انهيار مؤسف للمصالحة الفلسطينية

حجم الخط
0

رأي القدس تشهد الساحة الفلسطينية هذه الايام حربا كلامية غير مسبوقة بين حركتي ‘فتح’ و’حماس’، قطبي المعادلة السياسية الفلسطينية الابرز، بلغت ذروتها في المسيرات الشعبية الضخمة التي رتبتها الحركة الاسلامية في قطاع غزة، وشارك فيها عشرات الآلاف تحت عنوان ‘جمعة انارة غزة وكشف المؤامرة’. حركة ‘حماس’ تتهم السلطة في رام الله، وحسب ما جاء على لسان السيد خليل الحية احد قيادييها، بانها ‘تتآمر’ مع مسؤولين من اسرائيل وامريكا ودول عربية لتشديد الحصار على قطاع غزة بهدف اسقاط حكومتها، واكد السيد الحية ان حركته لديها وثائق رسمية تدين هذه ‘المؤامرة’ وستقوم الحركة بنشرها واطلاع الرأي العام الفلسطيني عليها في المستقبل القريب.

حرب الاتهامات بين حركتي ‘فتح’ و’حماس’ ليست جديدة، ولكن الجديد هذه المرة انها تنفجر بعد اسابيع معدودة من توقيع الجانبين اتفاق الدوحة الذي يكرس المصالحة بينهما، وينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة محمود عباس زعيم حركة فتح، ورئيس السلطة.

قطاع غزة يعاني منذ اسابيع من ظلام دامس، وشلل في الحياة اليومية، بسبب انقطاع الكهرباء نتيجة لانعدام وقود المازوت اللازم لتشغيل محطات التوليد الرئيسية فيه، ومن المتوقع ان يؤدي وصول كميات محدودة منه من اسرائيل عبر معبر ايريز يوم امس الى حل الازمة جزئيا.

لا نعرف ما اذا كانت السلطة ‘متواطئة’ مع مؤامرة قطع الكهرباء عن مليوني انسان من ابناء القطاع مثلما جاء في خطاب السيد الحية في المسيرات الخمس التي شهدها القطاع امس، ليس لان المتحدث باسم السلطة في رام الله نفى هذا الاتهام، وانما ايضا لان الوثائق التي تدينها اي السلطة لم يتم الافراج عنها حتى الآن.

ما يمكن استخلاصه من الاتهامات والاتهامات المضادة بين الحركتين، ان المصالحة الفلسطينية التي رعتها السلطات المصرية وجرى توقيعها في القاهرة وسط زفة اعلامية انهارت تماما، وان هوة الخلاف بين الحركتين، اي فتح وحماس، اصبحت الآن اوسع مما كانت عليه قبل التوصل اليها.

الشعب الفلسطيني الذي رحب كثيرا بهذه المصالحة، واعتبرها طوق نجاة يضع حدا لحالة الانقسام والتشرذم في الساحة الفلسطينية سيصاب بخيبة امل كبرى من جراء هذا المشهد الفلسطيني الذي يبعث على الاكتئاب.

ولعل ما هو اخطر من كل ذلك ان هذا الشعب، او معظمه، لن يثق في المستقبل باي اتفاقات مصالحة مماثلة، ولن يتعاطى بجدية مع تصريحات المسؤولين في الفصيلين حول اي مصالحة او اجراء انتخابات رئاسية او تشريعية كثمرة لها، مثلما نصت الاتفاقات السابقة.

اي تواطؤ مع الحصار المفروض على قطاع غزة مدان باقوى العبارات واشدها، لان من يعاني من هذا الحصار هم الناس البسطاء، وليس قيادات حركة ‘حماس’ فقط، ولكن الاتهامات بالتواطؤ يجب ان لا تلقى جزافا ويجب ان تكون مدعومة بالادلة والاسانيد.

صحيح ان السلطة في رام الله تنسق امنيا مع الاحتلال الاسرائيلي، وتواصل المفاوضات السرية والعلنية مع ممثليه، ودون الرجوع الى اي مرجعية مؤسساتية فلسطينية، ولكن الصحيح ايضا ان حركة ‘حماس’ تصالحت مع هذه السلطة وهي ترتكب هذه الخطايا في وضح النهار.

قلنا دائما ونكرر للمرة المئة، ان المصالحة بين حركتي ‘فتح’ و’حماس’ مجرد وهم، وفي افضل الاحوال ‘ورقة’ يستخدمها الفريقان من اجل المناورة، والخروج من ‘مأزق ما’ ولخديعة الشعب الفلسطيني في نهاية المطاف.

المصالحة بين ‘فتح’ و’حماس’ مثل خلط الزيت بالماء، ففي نهاية المطاف يظل الزيت زيتا والماء ماء، وليس مهما من هو الزيت ومن هو الماء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية