لندن ـ من أنا تومفورد: ‘ها قد تمكنا منك ‘ كان هذا العنوان الرئيسي الذي لا ينسى لاحدى الصحف الشعبية تعبيرا عن الشعور بالنشوة التي انتابت البريطانيين بعد إغراق سفينة حربية أرجنتينية مما أودى بحياة أكثر من 300 شخص كانوا على متنها إبان حرب فوكلاند عام 1982 . عندما أمر الديكتاتور الأرجنتيني الراحل ليوبولدو جالتيري قواته بغزو جزر فوكلاند في الثاني من نيسان/أبريل عام 1982، لم يضع في حسبانه على الأرجح هذا الاصرار الذي ليس له حدود من جانب السيدة الحديدية مارجريت ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك. لم يستغرق الامر من السيدة الحديدية أكثر من ثلاثة أيام لترسل قوة بحرية بريطانية ضاربة للجزر المتنازع عليها والتي تقع على بعد 13 ألف كيلو متر من بريطانيا، ويعرفها الأرجنتينيون باسم مالفيناس، حيث اشتبكت في معركة عسكرية استمرت ثلاثة أشهر خلفت تسعمائة قتيل. بقوة وبصبر نافد نحت ثاتشر تحفظات شديدة من جانب أعضاء حكومتها وكذلك من جانب الجيش ووزارة الخارجية الأمريكية. وقالت كما جاء في فيلم ‘المرأة الحديدية’، وهو من بطولة ميريل ستريب’ لا مهادنة مع عدوان.. إما أن نقف لنزود عن المبدأ أو لا نقف على الإطلاق’. يتوقع أن تشارك ثاتشر التي تبلغ السادسة والثمانين من عمرها حاليا وتعاني من خرف الشيخوخة، في احتفالات بريطانيا بذكرى الانتصار الذي حققته في الرابع عشر من حزيران/يونيو يوم استسلام الأرجنتين. أما جالتيري عدوها القديم فقد توفي عام 2003 . اتفق المؤرخون والمحللون السياسيون بوجه عام على أن انتصار بريطانيا في حرب فوكلاند كان بمثابة لحظة فارقة في حقبة تولي مارجريت ثاتشر رئاسة وزراء بريطانيا، إذ مكنت بلادها من أن تلقي بواقعها الاقتصادي القاتم إبان سبعينيات القرن الماضي وراء ظهرها وتستعيد المكانة التي كانت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، كقوة عالمية عظمى. عندما تولت ثاتشر رئاسة الوزراء عام 1979، غرقت حكومتها في دوامة من الازمات الاقتصادية، ودخلت في صراعات مع النقابات العمالية القوية وواجهت تهديدا إرهابيا متواصلا من أيرلندا الشمالية. بالرغم من أنها كانت ولا تزال شخصية مثيرة للجدل بشكل كبير، فإن النعرة الوطنية التي ألهبها ذلك العنوان الرئيسي في الصحيفة الشعبية إبان الحرب، هي التي كفلت لثاتشر فترة ولاية ثانية حيث ظلت في منضبها حتى عام 1990 بحسب ما يعتقد على نطاق واسع. وبعد ثلاثين عاما من اندلاع الصراع لا تزال الحساسيات تعتمل في صدور كلا الطرفين. وقال فيكتور بالمر-توماس الخبير في شؤون صراع جزر فوكلاند، لوكالة الانباء الالمانية (د.
ب.
أ):’ إناس كثيرون ماتوا بالفعل’. لكن بالرغم من المناوشات المتجددة، فإن توماس يعتقد أنه ‘لا توجد إرادة أو رغبة’ في الأرجنتين لتحرك عسكري جديد، والأمر نفسه ينطبق على بريطانيا، حيث ‘ لا شهية’ لتأجيج التوتر. وأشار إلى أنه ينبغي على الحكومة البريطانية التي قد تعهدت باستمرار باستعدادها للدفاع عن سيادة جزر فوكلاند طالما يريد أبناؤها البقاء بريطانيين، ‘أن تقاوم إغراء المبالغة في الرد’ على تحركات الأرجنتين الأخيرة لإشعال الصراع من جديد. في الوقت نفسه استغل البعض في الجيش البريطاني مسألة جزر فوكلاند ليوجه انتقادات للحكومة بسبب التقليص الحاد لحجم الإنفاق، الدفاعي والذي يعني من بين أمور اخرى، أن تتخلى بريطانيا عن حاملة طائراتها، كما أن عدد الفرقاطات والمدمرات تم تقليصه بشكل هائل. وقال اللورد ويست قائد البحرية السابق الذي كان قائدا للطراد إتش إم إس أردينت ‘ الذي أغرقته القوات الأرجنتينية إبان حرب فوكلاند، إن البحرية البريطانية لن تتمكن من السيطرة على جزر فوكلاند مجددا دون استثمارات ضخمة. غير أن الحكومة المحافظة برئاسة ديفيد كاميرون قللت من شأن التكهنات باحتمال تجدد صراع 1982، بالرغم من أنه أرسل الفرقاطة ‘إتش إم إس دونتليس’ وهي واحدة من أكثر فرقاطات البحرية البريطانية تطورا، إلى جنوب الأطلسي. وقال وزير الدفاع البريطاني فيليب هاموند أمام مجلس العموم:’ ليس ثمة دليل في الوقت الحالي على نية أو قدرة (الأرجنتين) على إطلاق تهديد جاد بشأن جزر فوكلاند’. وأضاف هاموند، إنه بالرغم من ذلك تبقى مسألة الدفاع عن جزر فوكلاند ذات ‘اولوية كبيرة’ لدى الحكومة البريطانية، التي يجب أن تظل ‘شديدة اليقظة’ إزاء القضية. وفيما أعرب دبلوماسيو الخارجية البريطانية عن قلقهم إزاء محاولات الأرجنتين لضمان تأييد دول الجوار كي تفرض ‘حصارا اقتصاديا’ على جزر فوكلاند، إلا إنهم اوضحوا انهم حريصون على تجنب الخطاب التصعيدي. ويقولون إن ‘التحركات الدبلوماسية’ لتحسين العلاقات مع عدد من الدول المهمة في أمريكا اللاتينية بدأت تؤتي ثمارها، مشيرين إلى أن الدعم الشفهي الذي يلقاه التهديد الأرجنتيني بشأن جزر فوكلاند، لن يتحول إلى تحرك حقيقي لان ذلك ينطوي على تهديد لمصالح تلك الدول الاقتصادية والتجارية. لكن بينما تبدي بريطانيا استعدادا لإجراء محادثات مع الأرجنتين حول قضايا أساسية مثل المصايد السمكية وطرق الربط البحرية والجوية واستكشاف الهيدروكربون بالإضافة إلى إدارة الجزر، فإنها ‘لن تتهاون أبدا إزاء مسألة دفاعها عن حقوق أبناء الجزر في تقرير مصيرهم ‘. (د ب ا)