البابا شنودة: نعيم الروح وعذاب السياسة

حجم الخط
0

محمود الأزهري شاعر حين يتكلم يتجلى بسمت الشعراء وبلاغتهم وإحساسهم العالي بالكلمة والدقة العالية في اختيارها والذوق الرفيع في تناغم الجمل وتتابعها واسترسال غير متكلف ومحبة للخطاب ومحبة للمخاطَب ومحبة ظاهرة في الخطاب لأن المخاطِب نفسه محب وعاشق دون تصنُّع للحب ولا تكلف للمودة.

صوفي يسعى للإرتقاء بروحه في سماوات عليا وفضاءات أرحب ومدارات أكبر وهو يحب أن يصعد الناس معه في مراكب المحبة وسفن النجاة وقطارات التعقل بعيدا عن هوس الحياة وضجيج الأرض وصخب الاختلافات ومتاهات الخلافات في معظم الأحاديث التي سمعتها له كان تركيزه الدائم والدوؤب على الروح بعيدا عن حاجات الجسد وترفعا عن تفاصيل القوانين المادية والأحكام الشرائعية الدينية دون أن يعني هذا تنكرا للقانون أو رفضا للشريعة أو تعاليا على الكتب المقدسة وإنما هو الفهم العميق لكل هذا والمحاولة لإفهام الناس فلسفة الشرائع كلها وصولا للمحبة أحبوا أعداءكم باركوا مبغضيكم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع فمن عفي له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان.

قائد روحي مهيب له سلطة بالروح على شعب الكنيسة دون أن يكون له أمن مركزي أو أمن دولة أو امن عام أو أمن خاص أو مدرعات أو كتائب فقط له كتب، فقط له موعظة، فقط له عمود في جريدة. سياسي حافظ على دماء أبناء الشعب المصري أو اجتهد للتقليل منها ورغم أن القضية كثيرا ما تكون واضحة خاصة بالنسبة لمن هم في مثل موقعه إلا أنه يؤثر السلامة حفاظا على أرواح الناس – كما أعتقد – لا حفاظا على كرسي الكنيسة – كما يظن قليلون -، سياسي يطلب منه النظامُ الحاكم دائما شهادة اعتراف وهو أبدا لم يطلب من هذا النظام شهادة اعتراف أو شهادة بقاء أو شهادة رفض حسب معلوماتي، سياسي يعطي لقيصر بعض ما له ويعطي كل ما لله لله بحسب اعتقاده، ورغم ما يعطيه لقيصر فقد تأتي ضحكة خفيفة منه في حوار تلفزيوني في قنوات الحكومة لتفضح المشهد كله دون أن يكون النظام الفاسد قادرا على حجب الابتسامة أو حتى إعادة مونتاجها، سياسي جعلنا نحبه، شاعر، صوفي، حكيم، محب، عاشق لمصر كما جعلني أختلف معه أحيانا عندما يقف صلبا قويا أمام بعض أحكام القضاء رافضا لها في محاولة منه للحصول على رضى الله كما يعتقد وفي محاولة لتهديد هيبة الدولة والتأسيس للدولة الدينية داخل دولة مدنية وهو ما سيجعل جماعات أخرى تكبر في المجتمع محاولةً السير في نفس الطريق وصولا لنفس الهدف وهو البحث عن رضى الله عز وجل، هو حكيم ولكن السياسة ماكرة وهو ثابت ولكن السياسة متقلبة. وهو كسياسي كان يحيرني جدا فكلما اشتدت أزمة ازدادت آلامه وتجدد طلبه للعلاج وظهرت أمريكا على الخط وتشوش الاتصال أو التبس الفهم بيننا وبين أبنائه في الخارج ولكن ساستنا كلهم تظهر أمريكا والمانيا وفرنسا وايطاليا وروسيا كلما ازدادت آلامهم أو ازدادت آلامنا دون أن نحصل على علاج حقيقي بل هم الذين يحصلون على العلاج وعلى الفسحة وعلى مؤتمرات أبناء مصر في الخارج ودعوات أبناء مصر في الداخل أبناء مصر هؤلاء الذين تحولوا بعد الثورة إلى أبناء مبارك زورا وإلى أبناء المشير كذبا وإلى آسفين يا… وهما.

البابا شنودة في كل عام وبمناسبة عيد القيامة كنت أحب أن أستمع له ويمكن أن أكتب هنا الكثير من المبررات والأسباب هنا، وكانت تحب أن تسمع له أمي وكان لها مبرراتها: كلامه هادىء ومستريح ‘والكلام الهاديء لا يصدر إلامن نفس قد شبعت هدوءا إنها رحلة الروح – والكلام المريح لا يصدر إلا عن ثقافة عالية وفهم عظيم.

رحمة الله على فقيد مصر الكريم قداسة البابا شنودة الثالث وقدس الله روحه الطاهرة مع الشهداء والقديسين والصالحين وألهم المصريين الصبر والسلوان.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية