الاستعمال الساخر للمحرقة

حجم الخط
0

شاؤول اريئيليان من يريد ان يتعلم من الحرب العالمية الثانية عن التعقيد السياسي والاجتماعي والاخلاقي لكل حرب فستكون مهمته صعبة. ففي تلك الحرب أكثر من كل حرب اخرى في التاريخ جرى تصنيف الجانب الشرير والجانب الخيِّر بصورة حادة واضحة. وحتى لو وُجد من يؤسسون تفسير هذه الظاهرة على الحقيقة المعروفة وهي ان المنتصرين هم الذين يكتبون التاريخ فلن يستطيعوا الغاء زعم ان محرقة يهود اوروبا التي يتحمل مسؤوليتها النازيون ومساعدوهم كانت هي التي أرسخت في الوعي العالمي طرفا بأنه ‘أسود’ وطرفا آخر بأنه ‘أبيض’. ان هذا التوحيد المفهومي العاطفي خاصة ولّد الاستعمال الساخر الذي لا تناسب فيه لذكرى المحرقة والمفاهيم المتعلقة بها والتي أفضت الى ابتذالها والمس بضحاياها ودروسها التاريخية. وبرغم ذلك لم يحجم قادة عن عرض محمود احمدي نجاد وياسر عرفات على أنهما هتلر، والتسوية بين اتفاقات اوسلو و’اتفاق ميونيخ’، وبين خطبة بوش و’خطبة تشيكوسلوفاكيا’، وبين خطبة اوباما و’خطبة تشامبرلن’. وفي خضم عالم المفاهيم هذا أصبح من السهل ان تُعرض صورة اسحق رابين بملابس الـ اس.

اس في مظاهرة مضادة لاتفاقات اوسلو.

ان التوجه الذي يجند المحرقة لكل حاجة يُنكر تراتبية الشر. وهو لا يُفرق بين اوشفيتس وتولوز وسدروت وبوشهر. لأنك اذا قلت ‘هتلر’ و’محرقة’ فقد حددت في الآن نفسه من هو الجانب المنتصر الذي يتمتع بالحق في العدل المطلق. وقد تعلم أعداء اسرائيل الدخول من الباب الذي فتحه هذا التوجه لمقارنة كل شيء بالنازيين. وهكذا حصلنا على سبيل المثال على رسم جداري لـ ‘غيتو وارسو’ وجنود الجيش الاسرائيلي الذين زُينت ملابسهم بالصليب المعقوف على جدار الفصل.

حتى لو أردنا ان نصون حلقات حريدية ومنظمات متطرفة من انتقاد تمسكهم بهذا التوجه، فلن نستطيع الامتناع عن ذلك بشأن الجهات التي تصوغ سياسة اسرائيل. فلن نستطيع ان نتجاهل تحويل المحرقة الى حجر الزاوية للسياسة الاسرائيلية. اذا عارضت الولايات المتحدة البناء في شرقي القدس فان وزير الخارجية افيغدور ليبرمان يرسل الى قادتها صورة للمفتي الحاج أمين الحسيني مع هتلر. واذا عارضت الهجوم على ايران فان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يستل رسائل اوشفيتس. وبحسب توجه ليبرمان ونتنياهو لم تعد توجد حاجة الى سياسة حذرة محكمة تراوح بين الألوان الرمادية للواقع الدولي وتفرق بين الأعداء والاصدقاء وبين المواجهات العسكرية والاختلاف في الآراء.

يُسهل هذا التوجه على نتنياهو وليبرمان ان يعرضا على ناخبيهما الوهْم وكأنهما يفهمان التعقيد الكبير للصراع الاسرائيلي الفلسطيني. ويسهل بواسطته الغاء التفريق بين حماس وفتح، وعرب اسرائيل والجهاد الاسلامي. فهو يرى ان الجميع في جانب الشر. وهو يلغي ايضا شتى التصورات السياسية الموجودة في المجتمع الفلسطيني فيما يتعلق باسرائيل وعلاقاتها مع الفلسطينيين. وهكذا يبطل ايضا احتمال ان يوجد في المجتمع الفلسطيني مُحادث يمكن التوصل معه الى اتفاق دائم.

ويفترض هذا التوجه انه لا يوجد في السياسة الاسرائيلية اليوم ايضا كما كانت الحال الى 1988 حينما قبلت م.

ت.

ف القرار 242 لمجلس الامن واعترفت باسرائيل أي تأثير في مواقف الفلسطينيين. ‘فالبحر هو البحر نفسه والعرب هم العرب أنفسهم’، ولهذا لا يوجد أي داع لسياسة واضحة هي سياسة العصا والجزرة. وهكذا يصبح هذا التوجه نبوءة تحقق نفسها لأنها تعمل لمصلحة اولئك الذين يريدون في الطرف الفلسطيني القضاء على اسرائيل وتدفع الى صفوفهم ايضا اولئك الذين وافقوا على وجودها وتُفرح رافضي المصالحة بين الاسرائيليين. هآرتس 2/4/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية