إشكالية بناء المعرفة في أرض العرب

حجم الخط
4

■ هناك الكثير من المؤلفات والمقالات التي تؤكد أن قوة ومكانة الأمم ستعتمد في المستقبل المنظور على مقدار ما تولده من معرفة تمكنها من امتلاك التكنولوجيا من جهة، ومن الابتـكار والتجديد في شتى حقول الإنتاج والخدمات والنظم من جهة أخرى.
امتلاك التكنولوجيا من خلال القدرة على الاختراع والتحسين والصيانة، يتمُ عادة بواسطة مؤسسات تخلقها الدولة وتصرف بسخاء لإنجاحها مثل، مؤسسة الصناعات الحربية الوطنية، حتى لا تعتمد في أمنها القومي على قوى الخارج واملاءاتها وابتزازها، أو مثل مؤسسة الفضاء لإرسال أقمار صناعية فضائية غير خاضعة لقوى خارجية.
أما امتلاك معرفة الابتكار والتجديد فانه موضوع بالغ التعقيد يحتاج إلى تعليم جامعي رفيع المستوى، لتخريج المبدعين والباحثين المتميزين، ويحتاج إلى مراكز أبحاث داخل الجامعات وخارجها، ويحتاج إلى ربط محكم بين نتائج الأبحاث وعجلة الاقتصاد، من أجل القدرة على المنافسة في الأسواق الوطنية والعالمية.
وفي الثلاثين سنة الماضية نجحت العديد من الدول مثل، الصين والهند وكوريا الجنوبية والبرازيل، في معرفة امتلاك التكنولوجيا وبدأت تستقل عن الخارج في حقول التكنولوجيا العسكرية وتكنولوجيا الفضاء وبعض تكنولوجيا الطاقة.
وهي في طريقها إلى امتلاك معرفة الإبتكار والتجديد لتصبح قوى اقتصادية يحسب لها في الأسواق الدولية. تلك أمثلة لدول تنتمي إلى العالم الثالث الذي ننتمي نحن العرب إليه.
هنا نصل إلى ما نريد قوله عن واقع عربي مفجع بالنسبة لنوعي المعرفة. فكل دول الوطن العربي، منفردة أو مجتمعة، لا تملك معرفة ذاتية قادرة على اختراع وامتلاك وصيانة وتحسين تكنولوجيا العصر. وهذا ما يجعلها معتمدة في أمنها الوطني والقومي اعتمادا كلياَ على معاهدات أمنية تكبل استقلالها الوطني، وعلى شراء أسلحة تباع لها بألف شرط وشرط ويحد من فاعلية تلك الأسلحة ومن حرية توقيت استعمالاتها.
والأمر نفسه ينطبق على حقل تكنولوجيا الطاقة، فرغم أن الوطن العربي يسبح على بحار من البترول وعلى أكوان من الغاز، وهما أساس الطاقة في العصر الذي نعيش، إلا أننا وبعد مرور حوالي ثمانين سنة على اكتشاف البترول في جزء من الأرض العربية، لم ننجح في امتلاك تكنولوجية الطاقة، ولازلنا نعتمد اعتمادا شبه كلي على الشركات الأجنبية، علما واختراعا وتطويرا. هل من فضيحة أكبر من هذه؟
وللإنصاف فقد جرت محاولتان في مصر، إبان العهد الناصري، وفي العراق قبل الغزو الأمريكي، لبناء معرفة تكنولوجية في الحقل العسكري على الأخص، ولكن انتهت التجربتان قبل أن تتجذَرا في تربة البلدين.
أما موضوع بناء وامتلاك معرفة الابتكار والتجديد فانه أكثر مأساوية وفشلا، فمتطلبات بنائه من تعليم جامعي إبداعي يخرج قوى عاملة قادرة على الإبداع وعلى إجراء البحوث الجاده لم توفرها الدَولة العربية الحديثة حتى في دول الغنى النفطي. ولعل موجة الهجمة الهائلة للجامعات الخاصة، الوطنية والخارجية، هي خير دليل على ذلك الفشل.
ومن جهة أخرى امتنعت الدولة العربية عن دعم البحوث التي هي ضرورية لأي جامعة تحترم نفسها، لا دعم الأساتذة والطلبة الباحثين ولا تمويل مراكز البحوث الجادة، سواء داخل الجامعات أو خارجها، واكتفت بمراكز بحوث أغلبها يجتُر معرفة الآخرين أو يلمع صورة الأنظمة السياسية، وبالتالي فان نتاجها لن يضيف إلى القدرة الاقتصادية ذرة إضافية واحدة.
في وطن عربي سمحت حكوماته بوجود نسبة أمية تصل إلى ثلاثين في المئة على مستوى الوطن الكبير كلُه، ويتحدث الكثير من التقارير الدولية والمقالات التربوية عن تراجعات مقلقة في مستوى ونوعية التعليم في جميع مراحله، وتقبع نسبة البحوث المنشورة من قبل جامعاته ومراكزه البحثية في الحدود الأدنى من النسب العالمية.
في وطن كهذا هل يمكن الحديث عن نوعي المعرفة اللتين تحدثنا عنهما سابقا؟
لا يمكن على الإطلاق الأمل بحل إشكاليتي المعرفة، بنوعيها، إلا أذا جرت تغييرات كبرى في نوع وتنظيم سلطات الدولة العربية. وهذا مربط الفرس ونقطة الانطلاق.

٭ كاتب بحريني

د. علي محمد فخرو

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية