د. حسن عبد ربه المصري لا أدعي أن ما أسطره هو محاولة منفردة لفهم ما يجري في الشارع السياسي المصري منذ حوالي ثلاثة أسابيع.. ولكنه بالتأكيد سعي مشترك سبقني إليه كثيرون، وسيلحق بنا آخرون لأن مصر وطن يعيش فينا كما قال الراحل البابا شنودة.. ببساطة شديدة جداً.. أقول أن ما نشاهده ونتابعه، يدل دلالة قاطعة أن حالة الإرتباك التى خيمت على مصر منذ بضعة أشهر دخلت في مرحلة وعرة إنغمست فيها النخب السياسية والثقافية والفكرية والإجتماعية بكل أطيافها في سلسلة متتابعة من البعد عن الموضوعية والتمحور حول الأنا، بدلاً أن يكون رائدها جميعاً التكاتف للبحث عن مخرج آمن لمستقبل هذا الوطن من ورطته التى تزداد مع الأيام تفاقماً وتعقيداً بسبب تنامي المطالب الذاتية الممجوجة والجري وراء المكاسب الحزبية الضيقة، على حساب مصالح الوطن العليا وطموحات شرائحة الإجتماعية جميعها وحلمهم بغد آمن ومستقر.. للتذكير، نقول.. نص الإعلان الدستوري الذي صدر في شهر مارس من العام الماضي على أن ينتخب نواب مجلسي الشعب والشوري الأعضاء المائة الذين سيشكلون لجنة وضع الدستور، ولكنه لم يحدد المعايير والآليات التى تقود لذلك التشكيل.. ربما لثقة من صاغ الإعلان أن ممثلي الشعب المنتخبون بعد ثورة 25 يناير 2011 سيكونون على مستوى المسؤولية عندما يضعوا نصب أعينهم أن الغرض المطلوب من أعضاء اللجنة هو ‘كتابة دستور يمثل كل أطياف المجتمع المصري’ .. ومن ثم توقعنا جميعاً أن تتشكل اللجنة من أفضل الخبرات والكفاءات ذات الرؤية الصائبة في هذا المضمار وفق معايير التوازن والموضوعية التى توافق عليها المجتمع منذ تعلم أبناء مصر الحقوق والواجبات علي يد من وضعوا لهم دستور عام 1923 .. وللتذكير أيضاً نقول.. طالب الكثير من الكتاب والمفكرين واساتذة القانون المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن يوافق على المطلب الشعبي المنادي بأن تُشكل لجنة كتابة الدستور قبل بدء إنتخابات مجلس الشعب.. وفي ضوء هذه المطالب عقد بعض أعضاء المجلس جلسات إستماع كثيرة حاوروا فيها عدد كبير من قادة الفكر ورجال القانون وخبراء الدستور، وبالرغم من ذلك لم ينفذ المجلس الأعلى – التوصية التى أُقترحت عليهم بتعديل المادة 60 من الإعلان الدستوري بحيث تنص على تشكيل هيئة تأسيسية لوضع الدستور قبل الإنتخابات التشريعية ربما لكي لا تتفاقم الأزمات التي كان يعاني منها في تلك الفترة (إبريل / يونية 2011) بتصادم إضافي مع جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الدينية خاصة بعد أن اشاع مشايخهم أن من قال من المستفتين ‘نعم’ للتعديلات الدستورية ‘قالها لله’ .. لذلك يحق لنا ان نصف ما حدث يوم السبت 17 مارس الجاري بأنه كان مؤلماً وطاعناً في صميم الوطن والمواطن.. فبدلاً من أن يستثمر أعضاء المجلسين التشريعيين المناسبة للتوصل إلي مجموعة من المعايير العادلة المُحققة للغرض كما أفاض في الإشارة إليها الكثيرون!! عمدوا إلى الإستحواذ على كل مفردات معادلة كتابة الدستور.. ـ فمن ناحية إستخلصوا لأنفسهم نصف العدد وتركوا للأفراد والنقابات والإتحادات والقضاء والعمال والفلاحين والشباب والمتخصصين والشخصيات العامة النصف الآخر. ـ وفرضوا من ناحية أخرى معاييرهم في الإختيار.. مما جعلهم يضربون عرض الحائط بما قُدم إليهم من مقترحات وما عرضته عليهم التنظيمات المدنية والمراكز الأكاديمية والمؤسسات الدينية من اسماء.. وزيادة في التعسف.. إجتمع اعضاء المجلسين لإتمام إجراءات وخطوات انتخاب ‘المائة’ شخصية التي ستتشكل منها اللجنة.. دون أن يعلنوا للكافة عن ‘أسلوبهم في الإختيار والمفاضلة بين شخص وآخر’ وكان الظن أن مصلحة مصر هي التي ستحكم إختيارهم في نهاية المطاف.. لكن هذا لم يتحقق لأن الناخبين داخل قاعة المؤتمرات بالقاهرة لم يتعرفوا على كيفية تحديد خياراتهم من بين زملائهم المرشحين ولا كيفية المفاضلة بين المرشحين من خارج المجلسين (بلغ عددهم 2078) .. وبرغم ذلك إختاروا!! كيف؟
؟ عن طريق الموافقة على الإختيارات التي حددها تحالف حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الاخوان المسلمين من ناحية وحزب النور التابع للجماعة السلفية من ناحية أخرى، فيما أطلق عليه الإعلاميون ‘الورقة الدوارة’.. ما هي حكاية الورقة الدوارة؟
؟.. إختار أقطاب وقادة الحزبين من بين ما عُرض عليهم من أسماء، مائة اسم وفق متطلباتهم الخاصة التي كان أولها معيار الولاء بدلاً من الكفاءة والإلتزام الحزبي على حساب المواطنة وثانيها عدم مراعاة التوازن الذي يعكس التوافق الذي هو الأساس الاقوى لكتابة الدستور.. طُبعت الأسماء على أوراق بعدد أعضاء مجلسي الشعب والشورى، ووزعت عليهم عقب إفتتاح الجلسة.. وطُلب منهم نقل الأسماء كما هي فوق الأوراق الرسمية المختومة التي أعدتها الأمانة العامة لمجلس الشعب لكي يتم وفقها الإجراء الإنتخابي وتثبت صحته ولا يكون صوت صاحب الورقة لاغياً!! .. وهذا ما جرى حيث جاءت النتيجة النهائية للعملية الإنتخابية متطابقة مع الأسماء التي أتفق عليها الحزبان وتضمنتها ‘الورقة الدوارة’ فيما عدا إسمين فقط!! ولأن لحزب الحرية والعدالة وكذا لحزب النور الأغلبية العددية في كلا المجلسين ‘فازت لائحة الأسماء’ سابقة التجهيز ‘ضمن عملية تلفيق ذاتية، وصفها غالبية المحللون بأنها ‘تمثيلية لإنتخابات وهمية’، لم يقتنع بمصداقيتها عدد كبير من المتعاطفين مع كلا الحزبين.. وأدت إلي إنسحاب عدد لا بأس به ممن فازوا بعضوية اللجنة قبل مرور أربع وعشرين ساعة على إعلان تشكيلها.. يقول البعض أن ما جرى كان تطبيقا عمليا لشكل من أشكال الديموقراطية التي لم يتعود عليها بعد الشعب المصري!! ولم تقتنع بها تخبه وقواه السياسية!! ولم يرض عنها المجلس الأعلى للقوات المسلحة المسؤول حالياً عن إدارة البلاد!! .. وهذا في رأي قول حق، يرقد في طياته الباطن متربعاً.. فليس الإعتراض هنا على آلية الديموقراطية كما أنه ليس إنكار لحق الأغلبية البرلمانية في أن يكون لها رؤيتها التي تدعمها بالتصويت الحر الشفاف، ولكن الإعتراض على إستحواذها على نصف عدد أعضاء اللجنة.. خاصة وأن قادة حزب العدالة صرحوا عندما بدأت التفسيرات تتناول كيفية تشكيل اللجنة، أنهم سيحتفظون لأنفسهم ولحزب النور بعشرين بالمائة من عضويتها فقط، ثم زادت النسبة إلى 30 ‘ ثم إلى 40 ‘!! وعندما حانت لحظة التنفيذ أصروا على نسبة الـ 50’ .. وينصب إعتراضنا من ناحية أخرى على إفراطهم في فرض إرادتهم على شرائح المجتمع المصري بكل أطيافيها وقواها السياسية ونقاباتها وإتحاداتها وشخصياتها العامة والضالعين في كتابة الدستور.. وبذلك ثبت بالدليل القاطع أن وعود حزب العدالة والتنمية التي جرت على لسان الكثير من قادته بأنه يتمسك بشعار ‘المشاركة لا المغالبة’ في كل ما يتعلق بصالح البلاد والعباد حتى في ظل تمتعه بالأغلبية داخل مجلس الشعب.. وأنهم ملتزمون بالعمل على إتاحة الفرصة أمام لجنة الدستور لـ’كتابة دستور توافقي’ يُرضي كافة أبناء الوطن، كان ذراً للرماد في العيون لحين أن تأتي اللحظة التي في ضوئها يفرضون على الشعب كله إرادتهم عن طريق مد أذرع الهمينة على لجنة المائة.. لا أنكر أن الكثير من الدول التى تبنت النهج الديموقراطي بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بما في ذلك ثورات الحرية التي شهدتها دول أوربا الشرقية، أوكلت مجتمعاتها لمؤسساتها النيابية كتابة دستورها، ولكن شتان بين تركيبة تلك البرلمانات آنذاك والتركيبية الحالية لمجلس الشعب المصري!! لأن ممثلي تلك الدول النيابيون إرتفعوا فوق الصغائر والذات والمصالح الحزبية الآنية والتفوا جميعاً أقصي يمينهم وأقصي يسارهم حول مصلحة الوطن والشعب، لذلك لم يعانوا ساعتها من إنسداد أفقهم السياسي ولا عانوا من إنشطار في عمق المجتمع على مستوى كل فئاته وغالبية مثقفيه ومفكريه، كما يعاني مجتمعنا في لحظته الراهنة.. لقد أهدرت جماعة الإخوان المسلمين وحزبها السياسي العدالة والتنمية فرصة تاريخية أن تشكل لجنة لصياغة دستور يليق بمصر الثورة ويعبر عن واقعها ومستقبلها الجديدين، و بدلاً من ذلك آثرت مصالحها شديدة الضيقة ورؤيتها شديدة الأنانية مما جعل قطاعات واسعة من أبناء الشعب المصري تتساءل.. من المسئول عن التلاعب بإرادتنا؟
؟.. اننا نضم صوتها إلى صوتهم ونعلن أننا.. نرفض الهيمنة أيا كان مصدرها ولونها.. ونرفض تهميش قطاعات عريضة من الشعب المصري.. ونرفض إستبعاد الكفاءات والخبرات المتخصصة.. ونرفض إزدراء كيانات المجتمع المدني.. ونرفض سياسات وسلوكيات فصيل سياسي لا يقنع بأغلبيته العددية في مجلسي الشعب والشوري، ويخطط لإحكام قبضته على السلطة التنفيذية ويسعى حثيثاً لأن يكون رئيس الجمهورية القادم ممن يلبسون عباءته أو يدينون له بالولاء.. استشاري إعلامي مقيم في بريطانيا [email protected]