نابليون الرابع وليس العشرين !

حجم الخط
0

خيري منصور

لم يمت في سانت هيلانة، ولم يسممه احد بالزرنيخ بحيث تفتضح خصلة من شعره جريمة اغتيال بعد زمن طويل من اكتمالها، ولو سئل عن اسم جوزفين لقال انه نوع من الصابون او اسم شارع في مدينة نائية، ولم يختطف التاج من يد البابا ليقول له بأنه الاجدر بأن يكلل به رأسه، اما قيلولته فلم تكن ذات ظهيرة على ارجوحة في حديقة قصر والماء الساخن نادرا ما لامس جسده بعكس نابليون الذي ادمن غليانه حتى اوشك مرارا ان يتفجر دماغه.

انه نابليون الرابع الذي لا وجود له في الذاكرة الفرنسية او كتب التاريخ، ولد في قرية تحولت الى اطلال وترجم اسمها من العربية الى العبرية، اما صباه فقد تبدد في شيخوخة مبكرة لأمثاله ممن يولدون بلحية واسنان منخورة، يتذكر فقط تلك الطوابير امام الأواني العملاقة الملأى بحليب الاغاثة، ورائحة السمن الكثيفة التي كلما شم ما يماثلها اصابه الغثيان، ولا احد يعرف اسمه الحقيقي، لأنه يبدل الاسماء كما يبدّل القبعات الواسعة المزركشة والتي اذا اضيفت الى قمصانه الملونة الفاقعة تحول الى طاووس بشري، رأيته للمرة الاولى قبل ثلاثين عاما، وهو يخطو كالعنكبوت فوق ساقين نحيلتين في احد شوارع عمان، وبقدر ما اثار دهشتي كان يبدو مألوفا للمارة واصحاب الحوانيت خصوصا تلك التي يقف اصحابها على الابواب لندرة الزبائن.

كان يحمل مظلة في ظهيرة صيفية قائظة، وربما كان هذا هو الشيء الوحيد المنطقي الذي يفعله، رغم استغرابي لذلك فالمظلة كانت اساسا وحسب اشتقاق اسمها في اللغة من الظلّ اي انها واقية من الشمس لا المطر، لكنني ذات يوم فوجئت بأن تلك المظلة كانت من طراز عجيب، فقد كنت اتعمد الذهاب الى الشارع الذي يمر به في الظهيرة وكأنه يسير وسط حاشية او موكب من ظلاله، وكانت المظلة مليئة بالثقوب واشبه بغربال، ليس لانها مهترئة من فرط الاستخدام، بل لأنه احدث فيها تلك الثقوب المتساوية والاشبه بالرقم خمسة وقد تكرر بمتوالية ارابيسكية.

كان كما قيل لي يتسول بكبرياء وقد وضع يده الى الأعلى كي تكون يد من يعطيه هي السفلى، ويذهب الى الخياطين في قعر المدينة ويحدد لهم شكل الثياب التي يريدها، ويحضر لهم قطعا من القماش غير متجانسة، لعله كان يشتريها مما يسمى فضلات القماش، وبعد ان ضاق به الخياطون وكفوا عن تلبية رغباته تولى هو الامر بنفسه، لهذا كان يبدو اشبه بالوطواط الملون احيانا لأنه يوصل قطع القماش بدبابيس او يلصقها بشكل بدائي. اما اقامته فقد كانت لفترة قصيرة في غرفة على سطح مبنى قديم، وهي اشبه بزنزانة، وحين هدم المبنى لم يبق امام نابليون الرابع الا ان يوزع نفسه بين الشوارع كلها بالتساوي، وثمة من شاهدوه وهو يحمل حقيبة، يتوسدها صيفا على الرصيف او في مدخل عمارة او كراج للسيارات، وفي الشتاء يحول الكرنفال الطاووسي من ملابسه الغريبة الى فراش.

في البداية كان نابليون الرابع طريفا بالنسبة لمن يشاهدونه فيستوقفهم ما يرتديه من قبعات وثياب ملونة، لكنه بعد ذلك اصبح مشهدا يوميا ومألوفا شأن كل معالم المدينة، فلا يستوقف غير الغرباء او السوّاح او الفضوليين الذين يبحثون عما وراء هذا الوطواط البشري.

وثمة من هؤلاء الفضوليين من تخيل انه رجل مفعم بالاسرار، فقد يكون جاسوسا اومبعوثا من مكان ما لأداء مهمة سرية، واراد بهذا المظهر الكوميدي تضليل الاخرين كي لا يشكّوا فيه، خصوصا في تلك الاونة الحرجة التي اعقبت حرب حزيران وهو القادم من هناك ولا عمل له سوى المشية الاستعراضية وسط حاشية من ظلاله، ففي اعقاب الحروب تزدهر الخرافات، لهذا لم يكن نابليون الرابع الخرافة الوحيدة في ذلك الوقت، فقد نشرت صحف ووسائل اعلام ان هناك شهود عيان رأوا كائنات تحلق فوق رؤوسهم، وثمة الكثير من هذه المشاهد وردت في كتاب صادق جلال العظم النقد الذاتي بعد الهزيمة وهو من اوائل من علّقوا الاجراس وافتضحوا الاسباب الحقيقية للهزيمة بعيدا عن تضليل الاعلام ومحاولة التخفيف من هزيمة كبرى وشاملة بحيث يصبح اسمها مجرد نكسة، او انها كما تختزلها اغنية لفريد الاطرش ان للباطل جولة، لكن تلك الجولة استطالت وها هي تجاوزت الاربعين عاما من عمرها وكأن الامة التي منيت بها تعيش لأربعة عقود اليوم السابع في حرب الايام الستة!* * * * * * * *شاءت المصادفة مرة اخرى ان اشاهد طاووسا بشريا في بيروت، لم يكن يستخدم القبعات الملونة بل يضع الريش بشكل مباشر على رأسه، ورأيته للمرة الاولى مع الصديق الشاعر الياس لحود بالقرب من العمارة التي كان بها مركز الانماء القومي الذي عملنا فيه معا، انه توأم نابليون الرابع في كل شيء، وان كان يمتاز عنه بالريش لهذا سمي ‘ابو الريش’، وفوجئنا جميعا بعد اجتياح بيروت عام 1982 ان ابو الريش لم يكن مجنونا تقمّص امبراطورا، وانه كشف عن هويته، لكن ما سمعته لم اتأكد منه وتلك حكاية اخرى، واعود الى نابليون الرابع، الذي سئم من صورته التي اصبحت تقليدية ومألوفة فقرر ان يحلق شعر رأسه ويرتدي ثيابا بسيطة ويحدّث نفسه عبر مونولوج طويل وهو يمشي في الشوارع، وكان يستخدم اسماء تحتشد على لسانه بلا اي سياق، نابليون، هتلر، تشرتشل، ستالين.. لكنه يتحدث وكأنه على صلة يومية ومباشرة بهؤلاء الذين يعيد انتاجهم على هواه، فقد يكون نابليون اسم شرطي يزعجه احيانا وقد يكون ستالين سائق تاكسي يعطف عليه احيانا، اما هتلر فله حكاية اخرى، لأن نابليون الرابع كان يعرف عنه شيئا واحدا فقط هو حركة يده عندما يوجه التحية الى النازيين!!! غبت فترة طويلة عن المدينة ونسيت فيها نابليون الرابع ذا المظلة الغربال، لأنني صادفت نابليونات وستالينات لا عدد لهم في السياسة والثقافة وحتى في الحياة الاجتماعية اليومية، ولكل من هؤلاء اوهامه التي يتعهدها بالتربية كاللحية والتغذية ايضا بسماد خداع الذات، ولم يكن الفارق نوعيا بين هذه السلالات النابليونية وبين نابليون الرابع، كل ما في الامر ان هؤلاء حرصوا على ان يشبهوا الناس في لباسهم وادائهم واساليب عيشهم كي لا يلفتوا اليهم الانظار، لكن نابليون الشاعر له تاجه السري الذي يرتديه امام المرايا وله جوزيفينه ايضا، لكن تلك التي يبتكرها من مكبوته المزمن، وبالتأكيد له سانت هيلانة تنتظره لكن على يابسة لا ماء فيها ولا مؤرخون ينتظرون الخاتمة.

ونابليون الروائي والرسام والناقد ايضا لهم عوالم لا يشاهدها الناس لأن ما يفعله نابليون الرابع امامهم وعلنا يفعلونه هم سرا ووراء وجوه وابواب مغلقة.* * * * * * *ما كنت لأكتب عن نابليون الرابع لولا حدث تراجيكوميدي تحول الى جملة معترضة في كتاب ايامنا الرّتيبة، فقد قيل قبل ايام ان نابليون الرابع مات، ووجدوه جثة هامدة على رصيف قرب حاوية للقمامة، ولأنني متأكد بأن نابليون الرابع مات منذ زمن وبعيدا عن سانت هيلانة، فقد ايقنت ان هناك نابليونا خامسا تقمّصه، وهذا ما حدث بالفعل، لكن هذا الخامس من طراز آخر، فهو عاقل يحتال على البطالة بقناع نابليوني لكنه لم يشغل الناس ولو لبعض الوقت لأنه ظل للظل وصدى للصدى، ولو كان ذكيا لاختار قبعة اخرى وتاجا آخر، كأن يكون لويس العشرين رغم ان اسرة بوربون كما سخر منها الشاعر جاك بريفير كانت ضعيفة في علم الحساب، لأنها انصرفت الى شيء آخر فضاع عليها الفارق بين الخبز الحاف والبسكويت المحشو بالحليب، لهذا فهي لم تستطع العدّ حتى العشرين وانتهت عند لويس التاسع عشر.

كلاهما نابليون الرابع الذي عاش خارج التاريخ ولويس العشرون يحملان اسماء اخرى، وقد تعج بأمثالهم ازقة ومقاه وأرصفة، لكنهم الآن من المهارة بحيث لا يتورطون بريش الطاووس والمظلات المثقبة كالغرابيل!!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية