زياد عبد القادررسالة أولى إلى وديع سعادة: ‘الألم الحقيقيّ لا يأتي دفعة واحدة، إنّما على شكل ليراتٍ معدنيّةٍ قديمةٍ تسقط من دون ضجّة تذكرُ في صحن شحّاذٍ أعمى. هذا كتابٌ سيراكمُ ليراتك القليلة. ليراتك التي أنفقتـَها دون جدوى هنا أو هناكَ’. أرعبتني العبارة التي سقطت من فم المكتبيّ التوزريّ كما تسقط وردة غامضة فوق نهر لم يعُد يجر.
المكتبيّ الغارق في عتمة الأوراق والأسفار القديمة تلقف التشبيهَ من مخيّلتي. غطّسه في حوض حكمتهِ ثم ألقى به على مسمعي باقة أستروميليا بالغة النداوة:’ أجملُ الأنهار تلك التي لم تعد تجر. ببساطة لأنها الأكثر زهدًا والأكثر توحّدًا، فلا هي تصلح للشراب أو الاغتسال أو التدرّب على صقل فكرةٍ أو شحذِ عاطفةٍ. كذلكَ الكتبُ أجملها تلك التي لا تثيرُ انتباه الكثيرين، لأنها لا تقايض عزلتها برضى ناقدٍ أو طمأنينة قارئ.
لا تعريفَ للكتب الجميلةِ سوى أنها كالأنهار التي لم تعد تجر، لا تصلح لغير الانتحار!’. تلقفتُ الكتابَ الضخم في مغلّفهِ بايماءةٍ بالغة الحنان وغادرتُ المكانَ نيابة عن خيط ضوءٍ تسلّل إلى الدّكان. قلتُ أغادر قبل أن يكشف لي الضّوء سرّ اليارداتِ الفقيرةِ المسمّاة مكتبة، سرّ تلك الرّفوفِ وما حَوته من كتبٍ وأسفار مجلّدةٍ وسرّ ذلك المكتبيّ التوزريّ.
سأكتشف لاحقا أننا أنا والمكتبيّ لم نكن أكثر من نظرتين تائهتين كان لابدّ أن تصطدما ببعضهما في حدقةٍ تـُسمّى مكتبة.
كان لا بدّ أن يحدث كلّ هذا، أن أتأبّط الكتاب بِحرص شحّاذٍ أعمى يتأبّط صحنهُ المعدنيّ. مثلما يختبر الشحاذ هشاشة العالم بعددِ الليراتِ المرميّةِ في صحنهِ سأختبر عذوبة الكتاب بقدرتهِ على اثارة شجني. فكّرتُ. خرجتُ باحثا عن أقرب مقهى. جلستُ في الصّباح الجهم، طلبتُ كأس شاي أخضر، أشعلتُ سيجارة ورُحتُ أمجّها بمتعةِ من يمجّ اللفافة الأولى.
بعدَ أوّل رشفةٍ مددتُ يدي كي أفضّ المغلّف. في تلك اللحظة تكسّر غصن وصهل حصان هرم( حينَ رفعتُ رأسي لم يكن ثمّة غصنٌ أو حصانٌ). كتابٌ ضخمٌ بغلافٍ أزرق، طُبعت عليهِ الكلماتُ التالية:
وديع سعادةالأعمال الكاملةدار النهضة العربيةعلى الغلافِ حُفرت صورةٌ جانبيّة من جهةِ اليسار لِكهلٍ بشَعر طويلٍ، خفيفٍ من الجانبين ونظّارةٍ طبّيّةٍ وما يبدُو بداية معطفٍ ثقيلٍ.
الصّورةُ ليست أكثرَ من خربشاتٍ ماهرة بقلم من رصاصٍ. ذلك ما أتاح لي أن أمرّر أصابعي بوداعةٍ على الرّسم، فألامِسَ خطّا يُفترضُ أنّه شَعر وآخر يُفترضُ أنه نظارة، ألامِسُ الجبهة والأذن، الأنفَ والشفتينَ والخطوط التي تُكوّنُ المعطفَ.’ يجدُرُ بي أن أكون هكذا أولا أكونُ!’. أسمعُ عابرا يقطعُ الشارعَ فأحسُده على قراءةِ ما يجُولُ بِخاطري.
أرفعُ يدِي عن الكتابِ وقد هاجرت خُطوطُ الغلافِ إلى راحَتِي. توزر 22 كانون الأوّل 2012رسالة ثانية إلى وديع سعادة:
صباح أزرق. في البيتِ أجلسُ. قلتُ أحتفل بالكتاب. هيّأت طاولتي: كأسٌ من نبيذٍ فاخر ( فوستينو السّابع Faustino VII )، قبضة زيتون ثقبتهُ مناقيرُ الطّير، شريحة لحم والكتابُ الأزرقُ كالنّهر.
رفعتُ كأسي في مواجهة الضّوءِ النقيّ. قلتُ أشربُ في صحّة المكتبيّ والنّهر والحجَل الذي نام على قدَمي والطائر الضرير الذي حطّ على كتفي.
هذا الكتابُ، لا شكّ، يُشيعُ من حولي هالة مِن قداسةٍ تجذبُ أكثر الكائناتِ توجّسًا وتـُشعرُها بالصّفاءِ.
الجوُّ صافٍ. أفتحُ الكتابَ كما اتّفقَ. الصفحة 213. أقرأ بشفتين مبلولتين بالنبيذِ وعينين نصف مغمضتين من الثمالة:’ أظنّها ستُمطرُ. الغيُومُ تأتي من بعيدٍ. على الأرجح من سماءِ بُلدان فيها مهاجرُون، ورُبّما ستذرفُ هنا بعضَ دُموعهم. تلبُّدُها يُشبهُ أنفاسَ المهاجرينَ، وفي تباطُئِها فوق البُيوتِ شيءٌ من أشواقِهم.
أظنّها ستـُمطِرُ!’. أقلّبُ الصّفحاتِ وأهذي. تصنعُ بي الكلماتُ ما تصنعُهُ عاصفة مطريّةٌ بكنيسةِ حطّابينَ. كلّما قلّبتُ ورقة كلّما ازدادَ ضغط الرّيح والأمطار على أخشابِها. أقرأ فيزدادُ ضوءُ شموعِها ألقا.
أنا الآن أشبه بكنيسةٍ فقيرةٍ تعرضُ سقفها المتواضعَ وصحنَ رواقِها البالي، ضوئي يتسرّبُ ناصِعًا من بين ألواحي التي انفرجت بفِعل ضغطِ الهواءِ.
أنظر من خلال نافذتي.
إنها تـُمطرُ الآن! الرديف 23 كانون الأوّل 2012رسالة أقصر إلى بسّام حجّار:
أرسلُ شَعري، أرتدِي نظارة طبّيّة، أضعُ قليلا من التعب في ملامحي، أضيف خطّا على جبيني لكي أحسَبَ أني تجاوزتُ منتصف العمر، أحشو رأسي بالمزيد من خردة الذكرياتِ الثقيلةِ، أمسكُ بين أصابعي سيجارة مارلبورو خفيفٍ، أعلّق معطفي على مسند كرسيّ خشبيّ، أستبدلُ اسمي باسمِكَ (زياد يصيرُ بسّام) وأجلسُ قبالة المرآة علّ محوركَ الثقيلَ يمرّ بي في دورانهِ ويُلقي بحُلكةِ معدنهِ على رُوحي السّحيقة في القِدَم.
مِن دورةٍ إلى دورةٍ تتضاعفُ وحشتي وقتامتي.
أهمسُ كمَن يُحدّث نفسهُ: ‘ حسبيَ أن أكونك ولو لخمس دقائق!’. صخبُ معاولَ لا تـُحصى يرتفعُ في الغرفةِ. صخبٌ لا يسمعُهُ أحدٌ سِوايَ.
طائرٌ ضريرٌ يحطّ على كتفي. أشكّ أنّ أحدًا غيري يراهُ.
أتمتمُ في أسى: ‘ بسّام كيف تحمّلتَ هذا؟’. من المرآة ترتدّ تمتمتي: ‘ تحمّلتَ هذا’. الصّدى يحذفُ نصف السّؤال، كمَن يحذف جدارًا ليوسِّعَ غرفتين متجاورتين.
محورُك الثقيلُ يقتربُ. أجلسُ مغمضَ العينين منتظرًا تقاطع ظِلالِنا. أنتظرُ في النقطة المؤمّل أن تكون مركزَ التقاءِ أرواحِنا.
أنا عقربُ السّاعاتِ المُعطّل، أنتظرُ أن يفرغ عقربُ العدم من دقائقهِ الأخيرة ويُطابقني مع توقيتِ رُوحِك المُوحشةِ. الرديف 12 آذار 2012