رسائل إلى من «قد يهمه الأمر» في مصر

في هذه اللحظة الفارقة التي تدخل فيها مصر عهدا جديدا، تختلط فيه الجراح بالافراح، والآلام بالآمال، وتختلف فيه الاجندات والرؤى والآراء، وتتصارع على احتوائه دول وحكومات، يجدر التوقف عند مفاصل هذا التحول الجديد في مسيرة مرهقة استنزفت روح الامة وقوتها. ويجدر بكل مواطن يتحمل نصيبه من المسؤولية الوطنية، ان يساهم بالقول والعمل في إرساء أسس صحيحة لاعادة بناء الدولة. ومن هذا المنطلق تأتي هذه الرسائل التي قد تـجـــد او لا تــجد من يهتم بها، الا انها على اي حال نتيجة لمراقبة موضوعية ومتأنية على ارض الواقع لمحطات تلك المسيرة.
اولا: يصعب استدعاء ظروف اكثر دقة، بل وحرجا انتقلت فيها القيادة الى رئيس جديد، من التي تعيشها مصر حاليا، بما في ذلك حالة الهزيمة إبان تولي الرئيس الراحل انور السادات المسؤولية، اثر وفاة مفاجئة للزعيم جمال عبد الناصر عام 1970. وبالتالي فان الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسي لا يملك ترف اقامة الاحتفالات، حتى ان اغراه بذلك اولئك المحسوبون بالخطأ على مهنة الاعلام، الذين هيأوا له انهم يستطيعون حشد (اربعين مليون ناخب) كما تمنى في احد حواراته، لكنهم كانوا في الحقيقة سببا، بين اسباب اخرى، لعزوف الملايين عن المشاركة او ابطال اصواتهم في الانتخابات.
ثانيا: ان ملايين المصريين الذين شاركوا في الانتخابات، والالاف الذين احتفلوا في الميادين، لم يفعلوا ذلك من اجل شخص، بل سعيا الى انهاء مرحلة رمادية اتسمت بالفوضى المدمرة، والانسداد السياسي والاقتصادي، شعروا خلالها بالانهاك والاحباط. وما مظاهر الفرح والرقص الا تعبير طبيعي عما يعرف بـ»التفكير الآمل»، وسيكون من الكارثي ترجمتها على انها «شيك على بياض»، فقد ولى ذلك الزمان الى غير رجعة، بل ان المحتفلين سيكونون اول من يثور ضد العهد الجديد، اذا تبين انه يمثل ردة الى عهد المخلوع.
ثالثا: ان بعض اولئك الذين يقودون «زفة الاحتفالات» اليوم في مصر هم انفسهم الخطر الاكبر على العهد الجديد. ومن الانصاف القول انهم في الاغلب «متطوعون»، بل «متلهفون للقيام بهذا الدور» في هذا العهد كما اعتادوا ان يفعلوا دائما، الا ان العهد الجديد يبقى مسؤولا عن افساح المجال امام اولئك الذين يسميهم المصريون بـ»كدابين الزفة»، مدفوعين من «جماعات المصالح» التي حذر منها الرئيس المؤقت عدلي منصور في خطابه الوداعي. اما السبيل الى مواجهة هؤلاء فهو الاسراع بتنفيذ ما جاء في الدستور من انشاء لمجلس وطني للاعلام، وكتابة ميثاق شرف اعلامي، بمعرفة اكاديميين، يشمل آليات محددة لتطبيقه، فلا يكون مجرد حبر على ورق. ويقتضي هذا ان يتبرأ الرئيس المنتخب علنا من اولئك المنافقين، وان يعدل عن تصريحات ادلى بها في بداية حملته الانتخابية، وقال فيها ان اولئك «الاعلاميين» يملكون ثمانين بالمئة من الرأي العام، وهو ما اثبت ضعف الاقبال في الانتخابات عدم صحته.
رابعا: ان المصريين يفضلون الدولة القوية لكنهم سيقاومون الدولة الظالمة، ولو بعد حين. ولا يعد وجود الالاف في السجون بدون تهم او محاكمات، دليلا على قوة الدولة، بل على ضعفها. ويستطيع الرئيس المنتخب ان يبدأ عهده بـ»ضربة معلم» كـــما يقـــول المصريون، بأن يكون اول قـــــراراته الافراج عن كل شخص لا يواجه اتهاما قضائيا محددا، وان يطرح قانون التظــــاهر لنقاش عام، ينتهي بالتوافق على تعديله، على ان يحترمه الجميع بعد ذلك. وسيكون هــذا كفيلا بأن يوجه رسالة ثقة وطمأنة سياسية واجتماعية، وان يضع البلاد على طريق التوافق او التعايش.
خامسا: أما على المستوى المعيشي، فان اعلان الحرب على الفساد والفوضى من اليوم الاول ضرورة حتمية ليشعر المصريون بفارق حقيقي. والفساد والفوضى وجهان لعملة واحدة في مصر، اذ لولا ثقافة الرشاوى المزدهرة لما تغاضت اجهزة الحكم المحلي عن غزو جيوش الباعة الجائلين لشوارع القاهرة، حتى اصبحت المناطق التاريخية الراقية اسواقا للبضائع الرخيصة تنشر القبح والبلطجة والجريمة. وقس على ذلك التعديات على الاراضي الزراعية وسرقة الدعم، وغير ذلك كثير.
سادسا: ان مصر تحتاج الى ادارة جديدة بالمعنى الاعمق للكلمة، وتفكير خارج الصندوق، لبناء نهضة حقيقية بسواعد كافة ابنائها، على اساس العلم وليس الاوهام. وعلى سبيل المثال لم يعد مقبولا ان تواصل الحكومة سياساتها المفلسة والجاحدة ضد اكثر من عشرة مليون مصري يعيشون في الخارج، هم العماد الحقيقي للاقتصاد المصري بتحويلاتهم التي بلغت نحو عشرين مليار دولار العام الماضي. وليس سرا ان مصر لا يمكن ان تنهض بدون مشاركة فاعلة من هؤلاء. الا ان الحكومة تأبى الا ان تعاملهم بالعقلية الامنية القميئة نفسها، فتقرر امس منع مزدوجي الجنسية من الترشح لعضوية مجلس النواب، وتمنع اي تمثيل حقيقي لهذا الجزء الاصيل من الشعب في البرلمان، مكتفية بوجوه مستهلكة بلا مصداقية من المرضي عنهم امنيا في كل العهود على انهم «ممثلون للمصريين في الخارج».
اما على مستوى السياسة الخارجية، فان التحديات لا تقل ضخامة، وهذا ما نتناوله في حديث اخر.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية