في ظل غياب معطيات واقعية تشير إلى أي منفذ سياسي من شأنه إنهاء الاضطرابات الدموية المستمرة منذ أكثر من عام في سوريا، وسط الصراعات العسكرية المتصاعدة بين النظام في دمشق من جهة و ‘الجيش الحر’ من جهة ثانية، وجه المجلس الوطني السوري المعارض، نداء عاجلا باسطنبول يوم 18 آذار الحالي، للحكومة التركية لإنشاء منطقة عازلة مفروضة عسكريا داخل سوريا لتوفير المأوى للمدنيين وكذا ‘للجيش الحر’. وفي ندائه، أشار المجلس إلى أنه يتعين مد هذه المنطقة إلى مدن المعارضة، مثل حمص وادلب، اللتين قصفتهما قوات الحكومة بشدة. مؤكدة أن وجود مثل هذه الإجراء سيساعد الوحدات كلها على الانشقاق دفعة واحدة، حاملين معهم الأسلحة الثقيلة والمدرعات.
نداء المعارضة السورية، جاء بعد أن أشارت أنقرة بالفعل إلى أنها قد تتدخل عسكريا لإقامة منطقة آمنة داخل سوريا لمواجهة التدفق الضخم للاجئين. وقال رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، في وقت سابق، انه ‘يتم الآن دراسة إقامة منطقة عازلة، منطقة أمنية’، فيما قال نائبه بصير أتالي إن هذه الخطوة، التي تم دراستها ولكنها رفضت العام الماضي، أعيد طرحها مرة أخرى على المائدة. ويبدو أن خبراء الأمن في تركيا توصلوا إلى توافق بشأن التدخل العسكري لإقامة منطقة عازلة أو ممر إنساني، في حال منح المجتمع الدولي تركيا تفويضا واضحا، إلا إن هذا التحرك، كما وصفه بعض المحللين، قد تؤدي إلى مواجهة بين القوات التركية والسورية.
وخشية هذه المواجهة، تحرك الداخل التركي المعارض، الممثل بحزب الشعب الجمهوري، مقره في الأناضول، والذي أكد رئيسه كمال كيليتشدار أوغلو رفضه أي تدخل عسكري في سوريا، مشيراً إلى إن بعض القوى العالمية ‘تتجنب التورط في أي تدخل عسكري في سوريا ولكن تحاول حمل تركيا إلى فعل ذلك’. وبينما تعقد الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا العزم على ما يبدو على تجنب التورط عسكريا في سوريا، تساءل كيليتشدار ‘لماذا ينبغي علينا التدخل عسكريا في سوريا. سوريا جارتنا، وشقيقتنا. ولماذا ينبغي أن تطلق البلدان الإسلامية النار على بعضها البعض؟’. اللافت في هذا السياق، أن تصريحات أردوغان جاءت قبل أن تسارع مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى في أنقرة إلى نفي أن تكون هذه الخطوة قريبة، طالما لم يصدر قرار دولي يؤمّن الشرعية لتدخل عسكري أجنبي في سوريا. ويرى مراقبون أن ملاحقة التصريحات التركية التصعيدية إزاء سوريا، المجردة من أي خطوات ميدانية، باتت مهمة يصعب فهمها بشكل كامل. وبالرغم من إشارة مراقبين أتراك أن الكلام على منطقة عازلة تركية لم يعد يقتصر على كونه ‘كلاماً وقائياً’، بل أصبح اليوم ‘خطوة رادعة’ ضد السلطات السورية، فان الرأي العام التركي لا يزال غير مستعدّ لتحمُّل فكرة تدخل عسكري تركي ضد سوريا، وهو ما يرى البعض أن تركيا تهيّئ له بطلبها من المواطنين الأتراك مغادرة سوريا فوراً تمهيداً لوقف كافة الخدمات القنصلية والدبلوماسية في المدن السورية.
وهي معطيات وجد فيها الإعلام التركي تحضيراً للجوء إلى إقامة منطقة عازلة، وتشير المعلومات إلى أنها قد تكون قريبة من إدلب، وليس من حلب، ومن شأنها ‘تغيير موازين القوى لمصلحة المعارضة السورية’. ويشدد مصدر دبلوماسي تركي على أنّه إذا وصل عدد اللاجئين السوريين في تركيا إلى رقم ‘لن نبقى قادرين على تلبية احتياجاتهم، فسنستضيفهم داخل سوريا’. ولفعل ذلك ‘لن نبقى في انتظار صدور قرار من مجلس الأمن لأنّ هذا الموضوع مرتبط مباشرةً بأمن حدودنا وبالانتظام التركي العام’. كلام شدد عليه مصدر في الخارجية التركية، عندما أشار إلى أنّ تركيا ‘أنذرت دمشق منذ البداية: قلنا لهم إننا لن نغمض أعيننا عن المجازر المرتكبة عند الطرف الآخر من حدودنا’، في إشارة إلى أنّ خيار اللجوء إلى المنطقة عازلة كان دائماً حاضراً في أذهان الأتراك. عامر خليل – الرؤية