من بطولات فنانين خليجيين إلى تخاريف صحفي’اسرائيلي: هل باتت ماساة اللاجئين السوريين وصفة للشهرة؟

حجم الخط
0

عادل العوفي بعد مرور عام كامل على الثورة السورية العظيمة وفي خضم كل هذه التطورات المتسارعة والمتلاحقة والتي لا تترك مجالا لفرز الغث من السمين و أمام سعي الجميع لتسطير بطولات وهمية على حساب الأحرار الحقيقيين الساعين للانعتاق من سطوة نظام قمعي يقتات من خطاباته الرنانة وشعاراته المتهالكة (والتي لا اخفي أنني في فترة من الفترات كنت اكبر ضحاياها). لست بصدد وضع تقييم لما يجري وتحديد المسؤوليات ومعاقبة الجناة (وما أكثرهم في هذا الملف تحديدا) ولا املك عصا سحرية لفض النزاعات وإطلاق سراح المعتقلين في سجون النظام ولكنني وبعيدا عن حسابات السياسة ونزواتها والتي لا هم لها سوى المتاجرة بدماء الأبرياء من أبناء هذا الشعب الأبي وفي وضع كهذا اختلط فيه الحابل بالنابل لم يعد بمقدور أي احد الوقوف على الحياد خاصة في طريقة تعاطي بعض الدول العربية ‘الشقيقة’ (رغم أن هذه الكلمة باتت تبعث على الضحك أكثر من أي شيء آخر) واخص بالذكر الدول الخليجية ذات التاريخ الغير مشرف البتة في أسلوب تدبير ومعالجة القضايا العربية الكبرى (طبعا لن أعود إلى التذكير بحجم التواطؤ فيما يتعلق بقضية فلسطين تحديدا) وربما يكون الأمر مفهوما (نقولها بأسى شديد) عند الحديث عن الأنظمة والتي لها مصالحها التي تخشى عليها وتسعى بشتى الطرق للحفاظ عليها وصيانتها، ولكن من المعيب والمشين حقا أن يتخذ المواطن العادي البسيط أو حتى الإنسان المثقف ربما موقفا مشابها من باب التملق للسلطة على ابعد تقدير وهي تهمة تستهدف بشكل كبير الفنان أو المثقف عموما وهنا استعرض لأحد النماذج التي ارتأت مسايرة هذا الخط ولم يجد غير معاناة أطفال سوريا سبيلا لذلك، والمفارقة الغريبة العجيبة هذا التهافت المريب نحو هؤلاء من لدن عدة أطراف تحاول اللعب على الوتر الحساس وإظهار حس الإنسانية العالي لديهم، ولعل في الصور المنتشرة بكثافة هذه الأيام على الانترنيت والتي تناقلتها العديد من وسائل الإعلام اكبر دليل وكان ابطالها الفنان السعودي فايز المالكي ومجموعة فنانين خليجين آخرين ومعها كم لا باس به من التصريحات التي لا تخلو من ‘إنسانية ومثالية’ لم نعهدها بصراحة من لدن هؤلاء الفنانين الخليجين البعيدين عن مواكبة هموم الإنسان العربي (مع بعض الاستثناءات التي تعد على رؤوس الأصابع) لأسباب مرتبطة ربما بالجو العام السائد لديهم والذي يتسم بالانغلاق وكذلك خشيتهم من مغبة واستثارة غضب ‘ولاة الأمر’ في ازدواجية غريبة تحط من قيمة هؤلاء بالمقارنة مع اقرانهم في كافة أرجاء العالم العربي، والملاحظ من خلال الصور ‘الحدث’ كما ارتأى البعض تسميتها ومواكبتها خاصة من لدن الإعلام الخليجي والذي خرج علينا في اليوم الموالي لنشرها معلومات مفادها أن الفنان السعودي (دون ذكر زملائه) أضحى في عداد المطلوبين من شبيحة النظام السوري قصد الثأر منه على ‘فعلته الشنيعة’ وللأمانة فتلك الخطوة كانت متوقعة وبذات الشكل الذي كانت عليه والمتمعن في أسلوب نشر الصور ومحاولة إظهار مدى الإقدام والشجاعة التي اتسم بها ‘المنقذ السعودي’ في مقابل إهمال المعاناة الحقيقية للاجئين والتي كان من المفترض اعتمادها كموضوع رئيسي بدل تضخيم أشياء ثانوية لا تقدم ولا تؤخر، ثم أين هذا السفير (الأمم المتحدة للنوايا الحسنة) ومنظمته مما يجري في فلسطين وأطفال غزة تحديدا؟ ولماذا لم يتحرك بمعية الفنانين الآخرين الخليجين لتقديم المعونة والدعم لإخوانه من’ البحرينيين’ (والغريب أن بين هؤلاء الفنان البحريني محمد الياسين) ممن تم التنكيل بهم من لدن ‘قوات درع الجزيرة ‘ المبجلة؟ (والتي تضم قوات من بلاده للمفارقة)، ولماذا تستخدم هذه الإنسانية كورقة للابتزاز ولإغراض سياسية بحتة؟ والدليل أن الفنان السوري دريد لحام لما كان يحمل نفس اللقب هو الأخر تلقى إنذارا وتوبيخا من المنظمة لقيامه بزيارة جنوب لبنان وبوابة فاطمة الحدودية تحديدا ورشقه للحجارة على الكيان الصهيوني مما أثار آنذاك حفيظة المسئولين اللذين سارعوا للتذكير بالشريط القديم الجديد ألا وهو معاداة السامية مما أدى لتقديم الفنان السوري للاستقالة من منصبه ذاك، ارجوا لا يفهم من كلامي أنني اصطف في خندق المطبلين للنظام الوحشي في سوريا ولكن الملفت والمثير للسخرية هذا التصنيف الغير مبرر للضحايا (وما أكثرهم في عالمنا العربي) وهذه ‘الالتفاتة’ الغير متوقعة والمعهودة بالمرة والتي تنتقي وتنبذ من تشاء، وتجدر الإشارة إلى أن الوفد ضم بالإضافة إلى الفنانين المذكورين الإعلامي بركات الوقيان والناشطة الحقوقية ابتهال الخطيب وآخرين ضمن حملة تدعى ‘ليان’ (ليان بالمناسبة هو اسم طفلة سورية) هدفها تقديم المساعدات للاجئين السوريين، من المحزن حقا أن يتحول هؤلاء اللاجئون وهم ضحايا نظام استبدادي يأتي على البشر والحجر أمامه إلى أداة لكل ساعي وراء الشهرة وتتم المتاجرة بمعاناتهم بهذه الصورة المخزية.

تخاريف صحفي اسرائيلي لتكتمل الصورة أكثر ومعها قتامة المشهد يخرج علينا ‘فاتح’ آخر ليعنون تقريره ‘المهزلة’ تحت مسمى يهدف إلى تعريفنا بكم العاطفة والحب التي يقابلنا بها الصهاينة الغزاة ومدى حرصهم على أرواحنا وتأثرهم الشديد بمصائبنا (وهم اصل البلاء وراس الأفعى).’سيأتي يوم تسالون فيه أنفسكم كيف لم تفعلوا شيئا حيال المجزرة’ هكذا يصف الصحفي الصهيوني ‘ايتاي انغل’ وضع اللاجئين السوريين في الحدود الأردنية في تقرير بثته القناة الصهيونية الثانية مما أثار حفيظة الكثيرين وجعل من تلك ‘الهرطقات’ مادة للتراشق بين المعارضين والموالاة في سوريا، وهنا لم أتعمد العودة لاجترار ذات الكلام وذكر التهم المتبادلة بين الطرفين، لكن الشيء الذي أود إيصاله كيفية استغلال براءة أطفال مخيمات اللاجئين لغايات سياسية دنيئة كل لخدمة أهدافه وهو الأمر الأكثر خطورة ودليل على الانحطاط الذي بلغناه والمتمثل في ظاهرة اللعب بالصور والفيديوهات كل حسب مصلحته الذاتية وهذه نقطة اعتبرها من وجهة نظري المتواضعة الأهم في كل هذه الضجة التي رافقت تقرير القناة الصهيونية وفاتت الكثيرين ممن اختاروا الانحياز كل للجهة التي ينتمي إليها والتفنن في إلقاء التهم على الآخرين حول ‘احتضانهم’ لذلك الصحفي دون الرجوع إلى تغليب لغة العقل التي تقول بان الهدف الأساسي من وراء كل ذلك يكمن في زرع الفتنة وشق الصف (الوطنية الصادقة ليست موضع مزايدة لدى أي سوري مهما اختلفت الانتماءات والميول وبالأخص لدى شباب الثورة وهذا مما لاشك فيه البتة) إذ لا يعقل أن تتحول الساحة الإعلامية إلى ميدان مستباح بهذه الطريقة المهينة والبعيدة كل البعد عن مواثيق الشرف الصحفي والضوابط التي من المفترض الاحتكام إليها وهنا اذكر كمثال امتناع قناة الجزيرة على بث فيديو الجريمة التي أقدم عليها الفرنسي من اصل جزائري محمد مراح مؤخرا في تولوز الفرنسية بدعوى مخالفته لتلك المواثيق وحبذا لو تتعامل وسائل الإعلام بالمثل مع القضايا العربية أيضا، وهنا أتساءل هل صارت دمائنا رخيصة إلى هذا الحد؟ وكيف يتحول أطفالنا إلى دمى يتم تحريكها في كافة الاتجاهات لإرضاء المتربصين؟ صابرين طه المقدسية الثائرة وكما جرت العادة عندي أن اختتم هذه الزاوية بشان فلسطيني كنوع من أنواع الوفاء لهذه القضية ‘المركزية’ أو ربما من باب التذكير كي لا ننسى بأن عمرها (أي القضية) تجاوز الستين عاما، رغم يقيني أننا فعلا صرنا بحاجة ماسة لترجمة المقولة الشهيرة للكاتب الكبير غسان كنفاني على ارض الواقع والتي تقول:’إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية فالأجدر بنا أن نغير المدافعين، لا أن نغير القضية’.. تكفي الإشارة إلى وضع القضية للتأكد مليا بأننا حقا متعطشين للتغيير الفعلي والذي يقود إلى نتائج ملموسة وهذا لن يحدث إلا بهبة وانتفاضة الشباب العربي من المحيط إلى الخليج لقلب كل المعطيات على الأرض ورسم ملامح ربيع فلسطيني ننشده جميعا.

وطالما تحدثنا عن الشباب فلا اقل من سرد الذهول والدهشة اللذان رسمتهما فتاة فلسطينية على ملامح الحاضرين بمؤتمر فكر الذي عقد بدبي قبل فترة، بكلمات بسيطة ومعبرة استطاعت صابرين طه الفتاة المقدسية دحض كل تهم التطبيع والانسلاخ عن الهوية العربية الفلسطينية التي عادة ما تطارد سكان مدن 48 وأسهبت في وصف دقيق لمعاناتهم مع الحواجز ووضعت الإصبع على الجرح النازف بغزارة (جرح الأقصى الذي لم تستطع مئات المؤتمرات والمبادرات الخادعة ملامسته)، بأسلوب فريد هو عبارة عن مزيج بين تراجيديا حالكة السواد تتخللها لحظات لا تخلو من طرافة (أو ذلك ما اعتقدناه) لتصل إلى جملة ختامية مفادها ‘أنا عربية ومافي اطار بالعالم بيوسعني ‘… هنا أحسست بحجم الذل والمهانة وأكاد اجزم أنني قرأت في وجوه الحاضرين نفس الشعور (إلا البعض ممن لا يجيدون التقاط الإشارات أو بالأحرى لا يعنيهم ذلك في شيء) طبعا بعد كل ذلك العرض الغارق في تفاصيل الحياة اليومية لتلك الفتاة الفلسطينية الثائرة التي تقدم لنا نموذجا أخر للشجاعة والبطولة يمكننا استنتاج الرسالة غير المشفرة و الواضحة المعالم والمتمثلة بإعلانها واعتزازها بكونها فتاة عربية وهنا اسمح لنفسي بطرح السؤال الذي عادة ما اعتدنا الهروب منه، ماذا قدم العرب لهؤلاء كي يفتخروا بهذا الانتماء؟

في انتظار الإجابة لصابرين وغيرها من شباب فلسطين أقول: نحن من يتشرف ويعتز بكم وببطولتكم وبسالتكم بل وبدروس الصمود والإرادة التي تصدرونها للعالم اجمع..’ كاتب من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية