الإخوان والعسكر.. التاريخ حين لا يعيد نفسه

حجم الخط
0

شحاتة عوض كانت الأزمة الأخيرة بين العسكر والإخوان المسلمين في مصر مناسبة لكلا الطرفين لإختبار القوة وإستعراض العضلات بعد شهور من التناغم التعايش، وهو ما عكسته حرب البيانات والتراشق الكلامي الخشن والذي حمل إتهامات وتهديدات متبادلة وغير مسبوقة. فالإخوان إتهموا المجلس العسكري ضمنا وصراحة بالتخطيط لتزوير الأنتخابات الرئاسية المقبلة عبر إبتزاز البرلمان بسيف الحل وعدم الدستورية ولوحوا بالنزول مجددا إلى الميادين، بينما لجأ المجلس العسكري لصفحات التاريخ ليحذر الإخوان من تكرار أخطاء الماضي. هذه الأجواء فتحت شهية التساؤلات عن حدود وآفاق المواجهة بين الطرفين الأقوى على الساحة السياسية المصرية بعد الثورة وما إذا كانت مرشحة للصدام؟ وهل مصر مقبلة على تكرار سيناريو أزمة مارس عام 1954 بين مجلس قيادة الثورة والاخوان المسلمين عقب ثورة يوليو عام 52 وهي الأزمة التي أنتهت بحل الجماعة وتطور الإمور لصراع مفتوح بين الضباط الأحرار وبين الإخوان؟

ربما لايكون للدهشة موقع حينما بصدد البحث في تبدل وتغير التحالفات السياسية التي تقوم في جوهرها على مبدأ حاكم يقول إن التحالفات ليست أبدية والعدوات ليست دائمة وأن المصالح هي الأبقى والأقوى بين مختلف أطراف اللعبة، لكن التساؤل يبدو مشروعا عن الأسباب التي دفعت الامور بين الإخوان والعسكر إلى هذه المواجهة الخشنة رغم ما شهدته العلاقة بينهما وعلى مدى عام كامل بعد الثورة من تفاهمات وتوافقات أو ما أطلق عليه البعض ‘شهر عسل’ حكم المرحلة الإنتثقالية بكل ما فيها من إرتباك وأخطاء وخطايا يعتقد الكثيرون أنها الحصاد المر لهذا التوافق الذي أعقب سقوط مبارك. وفي إعتقادي أنه لا يمكن فهم حقيقة الأزمة الحالية بين الطرفين بدون فهم حقيقة ما أعقب سقوط مبارك من تفاهمات بين العسكر والاخوان وهي تفاهمات ينكرها الطرفان وتؤكدها الشواهد والوقائع على الأرض.

هذا التفاهم اوالصفقة كما يسميها البعض، بين المجلس العسكري والإخوان لم تكن تعبيرا عن تحالف إستراتيحي بقدر ما كان توافقا إضطراريا فرضته شروط وظروف اللحظة التاريخية التي دفعت الطرفين بكل ما بينهما من تناقضات وصراعات للتوافق على قواعد إدارة المرحلة الأننقالية بطريقة تخدم مصالحهما المشتركة.. فالمجلس العسكري وجد في الإخوان القوة الاكثر تنظيما وحضورا في الشارع والتي يمكن التفاهم معها على إجراءات تحفظ بينة نظام مبارك بدون مبارك، بينما وجد الإخوان في ذلك فرصة تاريخية للحصول على الشرعية وتحقيق ما حلموا به على مدى سنوات للوصول للسلطة حتى لو كان ذلك على حساب إستكمال مسيرة الثورة.

من هنا لا يمكن فهم حقيقة الأزمة الأخيرة سوى في إطار هذا التحالف الظرفي والإضطراري بين الطرفين وسعي كل طرف لتغيير قواعده’وشروطه في اللحظة التي يراها مناسبة وفقا لقراءته لميزان القوة، وهذا ما يفسر التغير والتبدل في المواقف. فالاخوان الذين باركوا حكومة الجنزوري وقدموا لها الدعم رغم معارضة كل القوى الثورية، يطالبون الآن برحيلها فورا ويتحدثون عن حقهم في تشكيل حكومة جديدة باعتبارهم أصحاب الأغلبية في البرلمان. لكن المجلس العسكري رأى في هذا الموقف الجديد للاخوان خروجا على نص التفاهمات والسعي للهيمنة على كل مفاصل الدولة بعد أن دان البرلمان بغرفتيه للتيار الاسلامي. وزاد من غضب المجلس العسكري إعلان الاخوان بشكل مفاجئ إمكانية الدفع بشخصية أخوانية لانتخابات الرئاسة فيما بدا أنه إنقلاب آخر على تعهدات قطعها الإخوان على أنفسهم بعدم المنافسة على منصب الرئيس. ثم جاءت الأزمة التي تفجرت حول طريقة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور والتي جعلت الإخوان ومعهم السلفيون في مواجهة مع باقي مكونات المشهد السياسي، وهنا وجد المجلس العسكري الفرصة سانحة له للهجوم على الأخوان وتحقيق نقاط لصالحه مستغلا حالة الغضب لدى قطاع كبير المصريين ضد التيار الإسلامي الذي بدا منحازا في كل مواقفه لمبدأ المغالبة لا المشاركة. نحن إذن أمام صراع بين شركاء على تقاسم التركة أو الغنائم، وليس صراعا مبدئيا كما يحاول كل طرف أن يصوره. ولا يبدو الخلاف حول الحكومة أو كتابة الدستور سوى رأس جبل الجليد التفاهمات بين الطرفين.

فلم يعد مقنعا لكثيرين حديث الإخوان المسلمين عن أنهم يستهدفون حماية الثورة وأهدافها وهم الذين تخلوا عنها في منتصف الطريق بعد أن إنتصرت حسابات ومصلحة الجماعة على مصلحة الوطن، ولا المجلس العسكري الذي سعى منذ البداية لمصادرة الثورة، إستيقظ ضميره فجأة فاصبح حريصا على كتابة دستور حقيقي يحدث القطيعة مع نظام الأستبداد ويمهد الطريق لنظام سياسي جديد كليا. فجماعة الإخوان التي فضلت’مصلحتها على مصلحة مصر وإستكمال ثورتها التقت مع منطق المجلس العسكري الذي يخلط عمدا في عدائه للثورة بين إسقاط النظام وإسقاط الدولة، وعلى ضوء ذلك يبدو الحديث عن أننا بصدد إعادة إنتاج أزمة مارس عام 54 مرة أخرى، أو أن التاريخ يعيد نفسه مجددا، حديثا يفتقد للكثير من الدقة والموضوعية لاسباب كثيرة منها أن ما يجمع الإخوان والمجلس العسكري أكثر بكثير مما بينهما من تناقضات وما يحكمهما من تعايش صعب. وبغض النظر ذلك فإن الدقة تقتضي التأكيد على أن ثمة ظروفا موضوعية كثيرة تحول دون وصول الأزمة بين الإخوان والعسكر لصدام على غرار ما حدث مع جمال عبد الناصر ورفاقه. ربما يكون القاسم المشترك الوحيد في الازمتين هو شهر مارس وأن طرفي المواجهة في كليهما كانا الإخوان والجيش، عدا ذلك تبدو أوجه الإختلاف شاسعة، فلا المجلس العسكري الحالي يشبه مجلس قيادة الثورة وضباطه الأحرار بما كان لديهم من مشروع سياسي ونهضوي وما حققوه من شعبية في الشارع المصري نتيجة إنحيازهم لفقراء الوطن عبر قوانين الإصلاح الزراعي وغيرها، ولا إخوان عام 54 هم أخوان 2012 بعدما حققوه من رصيد شعبي وسياسي على مدى عقود طويلة في معترك السياسة وما باتوا يمتلكونه من قدرة على المناورة.

هذه الحقائق يدركها الطرفان جيدا، فالمجلس العسكري وإن كان يمتلك القوة العسكرية الغاشمة وتأييد بعض القوى المعادية للتيار الديني لكنه لا يملك قاعدة شعبية يمكنه الإعتماد عليها للانقلاب على العملية السياسية برمتها لاسيما بعد أن كسب المجلس عداء مختلف القوى السياسية ولا سيما الثورية منها بسبب خطاياه في حق الثورة والاصرار على انتاج نظام مبارك وفي المقابل فإن الإخوان المسلمين وإن كانوا خسروا جانبا مهما من شعبيتهم في الشارع المصري سواء بسبب علاقتهم المتوترة مع كثير من القوى السياسية والثورية’نتيجة حساباتهم السياسية الخاطئة ولغة الاستعلاء والغرور التي سيطرت عليهم، أوبسبب الإداء المتواضع لهم تحت قبة البرلمان فإنهم مازالوا قادرين على تحريك الشارع او جانب كبير منه وتعبئته وحشده في مواجهة أي معركة قادمة. نحن إذن أمام ما يمكن أن نسميه توازن رعب أو ردع بين الطرفين. وعلى ضوء ذلك يبدو سيناريو أزمة مارس 54 غير قابل للتكرار. ولعل خير دليل على ذلك هو ما إنتهت اليه معالجات المجلس العسكري والقوى السياسية للأزمة الخاصة بكتابة الدستور والتي لجأت لحلول توفيقية وربما ترقيعية من وجهة نظر البعض، لكنها أظهرت بوضوح أنه لا الإخوان ولا العسكر راغبان في التصعيد أو دفع الإمور لحد الصدام، وأن كل طرف يدرك حجم وقوة الآخر كما أن كليهما يدركان أن أي صدام سيدفع الوطن برمته ثمنه فادحا. ومن هنا لايبدو أن المواجهة ستتجاوز صخب البيانات أو ضجيج الكلمات.

وما بين الإخوان والعسكر يبدو الشارع السياسي المصري مرتبكا ومشوشا.. فالقوى السياسية المدنية والثورية القلقة من هيمنة التيار الاسلامي على مفاصل الدولة ونزعة الاستئثار التي باتت تغلب على سلوك ومواقف قياداته ومسؤوليه، لا تبدو في المقابل قادرة على منح ثقتها للمجلس العسكري بإعتباره المدافع عن قيم الحرية والديمقراطية والمدنية وغيرها من المبادىء التي دعت اليها الثورة. هذه القوى لا تبدو للأسف قادرة على تجاوز مرحلة القلق والترقب لمرحلة الفعل والمبادرة، و بدلا من أن تستغل هذه الفرصة لطرح نفسها كبديل ثالث يكسر ثنائية الإخوان والعسكر ويقدم رؤية تحافظ على أهداف الثورة وعلى أحلام المصريين في مستقبل سياسي أفضل، لاتزال تلتزم موقف المتفرج إنتظارا ربما لمعرفة من المنتصر في هذه المواجهة التي يبدو مؤكدا أنه في حال نشوبها فان أحدا لن يخرج منها فائزا وسيكون الخاسر الأكبر هو الوطن الذي ستفلت منه فرصة تاريخية قد لا تتكرر مرة أخرى، لإقامة نظام سياسي صحيح يشكل قطيعة أبدية مع نظام الاستبداد والفساد الذي حطم مصر خلال العقود الثلاثة الماضية.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية