الكرة لدى بيبي

حجم الخط
0

بن كاسبيت

لو كانت اسرائيل دولة برغماتية، لكان قادتها هرعوا لالتقاط قرار محكمة العدل العليا أمس كغنيمة عظمى. ليس لها، لاسرائيل، ذخر دولي أكبر من هذا القرار، ولا سيما في الايام التي تشكل فيه الامم المتحدة لجنة تحقيق دولية لتقصي الحقائق في المستوطنات. الرد المظفر على لجنة تحقيق كهذه هو رفض ‘اتفاق ميغرون’ من قبل المحكمة العليا لدولة اسرائيل. هذا هو المبرز الاول الذي يجب أن يوضع على طاولة هذه اللجنة. إذ لا يوجد دليل مظفر أكثر على أنه رغم حقيقة أن اسرائيل تحتفظ بأرض محتلة منذ 45 سنة (هذا هو الوضع القانوني، لا يمكن عمل شيء)، رغم أنه لا توجد مفاوضات سياسية ورغم أنه ظاهرا لا يوجد شريك يوجد قضاة في القدس وهم يدافعون عن أصحاب حقوق الملكية الخاصة حتى عندما يكونون فلسطينيين. يوجد قضاء ويوجد قاض في المناطق أيضا، والعالم يمكن أن يهدأ، لا أحد يسلب هنا أراض خاصة بغمزة عين ويبيض بعد ذلك الجريمة بقرارات قضائية موصى بها. اسرائيل هي دولة قانون، وليست غربا متوحشا، أليس كذلك؟ إذن هذا هو، ليس تماما. ودولة برغماتية لن نكون. فبدلا من انزال الرأس أمام القرار القضائي، صدرت أمس اشارة الهجوم العام. جداول ـ جداول نزلوا من التلال، النواب الفزعون من اللوبي الاقوى في اسرائيل (المستوطنين)، الوزراء الخائفون، كل اولئك الذين يسمحون منذ سنين للدولة بان تبعث بالناس الى التلال دون أن يفحصوا الجوانب القانونية، على فرض أن في النهاية كل شيء سيكون على ما يرام. إذن الان تأتي النهاية (في 1 آب)، وهذا بعيد عن أن يكون على ما يرام. مصيبة اليمين هي أنه يصعب اليوم الهجوم حتى على المحكمة. فهذا سيظهر غبيا على نحو مخيف. فأول أمس فقط فكروا وأعدوا ‘قانون غرونيس’، المسيح الجديد الذي سيري اليساريين ما هو، وها هو جاء غرونيس اياه، وبقرار قضائي بسيط، منطقي وواضح، أوضح بانه ليس أداة لعب في يد أحد. إذ ان القرار في موضوع ميغرون ليس يمينيا أو يساريا، هو القرار القضائي اللازم. ‘السلام الان’ وقفت هنا حيال آلة مزيتة مع الوزير بيغن، ولوبي المستوطنين والمحامي فينروت ومستشاري اعلام ومجموعات ضغط، ولم يصدقوا.

في السنة الاخيرة سوغت من تحت الرادار 11 بؤرة استيطانية من قبل محكمة العدل العليا رغم التماسات السلام الان، بعد أن بيضتها الدولة بأثر رجعي. وها هي جاءت امس المحكمة وقالت انه يوجد حدود لكل خدعة. وأن هناك أمور ببساطة لا يجب فعلها. على مدى السنين تجعل الدولة اضحوكة من محكمة العدل العليا في موضوع ميغرون، وعلى مدى السنين تجر الارجل، تأمل في أن تحصل معجزة، لا تفهم بانه في هذه الحالة لن يكون ممكنا تربيع الدائرة. حسب قول الدولة نفسها، ميغرون مبنية على أرض فلسطينية خاصة. وحتى الوزير بيني بيغن يعرف بان هذا المفسد لا يمكن لاحد ان يسوغه. وأنا لا أحسد بيغن الان حين يتمزق بين المستوطنين والقضاة. كنت سأدفع كثيرا كي أسمع بالبث الحي ماذا يجري في قلبه، في رأسه، في ضميره. رجل بريء ومستقيم هو زئيف بنيامين بيغن، المواصل المخلص لطريق إرث أبيه، الذي لو كان موجودا معنا اليوم، لكانت ميغرون اخليت غدا، وليس في آب. ولكن بيغن الاب غير موجود، والابن يتعذب هنا بدلا منه. اسرائيل هي دولة المرجعية العليا فيها تتفكك، الاطار يتبدد، القانون يصبح شارة ميتة. دولة غير قادرة على أن تفرض قوانينها على البدو في النقب، دولة غير قادرة على كبح جماح مؤيدي فريق رياضي يعربدون في المجمع التجاري، دولة غير قادرة على أن تمسك بالعرب الذين يرشقون الحجارة على اسرائيليين أبرياء في مدخل بيتهم في القرية، دولة غير قادرة على ان تفرض القانون والنظام في الوسط العربي، الاصولي، البدوي او في أي وسط آخر يمكن تخيله. دولة تتفكك الى قبائلها والى قوانين الغابة المتبعة فيها.

أمس جاءت محكمة العدل العليا وحاولت وضع حد لهذا الانجراف. الاعلان ‘حتى هنا’. رسم خط أحمر واضح على الارضية. الايضاح بان غمزة سلطوية لا يمكنها أن تحل محل القانون أو تؤمم أرضا من أصحابها. والان، توجد حبة البطاطا المتلظية هذه امام رئيس الوزراء. بنيامين نتنياهو وصل في زيارة تاريخية الى مقر محكمة العدل العليا قبل عدة أسابيع وأعلن هناك بان حكومة اسرائيل ستنفذ قرارات المحكمة وقوانين الدولة. الان اختباره. نتنياهو يمكنه أن يعلن بان قرار محكمة العدل العليا سيطبق دون خلل، فيفقد المتطرفين ولكنه يشتري عالمه في المركز السياسي، المكان الذي منه يتم الانتصار في الانتخابات. ولكن نتنياهو يمكنه أيضا أن يواصل الغمز، ان يدعو الوزير بيغن لمواصلة ايجاد خلطة جديدة، كصفقة اخرى، اتفاق جديد، يفكك ميغرون ويبقيه كاملا في آن واحد. بقدر ما هو معروف، وحسب ما سمعناه امس في المحكمة، مثل هذه الخلطة نتنياهو لن يجد. هل سيكون لديه الشجاعة للتوجه نحو قرار يتجاوز محكمة العدل العليا ويسوغ ميغرون رغم أنف المحكمة العليا، عشية الانتخابات؟ من الصعب التصديق. الربيع وصل، الفصح جاء، آب سيأتي بعده، ولم نتحدث بعد عن ايران، عن قانون طال، عن احتجاج الصيف وعن كل ما بينهم. المهم انه هنا لن يكون أبدا، ولكن أبدا، ما يبعث على التثاؤب.

معاريف 26/3/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية