عبد الحكيم أجهر هل صحيح أن الثورة السورية لن تنتصر إلا بتدخل خارجي؟ وهل من الذكاء أن يبقى السوريون ينتظرون القوات الأجنبية لتساعدهم على التخلص من النظام؟ إن السؤال هنا ليس فيما إذا كنا نريد التدحل العسكري أم لا، ولكن السؤال يتصل بما يجب أن يفعله السوريون بإمكاناتهم الذاتية في ظل هذا الغياب الواضح للإرادة الدولية وعدم الرغبة حتى الآن على الأقل في التدخل بالأزمة السورية. من المؤكد أن السلطة السورية تعتمد في تكوينها على مركب أمني، عسكري، ومن المؤكد أن هذه التركيبة قد ساعدت النظام على التماسك حتى الآن، وأن هذه السلطة لا تتـــرد في ممارسة كل ماهو غير إنساني ولا مؤسساتي في سبيل الحفاظ على ملكية سورية للأبد، وأنها استطاعت أن توظف القوات الكبيرة من الجيش والأمن الموالين لها لصالحها من أجل تحقيق هذا الهدف. ولكن الثورة السورية في المقابل حققت تقدماً كبيراً جداً خلال العام الفائت، فقد باتت تشبه النحّات الذي يقوم بنحت نصب تذكاري معقد من صخور صلبة جداً، فملامح المنحوتة تظهر ببطء ولكن ما يتم نحته ورسم معالمه يبقى ثابتاً يصعب إزالته، ومع مرور الأيام فإن تكوينات هذا النصب تكتمل تدريجياً، والتشويه الذي يحاول النظام في سورية رشقه عليه لن تخفي الملامح الحقيقية له. تدخل الثورة السورية عامها الثاني دون ملل أو نية في التراجع، وهذا الدخول قد راكم معه تجربة طويلة امتدت عاماً من الزمن وأضافت للثورة عناصر جديدة، كما أنها تركت في قدور النظام شيئاً ما ليختمر ويأتي بنتائجه يوماً ما. مع بداية العام الثاني ورغم التردد الدولي بشأن الوضع في سورية، والانتظار العربي للحلول الدولية التي ربما لن تأتي في وقت قريب، الثورة السورية تدخل منعطفاً جديداً بجهودها الذاتية. مع دخول العام الثاني يصبح على الثورة أن تفكر جدياً في الاعتماد على إمكانياتها فقط. إن ما فعله العالم حتى الآن هو شيء جيد، حصار اقتصادي يخنق النظام، بعثات دولية للحد من عنفه، جهود أممية لوقف إطلاق النار، الكشف الإعلامي العالمي لما يفعله هذا النظام، تقارير منظمات حقوق الإنسان، ولجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة وإعداد ملفات لمحاكمة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية من أزلام النظام السوري….. ، كل ذلك يمثل جهوداً إيجابية رغم عدم اكتمالها، ولكن الأمر له وجه آخر عندما نأتي للداخل السوري حيث نلحظ أن الحل الأمني يثبت فشله وربما هزيمته، فمنطقة إدلب مثلاً مستعصية على الاجتياح وعلى الأغلب مستحيلة، وكذلك منطقة الرستن في حمص، ومناطق كثيرة في درعا، هذه المناطق تتواجد فيها أعداد كبير من مقاتلي الجيش الحر، ومفتوحة على حدود مجاورة. إدلب محاذية لمنطقة واسعة من شمال حلب المحاذيتين معا للحدود التركية، الأمر الذي يسمح بوصول المساعدات الغذائية والعسكرية، ودرعا يستند ظهرها على الأردن، أي أنها مناطق تختلف عن حمص التي كان من الممكن محاصرة بعض أحيائها بسبب وجودها في الداخل. ولكن حتى الأحياء أو المناطق الريفية التي قال إعلام النظام إنه اجتاحها وسيطر عليها مازالت خارج السيطرة التامة لجيش النظام، إذ لا يستطيع الجيش البقاء فيها ليلاً على الأقل، لذلك نسمع عن مناطق تم اجتياحها عشرات المرات حيث يعود الجيش النظامي ليجتاحها مرة كل بضعة أيام، مثل، الزبداني، ودوما، ومعظم ريف دمشق، وكثير من مناطق حمص وريف حلب وحماة ودير الزور، وحتى بابا عمرو مازال جيش السلطة يقصفه حتى الآن، أي أن السيطرة التامة لجيش النظام لن تحصل أبداً. ومن جانب آخر فإن الحراك السلمي لم يتوقف رغم الصدامات العسكرية والحملات الأمنية، بل على العكس نشهد توسعاً في هذا الحراك، وبشكل غير مسبوق أحياناً، مثل اتساع التظاهرات في حلب، ودخول الرقة على خط التظاهر السلمي، واتساعها في دمشق مع أنشطة شجاعة جداً، مثل قطع الطرقات وحرق الإطارات داخل المدينة، وتمددها في السويداء والسلمية، وبطبيعة الحال المناطق الكردية. إن النظام السوري الذي اعتاد الحل الأمني لا يملك سوى ممارسة المزيد من العنف الذي أصبح يبدو له غير مجد، بل وخطير على مستقبل السلطة نفسها. وربما نستطيع تفسير السيارات المفخخة في الأيام الماضية في دمشق وحلب على أنها تعبير عن هذا العجز وعن شعور النظام بضرورة ممارسة لعبة عنيفة أخرى غير الحملات العسكرية التي تثبت عدم جدواها. والجدير بالانتباه أيضاً أن الأيام التي سبقت عيد الثورة الأول والأيام التي تلت هذه المناسبة، تزايدت الانشقاقات في الجيش والأمن معاً، وقد ضمت هذه الانشقاقات رتباً عسكرية رفيعة أو رؤساء فروع أمن مثل رئيس فرع الأمن السياسي في الرقة. وفي صباح 19 آذار 2012 حصلت اشتباكات عنيفة جداً في وسط حي دمشقي قريب من القصر الجمهوري هو المزة، وهو الحي الذي شهد واحدة من أضخم التظاهرات في الثورة السورية، اشتباكات وقعت في حي يسكنه عدد كبير من أبناء الطائفة العلوية والمسؤولين الأمنيين، وقيل أن هناك انشقاقاً أمنياً حصل، وتم ذُكر عدد كبير من القتلى من عناصر أمن آخرين، الأمر الذي يرجح أن يكون هذا الاشتباك قد وقع بين فروع أمنية متصارعة. هذا الاشتباك، إما أنه يعكس صراعاً بين رؤساء هذه الأجهزة أو انشقاقاً داخل هذه الأجهزة. وفي الحالتين فإن أحداث المزة تمثل تطوراً خطيراً ينهي شهور العسل في العاصمة ويجعلها في قلب الأحداث، الأمر الذي سيثير خوف القاطنين الجدد في دمشق الموالين للنظام وربما يدفعهم إلى مغادرتها، كما سيثير خوف أركان السلطة كلهم أنفسهم. كما أن دخول روسيا على خط انتقادات النظام السوري بسبب عدم تحملها المسؤولية الأخلاقية لعنف النظام واضطرار وزير خارجيتها للقول إن لا يأخذ جانب النظام السوري وإن الكثير من قرارات السلطة الأمنية لم تكن صحيحة، يكبل النظام ويكبحه عن ممارسة المزيد من العنف على الأقل الآن في ظل مطالبات دولية عاجلة بوقف العمليات العسكرية. إن نظاماً مثل النظام السوري الذي لم يعرف طوال عقود من الزمن وخلال سنة الثورة سوى مواجهة الشعب إلا بمزيد من التصعيد العسكري سيجد نفسه أمام مأزق ينعكس في عجزه عن حسم الأمور على الأرض وفي عدم قدرته على التصعيد أكثر في ممارسة ما تعود عليه من الحلول الأمنية. وربما يفسر هذا قبول النظام بمحاورة الجيش الحر الذي يمثل بشكل غير مباشر اعترافاً به، وهذا تطور خطير جداً على بنية النظام، فهذا الاعتراف بالجيش الحر، لا يعطيه مصداقية فقط بأنه جيش وليس مجرد ‘عصابات’ بل سيشجع المزيد من عناصر الجيش النظامي وضباطه على الانشقاق والانضمام إليه بوصفه قوة عسكرية مشروعة صار يُحسب حسابها، حتى لو كان النظام يكذب في حقيقة هذا الحوار. إن أزمة النظام في مطالبة دول العالم بما فيهم روسيا والصين على وقف العنف ودعم جهود كوفي أنان، وعجزه عن حسم الأمور على الأرض في إخماد الثورة، وحتى في انضمام أحد حلفائه المهمين جداً كحزب الله في دعوة النظام لوقف إطلاق النار بالتزامن مع وقف المعارضة لها، كل ذلك سيؤدي إلى مزيد من التفكك داخل السلطة، وربما انهيار مفاجىء على الأقل لبعض أجهزتها. إن التغير الطفيف في الموقف الروسي وتوجيه النقد إلى القرارات الأمنية المتخذة من النظام السوري يأتي مصحوباً مع ظهور الصورة الحقيقية لحياة بشار الأسد حسب ما كشف بريده الالكتروني الخاص، من إنشغاله هو وزوجته في أمور تسليتهم الخاصة أثناء أشد اللحظات حرجاً في تاريخ سورية، وتكوينه حلقة سلطوية أخرى يأخذ بآرائها ويطبقها من وراء ظهر كل الدوائر الموالية له، قد يؤدي كل ذلك إلى إضعاف موقف النظام وشخصياته، خصوصاً أن العقل السوري لا يتعامل مع سلوك من هذا النوع على أنه شأن شخصي، بل على أنه سلوك معيب أو لا مسؤول على أقل تقدير. أعتقد أنه رغم الوضع الدولي المريح نسبياً الذي يوفره العالم للنظام فإن الداخل السوري يفرض وقائع على الأرض ستجعل من الصعب على هذا النظام أن يستمر في تماسكه لفترة طويلة، ويطرح أمام الثورة احتمال انتصارها بجهودها، خصوصاً أن الأمم المتحدة قد وضعت فعلاً أسماء المتورطين بجرائم ضد الإنسانية وهددت بتحويلها للمحاكم الدولية. الأمر الذي يجعلنا نتساءل إلى متى يستطيع النظام السوري الاستمرار في تماسكه وفي إجماعه على ممارسة العنف الأمني والحملات العسكرية؟ إن مايبدو ضرورة ملحة اليوم لا تقبل التأجيل هي اتفاق الحراك الثوري بشقيه المدني والعسكري على قيادة داخلية موحدة يتم اختيارها من تنسيقيات المدن والقرى السورية والجيش الحر. هذه القيادة الموحدة لو توفرت لصار العالم مضطراً للاعتراف بها ومفاوضتها في كثير من الأمور واعتبارها البديل الممكن للنظام، ولتمكنت هذه القيادة من توحيد عملياتها في كل سورية، ووضع استراتيجية محددة لإسقاط النظام، واعتبار المعارضة الخارجية مجرد ممثل دبلوماسي يسترشد بالقيادة الداخلية فحسب. إن تركيز الثورة على اختيار هذه القيادة يحظى بأهمية أكبر بكثير من التركيز على التحركات الدولية البطيئة، ويساعد هذا على لملمة شتات التحركات الثورية المدنية والعسكرية ووضعها في مسرب مُخطط له، يرفع من مستوى الفاعلية الثورية.
ومن شأن الثورة السورية في حال توافر القيادة الموحدة أن تعيد ترتيب شعاراتها لتصبح وطنية شاملة تفرغ دعاوى النظام في قسمة المجتمع السوري إلى أقليات وأكثرية من مضمونها. كذلك يأتي في هذا السياق ضرورة تفعيل وسائل إعلام الثورة ودعم كل الجهود المدنية الدولية من حملات إغاثة وصليب أحمر وبعثات مراقبة دون عوائق.
لم يعد هناك الكثير من الخيارات، ولم يعد الانتظار للتدخل الدولي مجدياً، السوريون قادرون على متابعة ثورتهم والنجاح فيها، وقد أثبت العام الماضي هذه القدرة، ذلك أن الخيار اليوم ليس أمام التدخل الخارجي أم عدمه، ولكن أمام استمرار الثورة حتى بلوغ أهدافها في بناء دولة ديمقراطية حديثة أم التراجع عنها، والجواب معروف جيدا. ‘ أستاذ جامعي وباحث سوري