حسين سلطان بدون عنوان، هو عنوان المعرض الذى أقيم أخيراً فى قاعة آرت اللوا بالقاهرة لأعمال الفنان حمدى رضا، وهو مصور فوتوغرافى، من خريجى الفنون الجميلة سنة 1997 ، ومؤسس ومدير مساحة ‘آرت اللوا’ للفنون المعاصرة. يعرض رضا مشاهد منتقاة لأماكن مختلفة من داخل مصر، مشاهد مختلفة يضعها رضا أمام زوار معرضه، ليشاركوه فى إعادة صياغتها من جديد عن طريق اللعب. من دون عنوان، هى لعبة فنية تضم 6 صور فوتوغرافية، تم انتقائها بعناية، ملصقة علي أوجه 12 مكعب، تكتمل كل صورة عند رص تلك المكعبات بالطريقة الصحيحة، وعند رصها بطريقة عشوائية وبغير ترتيبها الواقعي تنتج تركيبات بتباديل وتوافيق تكاد تكون لا متناهية، بوضع مربعات الصور ورصهم كما يترائي للمتلقي المتفاعل مع العمل. هو مشروع فوتوغرافي يتيح للجمهور التفاعل مع الأعمال من طريق إعادة رص أو تركيب الصور، في محاولة لشراكة المتلقي في قضية الصور ذاتها وتحديد عناوينها أو مواقعها، والتي تُظهر 6 مناظر متنوعة من مصر، تم التقاطها في السنوات الأخيرة، وهو تنوع شديد التباين وبدون هوية واضحة تجمعهم سوياً، عدا إعتراف المصور بذلك من خلال وضعهم سوياً في مشروع واحد، وهو يطرح بذلك تساؤلات عدة حول الهوية والثقافة ومساحات الرؤية ذات الأبعاد المتباينة والمتناغمة في آن.
ست صور فوتوغرافية ترسم مشهداً مختصراً للوطن.. تختلف الصور وتتباين.. وينعكس إختلافها وتباينها على المشهد. ففى إحدى الصور المعروضة نجد ميدان التحرير لحظة إنقضاض رجال الأمن على المعتصمين فيه. إلى جوار الصورة، ثمة أخرى لمجموعة من عمال التنظيف وهم يمارسون عملهم متسلقين واجهة إحدى البنايات الفارهة. صورة أخرى للمدينة من أعلى.. مدينة مزدحمة.. بيوتها متلاصقة، لا تكاد تتبين فروقاً بين أحيائها، إلا إذا دققت النظر جيداً.. هنا يتجاور الغنى والفقر.. التناقض بكل ما يحمله من معنى.. إلى جوار الصورة السابقة صورة أخرى تداعبك ألوانها لمجموعة من الكراسى المتراصة إلى جوار بعضها أمام بناية تحت الإنشاء.. تلخص الصورة المشهد المصرى فى اللحظة الراهنة.. فها هو وطن يتشكل من جديد، والكرسىّ يغرى الجميع بالجلوس عليه. وثمة مشهد آخر بعيد عن كل هذا يمثل مجموعة من السائحين وهم جالسون أمام أحد الشواطىء.. هى صورة للوطن غير متاحة للجميع، ومشهد يداعب خيال الملايين ممن يسكنون القبور والعشوائيات. إنها مصر، بكل تجلياتها، وتباينها، كما يراها الفنان حمدى رضا. من دون عنوان، هو نفى للمكان، وتعبير عن حالة التيه التى كان يشعر بها كما يقول حيال كل هذا التناقض والتباين الذى تمثله الصور. وإلى جانب الصور المعروضة بهيئتها التقليدية المعهودة، ثمة وسائط وأطر أخرى يخلق بها رضا علاقات مختلفة بين الصورة والمشاهد. فقد حول رضا مجموعة الصور المعروضة إلى لعبة مكعبات كبيرة.. يحمل كل وجه منها جزئاً من صورة.. يمكنك محاولة تجميعها كما تشاء.. تلتزم بالصورة كما هى، أو تحاول خلق علاقات مختلفة بين أجزاء الصور وبعضها. إلى جانب المكعبات، تتاح الصورة فى شكل كارت بوستال، ولعبة قص ولصق أيضاً. وهو ما هيأ حالة أشبه بساحة اللعب داخل قاعة العرض.. ساحة للعب يتشارك فيها الكبار والصغار معاً. حالة التناقض التى يؤكد عليها رضا فى لوحاته الفوتوغرافية المعروضة، تشبهه إلى حد كبير، هو المتردد بين عشوائية المكان وإتساقه العمرانى، بين حى أرض اللوا وبين وسط المثقفين فى قلب القاهرة، حيث أروقة القاعات والمنتديات الثقافية. هو التناقض الظاهر الذى يمثله ذلك المشروع المتحمس له بكل طاقته بإقحام تلك المساحة ‘ قاعة عرض آرت اللوا’ بما تعرضه من فنون معاصرة فى قلب هذا الزحام والعشوائية والفوضى المجاورة لها.
يقدم رضا فى معرضه جانباً من هذا التناقض الظاهرى فى تجربته الفنية والحياتية داخل مصر، ذلك التناقض الذى يميز فى رأيه المشهد الكبير للوطن. يقول رضا معلقاً: أنا بطبيعتى كمصور أقوم بتسجيل كل ما أشاهده، وحين يتجمع لدى كم من الصور، أقوم بالإنتقاء فيما بينها بحيث أخرج فى كل مرة بموضوع متآلف. وقد فعلت نفس الشىء فى هذا المعرض إلا أن إنتقائى هنا كان منصباً على تلك الصور الحاملة لأكثر من مستوى، وأكثر من حالة، بعد أن ألجمت رغبتى الملحة فى التعبير فقط عن الثورة. فأنا أعتقد أنه لم يحن الوقت بعد للتعبير عن هذا الحدث كما يجب، فنحن مازلنا نعيش تداعياته وتفاعلاته المستمرة بلا توقف منذ إندلاع شرارته. ولكن فى نفس الوقت، لم أكن أستطيع الإبتعاد عنه بشكل كلى، وإلا كنت منفصلاً عن المشهد الحالى. لذا فقد وضعتها كجزء من المشهد المصرى بشكل عام، ذلك المشهد الملىء بالتناقض والعشوائية أحياناً، كما تراه فى الصور، أو كما يتهيأ لك من خلال اللعب بهذه المكعبات.