اقباط مصر وتحديات ما بعد البابا شنودة

حجم الخط
0

شحاتة عوض بالنسبة لاقباط مصر لم يحمل الربع الأول من العام الجاري الكثير من الأخبار السارة بقدر ما كان محّملا بمشاعر الخوف والقلق على مستقبلهم في وطنهم مع الصعود اللافت وغير المسبوق لتيار الاسلام السياسي بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير وما صاحبه من بروز أصوات متشددة داخل هذا التيار ساهمت، على محدوديتها، في مضاعفة المخاوف لدى أشقائنا الاقباط بدلا من أن تبددها. لكن هذه المخاوف أخذت بعدا أكثر عمقا مختلطة بمشاعر من الحزن مع رحيل البابا شنودة الثالث بطريرك الإقباط الارثوذكس في مصر والذي يعتبرونه زعيما روحيا وعنوانا سياسيا لهم في آن واحد. فعلى مدى سنوات طويلة كان البابا شنودة بالنسبة للاقباط صمام آمان يثقون في قدرته على حل أي أزمة تواجههم أو أي خطر يتهددهم بما له من حضور وشخصية. ومن هنا فإن الفراغ الكبير الذي خلفه أختفاؤه من المشهد في لحظة بالغة الدقة من تاريخ مصر وما تشهده من حالة عدم يقين وعدم إستقرار سياسي وتجاذب وإستقطاب كبيرين، بقدر ما عمق من مشاعر الخوف والقلق لدى الاقباط، فانه وضع الكنيسة المصرية والبطريرك القادم أمام تحديات جسام وطرح أسئلة حول قدرتها على ملء الفراغ الذي تركه رحيل البابا شنودة.

تتباين الاراء حول الدور السياسي الذي لعبه البابا شنودة الثالث على مدى عقود ولاسيما خلال العــــقدين الاخيرين، فثمة من يرى أنه تجاوز دوره الديني وتحول مع الوقت الى زعيم سياسي للاقباط مستغلا تراجع قبضة الدولة وضعف النظام السياسي وشيخوخته في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، الامر الذي حّول الكنيسة إلى دولة داخل الدولة وعزل الاقباط داخل جدران الكنيسة بدلا من إنخراطهم في الحياة السياسية باعتبارهم مواطنين مصريين وليس باعتبارهم أقباطا. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن تنامي الدور السياسي للبابا ألحق الضرر بالكنيسة والدولة معا. لكن المخالفين لهذا الرأي يقطعون بأن الدور السياسي الذي لعبه شنودة الثالث فرضته شروط موضـــوعية كثيرة وأنه كان منطلقا من غايات وأهداف وطنية، ويجادلون بأن البابا إستطاع من خلال هذا الدور وبذكاء شديد أن يواجه الكثير من المنزلقات والمواقف الصعبة طوال رحلته في كرسي البابوية ونجح في أن يكون صمام أمان للاقباط وأن يدافع عن مصالحهم وفي نفس الوقت كان حريصا على الحفاظ على اللحمة الوطنية بين أبناء الوطن مسلميه ومسيحييه في مواجهة كثير من الحرائق والفتن التي عمل جاهدا مع غيره من عقلاء الوطن على إطفائها.

لكن اللافت هنا أن خصوم ومحبي البابا شنودة يتفقون بنفس القدر على أنه كان شخصية إستثنائية من الناحيتين السياسية والدينية بما إمتلكه من سمات شخصية، ويرون أن رحيله في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به مصر وما تشهده من مخاض سياسي وإجتماعي عسير ترك وراءه فراغا كبيرا يفرض تحديات ضخمة أمام من سيخلفه على كرسى البابوية ويلقي بمسوؤليات كبيرة على عاتق الكنيسة المصرية في التعاطي مع تبعات هذا الغياب.

إستراح البابا شنودة إذن بعد رحلة عطاء طويلة لها ما لها من حسنات ومزايا وعليها ما عليها من إنتقادات وعيوب. لكنه بكل تأكيد أتعب من سيأتي بعده، وأيا كانت شخصية البطريرك القادم فانه سيجد نفسه مواجها بتحديات هائلة وعديدة من بينها:-أولا: مدى قدرته على ملء الفراغ الذي تركته شخصية البابا شنودة في نفوس الاقباط بشكل خاص بما كان يملك من كاريزما وتأثير هائلين داخل الشارع المسيحي المصري. فالبطريرك القادم، أيا كان، سيحتاج وقتا وجهدا كبيرين ليملأ هذا الفراغ الذي خلفته شخصية تاريخية شغلت كرسي البابوية لاربعة عقود.- ثانيا: الظروف العصيبة التي تمر بها مصر والتي تشهد منعطفات سياسية بالغة الصعوبةوإنقسامات وخلافات لم تعد قاصرة على العلاقة بين المسيحيين والمسلمين بل طالت مختلف مكونات الدولة في ظل علاقات ملتهبة وإستقطابات غير مسبوقة.

وهذا بكل تأكيد سيفرض على البطريرك القادم أن يستدعى كل مخزون الحكمة والعقل والذكاء الذي تحلى به شنودة في مواجهة ظروف مماثلة في الماضي.-ثالثا: مواجهة المتغيرات المهمة التي جرت على جسد وتركيبة المجتمع المسيحي في مصر لا سيما بعد ثورة يناير والتي غيرت الكثير في هذا المجتمع وكسرت أحتكار الكنيسة للحديث بإسم الاقباط بعد أن تمرد الكثيرون علي هيمنتها عليهم وعصوا أمرها ونزلوا لبحر السياسة الهادر بعد الثورة ووقفوا على الطرف الآخر في كثــير من المواقف في مواجهة موقف الكنيسة الرسمي، ومن هنا لن يكون بمقدور البابا الجديد أن يكون الوكيل الحصري لهم فيما يخص شؤون السياسة كما كان يفعل البابا شنودة. هذا المتغير المهم ربما سيفرض على الكنيسة عموما مراجعة دورها والتركيز على الجانب الديني وترك الاقباط يمارسون السياسة خارج أسوارها. – رابعا: تغير قواعد اللعبة السياسية في مصر بعد الثورة فيما يخص علاقة الكنيسة النظام الحاكم وعلاقة النظام السياسي بالكنيسة، فما كان مناسبا في ظل البابا شنودة لم يعد كذلك، وهذا ما ينبغي يكون في حسبان البطريرك القادم. فلم تعد الصفقات مع النظام أو التفاهمات مع الحاكم المستبد وأجهزته الأمنية هي السبيل للحفاظ على مصالح ومكتسبات الاقباط أو الدفاع عن حقهم في المواطنة الكاملة دونما تمييز. بل أصبح السبيل الوحيد لحصول أقباط مصر على حقوقهم هو أن يكونوا جزءا أصيلا من النضال الجمعي لكل المصريين لإقامة دولة المواطنة والعدل والمساواة بين كل أبنائها، وبغير هذا السبيل ستبقى كل الحلول لمشاكل الاقباط وأزماتهم مؤقتة وعرفية. – خامسا: التحدى الأهم ربما هو قدرة البطريرك القادم ومعه الكنيسة على التعايش مع حقيقة أن تيار الاسلام السياسي أصبح شريكا إصيلا في في حكم مصر بعد الثورة بل الشريك الأهم وأنه جاء عبر الارداة الشعبية. وهنا تبدو المعادلة بالغة الصعوبة ما بين إحترام هذه الإرادة الشعبية في الإختيار وبين معالجة وتفهم المخاوف والهواجس المشروعة لدى الأخوة الاقباط على أوضاعهم وحرياتهم وحقوقهم وهي مخاوف لا تقتصر على الاقباط وحدهم بل يشاركهم فيها قطاع وافر من المسلمين. لكن هذه المعادلة على صعوبتها قد تكون حافزا لجميع الأطراف للبحث عن صيغ موضوعية للعيش المشترك كشركاء على قدم المساواة في وطن واحد. ربما تكون المسؤولية الأكبر في إنجاز هذا الهدف وتبديد المخاوف على عاتق التيار الإسلامي بإعتباره الطرف الأقوى في المعادلة السياسية في هذه اللحظة، لكن ذلك لا ينفى المسؤولية الملقاة على عاتق الكنيسة وزعيمها الروحي الجديد في إدراك حساسية ودقة المرحلة وتهيئة المشاعر والعقول لمرحلة جديدة يتقاسم فيها الجميع المسؤولية عن إيجاد القواسم المشتركة التي تحفظ للوطن هويته وتصون للاقباط حقوقهم كمواطنين كاملي المواطنة في بلادهم.-سادسا: شكل العلاقة بين الكنيسة والدولة في هذه المرحلة وقدرة البابا الجديد على إقامة علاقة سليمة تخدم مصالح الاقباط دون أن تضر الوطن وأن تظل شعرة معاوية التي حافظ عليها البابا شنودة بذكاء شديد طوال سنوات مع النظام قائمة، وأن يفصل بين ماهو ديني وما هو سياسي وأن يحافظ على مكانته كزعيم روحي للاقباط وليس زعيما سياسيا. وإذا كان البابا شنودة، إضطر لاسباب ومقتضيات معينة وبحثا عن بعض المكاسب، أن يدعم نظاما مستبدا فاسدا كنظام مبارك ويدافع عنه بل ولا يمانع في توريث السلطة لنجله، فإن ذلك لم يعد مقبولا في مصر الثورة، بقدر ما أنه لم يعد مقبولا أن تتحول الكنيسة إلى دولة داخل الدولة، بل ينبغي تظل مكونا أصيلا ومهما من مكوناتها. لكن الإنصاف يقتضي أن تكون الدعوة لتحرير السياسة من ضيق أسوار الكنيسة لرحابة الوطن، مسبوقة بدعوة مماثلة إلى إخراج السياسة من بين جدران المساجد والزاويا إلى رحاب الاحزاب والتنظيمات والمؤسسسات السياسية. وإن تكون المطالبة بعودة الكنيسة لدورها الديني متلازمة مع الدعوة لعدم إستخدام منابر المساجد بديلا عن منابر الأحزاب. فإذا كان مبارك ونظامه الساقط قد جفف منابع السياسة في مصر على مدى سنوات حكمه ليحل المسجد والكنيسة محل الحزب السياسي والتنظيم النقابي، فإن الثورة المصرية أعادت الحياة لعروق السياسة الميتة وأطلقت قدرات المصريين وطاقاتهم السياسية ليعمروا صحراءها القاحلة، وبالتالي لم يعد مقبولا أن يظل تعاطي السياسة بعد هذه الثورة العظيمة حبيس أسوار الكنائس أو منابر المساجد.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية