محمد بلوش
من احدث افلام المخرج الأمريكي ستيفن سبيلبيرغ، فيلم ‘ حصان حرب’ ، الذي هو في اصله اقتباس لمسرحية الكاتب ميكاييل موربورغو، عبر سيناريو لكل من ‘ لي هال’ و’ ريتشارد كورتيس’ ، وبطبيعة الحال لم يخرج الفيلم عن النسق العام الذي يوحد بين مجمل أعمال سبيلبيرغ (سبق ان توقفنا عند بعض تلك التوابث في دراسة سابقة نشرت ب“القدس العربي”)، أبرزها استثمار عوالم الطفولة البريئة، والنفاذ الى عمق التيمة المعالجة، ضمن أبعادها الإنسانية، حيث شكلت الحرب موضوعا تم الاشتغال عليه مرارا من قبل هذا المخرج.. في فيلمه ‘ حصان حرب ‘، راهن المخرج على نوع من التكريم الرمزي لملايين الجياد التي نفقت في ساحات المعارك خلال الحرب العالمية الأولى، وجسدت تمفصلات المحكي السردي وإن بطريقة كلاسيكية مبنية وفق سرد كرونولوجي، يعتمد الزمن الافقي الصاعد حيث احترام تسلسل الاحداث، مراحل من رحلة حصان، انطلقت من لحظة الميلاد في فضاء عام مخضر واخاذ، يحيل على الطبيعة في صيغتها البريئة قبل ان تكسوها أردية الحرب القذرة، مرورا بمغامرة ‘ تيد ناراكوت’ بشراءه في مزاد علني، بعدما توسم فيه القوة، وامكانية الاعتماد عليه في الحرث من اجل تسوية ديونه التي يطالب بها صاحب المزرعة التي يكتريها، وهنا نشأت علاقة تواصل مثيرة بين اليافع ‘ ألبير’ والحصان ‘جوي’، بفضلها تم إنقاذ الحصان البريء من بندقية الاب ‘ تيد’ بعدما تبين له سوء ظنه في الحصان، إذ تلك العلاقة البريئة بين ألبير و’ جوي’ مكنت الحصان في نهاية المطاف من اتمام عملية الحرث الشاقة، مبهرا الجميع.. بداية المتاعب الحقيقية لليافع ‘ ألبير’ هي لحظة بيع والده الحصان لجنود يستعدون للتوجه نحو جبهة القتال، ورغم توسلاته ودموعه، لم يستطع ‘ البير’ سوى انتزاع وعد من المشتري بالاهتمام بحصانه، مستعدا لإعادته إليه إن سمحت بذلك الاقدار.
لسوء الحظ، سيقتل الجندي الشاب في معركة غير مخطط لها جيدا، وبالتالي ستتحول ملكية الحصان الى جنود العدو، فتتوالى مشاهد قوية عبر الفيلم، من ابرزها رسم ملامح التعاطف الغريزي بين الجياد، وقسوة الانسان في اعتماد آلية القتل متى خارت قوى الحيوان الأليف ذاك أو أحس بالوهن أو كان جريحا.
ولاسترداد حصانه، اقتحم ‘ ألبير’ الجندية، وبعد أحداث دامية لاتخلو من مساءلة جدوى الحرب في الأساس، سينتهي الفيلم بمشهد نجاح الحصان، وبشجاعة كبيرة، في الانفلات من معسكر العدو، متحملا الأسلاك الشائكة التي كبلت حركيته، وكادت تتسبب في نفوقه، والمشهد هذا نعتبره من أقوى ما في الفيلم من مشاهد ذات أبعاد إنسانية، إذ تعهد بإنقاذ الحصان جنديان، كل منهما يمثل طرفا من اطراف الحرب، والحوار الذي دار بينهما أكيد له معنى واحد: عبثية الحرب مقابل السلم المتأصل غريزيا بين بني البشر.
فيلم سبيلبيرغ الجديد يلاحظ فيه عدم الاعتماد المفرط كالعادة على الصور الافتراضية، او الخدع البصرية التي نجدها في مجمل أفلامه الأخيرة، وإن كان قد وظف منها ما يستجيب لمراحل التصوير، خصوصا وان إخراج أفلام من هذا النوع يحتاج الى تجربة اخراجية كبيرة، كما أن سبيلبيرغ يفاجئ المتلقي تارة بتقنيات على مستوى القطع ربما ليست جديدة في أفلامه، وهنا نعطي كمثال بارز تقنية التداخل التي وظفها للانتقال من مشهد الاسطر المنظمة التي كانت واضحة عبر قطع الصوف التي تنسج منها الأم رداءا لوليدها، الى مشهد الأسطر المنظمة التي خطها المحراث التقليدي بعد عملية الحرث، فتقنية التداخل تعني الانتقال التدريجي من مشهد الى آخر دون الغياب الكلي للمشهد الأول.