محمد المزروعي يستحضر قرينه الأنثوي في معرضه الفني الجديد ‘بنات النار’

حجم الخط
0

التقته فاطمة عطفة: ليس من السهل أن ندخل في العالم الفني للرسام محمد المزروعي وأن نتجول بتفهم واستيعاب بين لوحاته، فهو شاعر لا ينظر إلى عالم الواقع ولكنه يعيش حالة شعورية غامضة وهو غموض ممتع للنظر والنفس معا. محمد المزروعي الشاعر والرسام لا ينظر إلى العالم من حوله نظرة واقعية وإنما بنظرة طفل مندهش وكأنه يرى الأشياء لأول مرة، وهو يحاول أن ينقل حالته الشعورية هذه إلى بياض اللوحة الخالية بعيدا عما يرى المشاهد في هذا الواقع، لأن ما يشغل الفنان الملامح الجمالية المتخيلة خلف هذا الواقع. وإذا كان الشاعر القديم قد صاحب قرينه من الجن في وادي عبقر، فإن الفنان المزروعي عاد ليأخذ الجانب الرمزي من هذا القرين ويبدع لوحاته متخذا عنوانا لها من وحي عبقر.

عندما يتنقل زائر المعرض بنظرته بين حوالي 40 عملا فنيا تحمل عنوان ‘بنات النار’ فإن هذا العنوان مستوحى من تراثنا الشعري كما أنه مستلهم من قصيدة للشاعر الفرنسي جيرار دي نرفال يتحدث فيها عن سوداوية المبدعين، ومن هنا جاءت تسمية المعرض الذي نظمته هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة قبل أيام ويستمر لغاية 20 من الشهر الحالي. أكثر أعمال المزروعي تحمل الطابع التعبيري، وهي تجسد وجوها لنساء من مختلف المراحل العمرية، كأن الفنان أراد أن يعكس رؤاه الفنية في هذه اللوحات التي أنجزت معظمها بالألوان الزيتية، إضافة إلى استخدام الكولاج في بعض اللوحات الأخرى، كما أن اللون الأبيض هو الأكثر حضورا في هذه الأعمال وكأنه دلالة رمزية على الأنوثة والفضاء الرحب الذي يضفيه الأبيض بلونه الصافي وإيحاءاته السارة. ومن أجمل ما جاء في المعرض تمثال مجسم لامرأة، تركها الفنان بدون وجه، لكن خيطان الليف التي تمثل شعرها الأشقر الطويل، مثبتة بشريط لاصق غطى القسم العلوي من جسدها، وهو العمل النحتي الأول للفنان. والتمثال أقرب ما يكون لـ ‘مانيكان’ يستخدم في واجهات المحلات الخاصة بالملابس النسائية، لكن الفنان اختارها لتكون رمزا وهي ليست المرأة الأنيقة والجميلة، والمأخوذة من واقع الحياة، بل هي أشبه ما تكون برؤيا أو حلم الفنان بكل غموضه الجميل، إنها منحوتة المزروعي وقد كسرت بعض أجزاء من جسدها وملامحها مما يجعل المتلقي يبحث عن عمق الدلالة والإيحاء الكامن وراء ما يراه المشاهد، إنها رؤيا الفنان وما يريد أن يقول’. والفنان الشاعر محمد المزروعي ليس رساما واقعيا أو انطباعيا ليعطي لجمال المرأة الأهمية كما هو المعتاد لدى الآخرين في تصويرها، لكن الفنان قدم هنا رؤيا فنية وبصرية تجعل المتلقي يطرح الكثير من التساؤلات عن المرأة، هذا المخلوق الجميل الغامض الذي شغل المبدعين في كل الأزمنة. في معرض ‘بنات النار’ نرى كل الوجوه والأجساد غير واضحة الملامح، إلا أن نظرة العيون هي التي تظهر ما يشعر به الفنان ويريد إيصاله للمتلقي. وهذه المرأة التي تظهر في لوحاته أبعد ما تكون عن الواقع أو ما وراء الواقع، تترك لدى المشاهد إيحاء بالألم والانكسار والدهشة. وبعد جولة مع هذه اللوحات التي تحكي كل منها قصة من الحياة أو ما يراه الفنان خارج القشرة الظاهرة حيث الأسلوب العالي للفنان في تجسيد رؤاه وتجربته الإبداعية من خلال الشكل والحركة والألوان التي وظفها في الكرافيك أو التجريدي والأعمال الزيتية الأخرى، كل هذا يدل على موهبته الإبداعية وامتلاك الرؤيا الجمالية العميقة في فنه بحيث تصل للمتلقي. ومع الحضور الكبير عند افتتاح المعرض إلا أن الفنان خص “القدس العربي” بالحديث عن بعض هذه الأعمال الفنية المتميزة.

ـ الفترة الزمنية التي تم فيها التحضير للمعرض؟ * ‘نصف اللوحات أنجزت على سنتين وهي متنوعة فيها الكرافيك في (بينتك) الرسم القديم والتجريدي، النصف الثاني من الأعمال مرتبط بعنوان المعرض (بنات النار). ـ بماذا يرمز الفنان من خلال العنوان؟* هناك عالم نفس من تلاميذ فرويد أشار إلى الأنيما والأنيموس، وهي تشبه عندنا بالثقافة الإسلامية ‘القرين’، فأنا مثلا لي قرين أنثى موجود تحت الأرض، الأنثى قرينها ذكر، وهما أقصد الاثنين عكس الشخص الذي يحاول التواصل مع نفسه. وأنا هنا حاولت الدمج ما بين الأنيما والأنيموس، إما بالشكل نفسه أو منفصلين من خلال امرأة لا توجد على الإطلاق وهي المرأة في الإبداع وليست امرأة الحياة’. ـ ماذا يعني لك هذا القرين؟ وهل تكون أكثر اللوحات بالمعرض تمثل من وحي هذا القرين؟* ‘أنا من صغري وقبل فكرة الفن والكتابة والثقافة، كان عندي اندهاش من فكرة المرأة كجسد وكيان وحضور، كنت مندهشا بشكل كبير، من أيام الطفولة وكبر هذا الاندهاش معي، أما سبب الاندهاش فأنا حتى الآن لا أعرف’. ـ هل الحالة الشعرية التي يعيشها الفنان محمد المزروعي تقف وراء هذا الاندهاش وتوحي له بأن يبدع لوحته بهذا الشكل؟* ‘الشعر ليس موجودا هنا كشعر مكتوب بكلمات، لكن يمكن أن يكون موجودا بشكل كرسي أو فستان امرأة، لنقل الحضور الميتافيزيقي في الشعر’. ـ أول منحوتة لك وهي لمجسم امرأة تجلس على كرسي بعض أطرافه مكسرة، هل أراد الفنان أن يعبر عن حالة معينة توحي بالمعاناة لشابة؟* ‘أنا لم أقصد منه أي حالة، قصدت أن أعمل شكلا ما، منحوتة لتشكيل، أي أنها صدفة طلعت، هي لها علاقة بالشكل الفني سواء بشكل الرأس أو الوجه، والفم أو الرجل المكسرة، العمل ليس له من حيث الشكل أي علاقة بأي فكرة، لكن له علاقة بالمفهوم الفني والبصري للعمل.

ـ هل الفكرة هي التي تسيطر على الفنان، أو العمل ينجز دون فكرة مسبقة وبشكل تلقائي؟ * ‘تكون فكرة غامضة تشبه الحالة الشعرية، لكن بعد البدء بالعمل تنزاح الفكرة ويبدأ العمل يتكامل بشكل تلقائي، حالة الشغل بالعمل الفني هي التي تتكامل دون تخطيط مسبق’. ـ أسعار اللوحات مرتفعة نوعا ما، هل تتوقع مبيعات بهذه الأرقام؟’.* ‘أنا طول عمري أعمل معارض لكن لم يكن موضوع البيع في تفكيري، لو حصل شيء فهذا جيد، لكن ترجع اللوحات على البيت، هذا لا يمنعني من أن أستكمل، أنا علاقتي بالفن والكتابة هي علاقة اجتماعية لا تنفصل عن الناس، سواء تواصل أحد معي أو لم يتصل، هذه مسألة لا تخصني ولا تشغلني’. ـ هل من جديد للفنان من الأجواء الحالية في المنطقة؟* ‘أنا بعيد عن كل ما يحصل لأن كله مؤذ، لكن مبسوط لما يجري مهما كانت النتائج’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية