لندن ـ ‘القدس العربي’: حذر مسؤولون سابقون في الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تتخذ مقرا لها في فيينا، من تكرار درس العراق في التعامل مع المشروع النووي الايراني وقالوا ان الوكالة تحت ادارة رئيسها الدبلوماسي الياباني السابق يوكيا امانو افرطت كثيرا في تعاملها مع ايران، وانها في تقاريرها حول نشاطات ايران النووية وتعاون طهران مع المفتشين التابعين لها اظهرت ميلا لدعم موقف الغرب. واتهم امانو تحديدا لانه اعتمد على روايات وتقارير مصدرها من دول غربية ولم يتم التحقق منها. ومع ذلك اعتمدها كاساس للحكم على مشاريع ايران النووية. وخلافا للمدخل الحذر والدبلوماسي الذي انتهجه سلفه محمد البرادعي فمنذ تولي امانو ادارة الوكالة في تموز (يوليو) عام 2009 اتسمت المواقف الدولية من ايران بالتشدد والتهديد بالحرب وضرب المنشآت النووية لطهران، خاصة التهديدات التي باتت شبه يومية والتي تطلقها اسرائيل. ويقول المسؤولون السابقون ان نبرة الوكالة اصبحت اكثر نقدا لايران، وبرز هذا في التقرير الذي نشرته الوكالة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 واعتبر الخبراء المعلومات التي وردت فيه قديمة واعيد انتاجها. ونقلت صحيفة ‘الغارديان’ عن روبرت كيلي، الخبير الامريكي السابق والذي كان مسؤولا عن وحدة العمل الموكلة باسلحة العراق في وقت الغزو الامريكي للعراق مقارنته بين الموضوع العراقي والايراني حيث قال ان ‘امانو يقع في مصيدة تشيني، فما تعلمناه بين عامي 2002 و 2003 حينما كان يتم التحضير للحرب هو ان عمليات التقييم الجماعية مهمة وعليه يجب ان لا تترك لمجموعة صغيرة من الاشخاص’. وتساءل كيلي قائلا ‘فماذا تعلمنا منذ ذلك الوقت؟ لاشيء بالمطلق’. فمثل ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي السابق ‘يعتمد امانو على مجموعة صغيرة من الاشخاص ممن يقدمون له اراء لم يتم التحقق من صحتها’. وبالاضافة لكيلي فان هناك مسؤولين سابقين ممن عبروا عن قلقهم من ان الوكالة الدولية تحولت في الوقت الحالي الى غرفة فارغة تتكرر فيها نفس اللازمة، وهي التحذير من الخطر الايراني، وبدون اعتماد نقاش جاد وهو الذي طبع فترة ولاية البرادعي. ويشيرون الى قرار امانو في اذار (مارس) العام الماضي حل مكتب العلاقات الخارجية وتنسيق السياسات ‘اكسبو’ والذي كان يلعب دورا في تقييم القرارات التي كانت تتوصل اليها دائرة المفتشين. وكانت الدائرة ‘اكسبو’ قد حذرت من اصدار تقارير خشية ان تستخدمها الادارة الامريكية لجورج بوش لتبرير العمل العسكري. وفي عهد امانو تم تهميش مستشاري البرادعي في المنظمة، وتم ربط مسؤوليات الدائرة بمكتب المدير العام. وعلق مسؤول اخر ان الوكالة شهدت ‘تركيزا في صلاحيات المدير بدون اخذ الالتفات للاراء الاخرى’، مضيفا ان امانو احاط نفسه بمجموعة من المستشارين ممن يشاركونه في نفس الرأي حول برنامج ايران النووي. وبنفس السياق عبر، هانز بليكس، المدير السابق للوكالة عن قلقه من مشكلة المصداقية التي تعاني منها الوكالة قائلا ‘هناك فرق بين المعلومات والادلة، واذا كانت الوكالة وكالة مسؤولة فيجب عليها ان تقوم بطرح اسئلة وان لا تقيم نتائجك بناء على معلومات لم يتم التحقق منها’. واكد قائلا ان الوكالة تتمتع بمصداقية ويجب عليها الحفاظ عليها من خلال الفحص الدقيق لاي دليل مضيفا ‘ان ارادت حكومة ما دعما لمعلومات امنية قدمتها للوكالة فعليها ان تقدم دليلا مقنعا’ وخلاف ذلك ‘فيجب على الوكالة ان لا تبصم على المعلومات وتوافق عليها’، مع ان بليكس لم يكن متأكدا من ان هذا حدث تحت سمع وبصر امانو. وفي الوقت الذي لم تعلق الوكالة على ما قاله المسؤولون السابقون فان دبلوماسيين غربيين في فيينا مقر الوكالة دافعوا عن طريقة ادارة امانو قائلين ان الكثير من المعلومات التي تم الحديث عنها حول زيادة ايران من جهودها النووية نوقشت في الفترة التي كان فيها البرادعي رئيسا للوكالة، وان لم تكن مفصلة، وان ما ورد في تقرير العام الماضي قام على الف صفحة موثقة. وعلق دبلوماسي قائلا انه من المفيد القول ان ‘البرادعي كان اكثر حذرا من امانو’، فالبرادعي ربما تبرم من اصدار احكام لم يكن متأكدا من صحتها 100’ ، وبالمقارنة فان امانو يقول ‘ليس لدي دليل صحيح مئة بالمئة ولكن ليس من المنطق عدم قول اي شيء حتى يتوفر لدينا الدليل القاطع’. وكان امانو قد بدأ ادارته للوكالة عام 2009 بعد عملية انتخابات مثيرة للجدل، حيث تميز التنافس على الوكالة بصراع بين الشمال والجنوب، وذلك عندما فاز بفارق بسيط على مرشح جنوب افريقيا عبدول مينتي، فبحسب خبير الشؤون النووية في مؤسسة كارنيجي، مارك هيبس فقد بدأت ولاية امانو ببداية سيئة لان التنافس لم يتحول الى عملية استقطاب فقط بل كان معركة مرة لان مينتي حاول استقطاب اصوات دول تعتبر تعتقد انها ضعيفة ولا تأثير لها في القرار، فيما كان امانو مدعوما من امريكا والدول الغربية الذين رأوا في انتخابه عودة للوكالة لدورها التقليدي التقني حسب قوله. وما زاد من المرارة هي التسريبات التي سربتها ويكيليكس واظهرت ان امانو ثابر من اجل الحصول على دعم الولايات المتحدة كما ورد في تقرير كتبه الدبلوماسي الامريكي جيفري بيات في فيينا في تشرين الاول (اكتوبر) 2009 ‘لقد اخبر امانو السفير في عدد من المناسبات انه سيحتاج لتقديم تنازلات لمجموعة دول الـ 77 مما يعني ان عليه ان يتصرف باستقلالية ودون تحيز ولكنه سيكون في الملعب الامريكي في كل القرارات الاستراتيجية بدءا من التعيينات في المراكز المهمة وانتهاء بالتعامل مع الملف النووي الايراني’. وفي تقرير كتب في تموز (يوليو) من نفس العام يشير المسؤول الى حديث مع امانو حول مستقبل دائرة ‘اكسبو’ والمسؤولين فيها ‘بعضهم ممن لم يكونوا يدعمون المواقف الامريكية’، وهؤلاء ممن قام امانو بنقلهم الى مراكز اخرى بعيدا عن الدائرة المغلقة حول امانو والتي قام افرادها باعداد تقرير العام الماضي. ومع ان هيبس يرى ان اعادة تنظيم الوكالة من الداخل من اجل القضاء على الخلافات الداخلية فيها والذي كان يخرج للعلن كان ضروريا، حيث قام امانوا بمركزة الوكالة واكد على اهمية ان تصدر كل التصريحات من مكتبه. ومع كل هذا فامانو لم يستطع الهروب من النقد بسبب تصريحاته القوية ضد ايران، فبحسب خبير امريكي في مجال الحد من انتشار السلاح النووي فالمستفيدان الوحيدان من ولاية امانو كانا امريكا والصناعة النووية اليابانية. واشار الى ان الفرق بين البرادعي وامانو ان الاول كان دائما يحبذ الحل الدبلوماسي فيما حمل امانو العصا في وجه ايران وضربها بشدة وبشكل متكرر. وعلى الرغم من النقد الموجه لامانو في موقفه من ايران فان من انتقدوا طريقة تعامله مع طهران اشاروا الى ان معلومات جديدة ظهرت عن زيادة تخصيب ايران لليورانيوم، وان طهران التي تقول انها تخلت عن طموحاتها النووية غير السلمية تتصرف وكأنها تخفي شيئا. كل هذا لا يعني ان لا تتحقق الوكالة من معلوماتها، حيث يقول كيلي ان مصداقية الوكالة تكمن في التحقق ودراسة كل المعلومات التي تنشرها. ويقول ان الوكالة بنت نتائجها حول استمرار ايران تجاربها في مجال التسليح النووي على وثيقة واحدة والتي رفضها البرادعي لشكه في صحتها.