تَنْقِيَـةُ الشِّعـر

حجم الخط
0

صلاح بوسريف’إن شعرنا العربي بحاجة دائمة لتنقية نفسه.. بل هو بحاجة لأن يُصنَّف جمالياً.. أي أن يُصارَ إلى إعادة تصنيفه وتبويبه على أساس جمالي محض’. الكلام للشاعر العراقي خزعل الماجدي، وهو أحد الشعراء الذين يجمعون بين النظر والممارسة الشعريين. ما يذهبُ إليه، هو ما كنتُ أكَّدْتُه في أكثر من عملٍ لي، بما فيها كتابي القادم ‘حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر’، وكنتُ ناديتُ بـضرورة ‘مراجعة الأصول’، ليس في ما هو معاصر، فقط، بل وفي ما مضى من شعر، باعتباره الأساس الذي منه تَسَرّبت كثير من ‘العادات’ الشعرية إلى النص الشعري المعاصر، وصارت، بالتالي، عائقاً في حدوث انفراجات في هذا الشِّعر، أو في وضع الشَّعر في سياقه الجمالي.

فـ ‘تنقية الشعر’، هي من بديهيات العمل الإبداعي. لا يمكن الخروج من البنيات التقليدية المُسْتحْكِمَة في الشعر العربي المعاصر، إذا لم نقم بتنقيته من الشوائب العالقة به، وبمراجعة ما يتخَفَّى خلف النص المعاصر من أصولٍ ذات مرجعيات، ربما، هي مما يعوق عملية التحديث، أو يجعلها ناقصةً، أو مُشَوَّهَةً، بالأحرى.

كان الشِّعر دائماً يتبع غيره، أو حتى حين تذهب إليه آلة النقد، فهي تقرأه بغير المنظار الجمالي، وهذا أفضى إلى تأجيل الشرط الجمالي في الشِّعر، والنظر لكثير مما لا علاقة له بالشِّعر باعتباره شعراً، ما أخفى حقيقة الشِّعر، وحجَبَها.

لا يقوم الشُّعراء بهذه التنقية، وكذلك النقاد. فالتنقية، أو المراجعة تحتاج لرؤية متقدمة، ولإعادة مراجعة كثير من المفاهيم التي جاءتنا من التراث النقدي القديم، ومن الثقافة العربية كما صَنَّفَتْها فترة التدوين، ووضعت لها مرجعياتُها التي بدونها لا يمكن اعتبار النص عربياً، أو داخلاً في سياق الثقافة العربية.

تقتضي التنقية المعرفة بالنصوص أولاً، وبالنظريات التي رافقته، وأعني هنا النقد، كون النقد كان أحد أسباب اختزال الشِّعر في ‘الفهم’. فأبو تمام كان رفض هذا المقياس، وخرج بشعره من الفهم إلى القيمة الجمالية، أو الشعرية للنص في ذاته.

الشِّعر كان دائماً، بعيداً عن التنقية والمراجعة، ومَنْ قاموا بهذا النوع من المراجعة، هم من خرجوا بتجاربهم الشِّعرية من القصيدة، باعتبارها ‘كلاما موزوناً له معنى’، وهو ما نُعَمِّمُه على الشِّعر، خطأً، دون أن نُقيمَ الفرقَ بين القصيدة باعتبارها مقترحاً شعرياً له زمنه وسياقه الجمالي، وبين الشِّعر باعتباره جَمْعاً، ليست القصيدة مفرده، بل إحدى مقترحاته الكثيرة.

التنقية، بتعبير الماجدي، تبدأ، من هذه النقطة بالذات، من هذا الفصل، الذي لم يقم به أحد بعد، بمن في ذلك من يتكلمون عن الحداثة كقطيعة مع التراث، أو من يذهبون للقطع مع ‘الثابت’ في مقابل ‘المتحول’. إذا كان البغدادي اعتبر المعاصرة حجابا، فنحن ذهبنا، في أكثر من مناسبة، إلى أن القصيدة، اليوم، هي حجاب الشِّعر، وهي التي تمنع الرؤية وتجعلها مُضَبَّبَةً، أو هي الشجرة التي ما زالت تحجُب غابة الشعر الكثيفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية