرة العسكرية للبلاد. وأضحى الموضوع الحربي الوطني في مركز اهتمام كبار السينمائيين، حيث برزت أفلام حول الحرب السوفيتية الفنلندية. وكذلك عن طرد المحتلين البولنديين من موسكو في مطلع القرن السابع عشر. ذلك إلى جانب تمجيد الشخص الروسي من خلال تصوير البطولات الفردية في الحروب. ومع سنوات الحرب، أصبح النضال في سبيل الاستقلال، المحتوى الرئيسي لحياة الناس. وغدت التعبئة الشعبية هي المهمة الأساسية للفن السوفيتي. إذ احتلت الأفلام الإخبارية عن الحرب المرتبة الأولى باعتبارها السينما الأكثر أهمية من حيث الآنية. وأتاح الإنتاج السريع للأفلام الإخبارية والوثائقية، حيث لم يوجد التلفزيون بعد، للأفلام الإخبارية بصفتها صنف الأخبار والإعلام الإيضاحي، أن تحتل مكانة الصدارة إلى جانب الصحف المطبوعة الدورية. وبعد الحرب، التي أضعفت الاقتصاد السوفييتي، قلصت السلطات النفقات على إنتاج أفلام لا علاقة لها بالتأثير بصورة مباشرة في الروح المعنوية القتالية للجنود وللعاملين وراء خطوط الجبهة. وتقرر ألا ينتج في البلاد أكثر من12فيلما في السنة. وكلها كانت من الأفلام الروائية الطويلة وليست الوثائقية، تروي وقائع المعارك المهمة. كما بدأت السينما السوفيتية في فترة الركود- تتجه إلى إنتاج لأفلام التي تولد مشاعر التفاؤل والهدوء، وتبعد المشاهدين عن المشاعر السلبية. ذلك إلى جانب أفلام السير الذاتية لشخصيات بارزة في تاريخ البلاد كالقادة العسكريين، وذلك لتعزيز الوعي الذاتي للشعب. وقد ورثت السينما الروسية المعاصرة تقاليد الفن السوفييتي، فمنذ مطلع التسعينات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي – خرجت السينما الروسية من حلبة المنافسة في ظل غياب التمويل، وبعد أن استفاقتها من الصدمة السياسية، انتبهت موسكو إلى أهمية السينما الثقافية في إنعاش الروح القومية الروسية، وذلك لمواجهة الغزو السينمائي الأمريكي الذي حكم سوق السينما في روسيا.
ووضعت ميزانيات ضخمة بهدف دعم البنى التحتية للسينما في روسيا. وفي عام 2006 تم تمويل إنتاج مائة فيـلم طـويل سنوياً، ولكن النقاد و الاقتصاديين، أعلنوا عن قلقهم من هذا التوجه نحو ضخامة الإنتاج، فمعظم الأفلام التي أنتجت لم تصل للعرض في دور السينما، لتنحصر الأعمال الناجحة بأسماء مجموعة محدودة من المخرجين. كما اصطدمت خطط الحكومة بعراقيل تتعلق بالجمهور، فالغالبية كانت تتوجه إلى صالات تعرض غالباً أفلام أمريكية. ومن الأهمية بمكان، الإشارة إلى أن الحكومة الروسية، عملت في السنوات القليلة الفائتة، على أعادة أسلوب الحقبة السوفيتية، لتكون السينما أداة الإيديولوجية الأساسية للنظام.
صحافي من سورية