‘وتمضي بشهواتها البكر’ لمنيرة المبروكي: الاحتفال بالغياب

حجم الخط
1

عبد الوهاب الملوح لا أثر لنقطة الاستفهام في الكتاب الشعري الثاني ‘ وتمضي بشهواتها البكر ‘ للشاعرة منيرة المبروكي.. رغم إنَّ القصيدة عندها مُختبر للأسئلةِ:’سأروِّضُ / جحيم الأسئلة /’ ص122وهي أيضا عنوان للحيرة المتمردة على كل الصيغ الجاهزة في شكلها المتآلف سن وجيم.

مع سابقية الإضمار ترصد الشاعرة حالات اللاتوازن التي تعصف بالذات في علاقتها بالآخر / الوجود وتُعيد صياغتها شعريا مؤمنة ان الشعر في حقيقته يولد من رحم الفاجعة؛ من لحظات الاختلال والتأزم ويولد من الانفعالات الجامحة المتناقضة التي تهز النفس البشرية.

ولما كان الشعر في جوهره كشفا عن الخبيء في الدواخل فهو إفصاح عن الذهول الذي يصيب الذات وهو انعكاس لما ترسَّب من الظلال في لحظة متفلِّتة من الوعي فيكتمل بدوره تعبيرا منفلتا يضع كل الأشياء وفق منطقه ليصبح الهذيان خطابا دالا وتتحوَّل المادة الحلمية نصا متماسك البنى. للشعر منطقه الخاص المتمرد على كل القوانين والبديهيات والأعراف الدارجة.

لا يمارس الشاعر المقايضة مع الوجود؛ فيبادله تجلياته بالأحلام والاحتمالات ومزية الإقامة على الأرض؛ بل يدهم هدا الوجود بجرأة المغامر وبأس المحارب؛ يجوس خلاله يعبث فيه يُفكك عناصره ثم يعيد صياغته من خلال إتحاده مع فكرة الوجود في ذاتها؛ يعتصرها في داخله؛ و لحظة التوحُّد هذه بما سوف تتميز به من ارتداد وانسجام ومباغتة هي ايقاع القصيدة في الحقيقة.

القصيدةعند المبروكي فخ للإيقاع بالذات في تحولاتها.

الأجمل من هذا / أن أجد/ معنى لتحولاتي ص117طالما إنه لا وجود للمعنى اصلا؛ ورد في لسان العرب: المعنى المحنة ومن ذلك المعاناة والمقاساة لقد تم تفريغ المعنى من جوهره الحقيقي فلا معنى لأي شيء هكذا تتكشف الشاعرة بما تتوفر عليه من ‘الحدس المبدع’ وفق عبارة لإيليا حاوي وتستشرف خراب المعنى وما ينجر عنه من الغياب والصمت والتوهان ‘هناك سقط المعنى / وعبر الصمت / المكان ‘ ص100’كنت صامدة / أمام موكب / دفن المعنى / في حضرة / ارتباك القصيدة’ ص109غير انه وكعادةالشعراء سيان الألم أوالفرح وكما هتف بودلير يوما: ‘افرق بين النعيم والجحيم المهم ان تعثر على كل ما هومبتكر وجديد’ الألم العظيم هو الذي يولّد شعرا حقيقيا؛ تفجعات الذات في تقلباتها هي التي تصنع إيقاعا متفردا يميز شاعرا عن آخر؛ هذه التفجرات الحيوية التي تجعل النص يتدفق انسيابيا مع ما يتضمنه من اضطراب يخلق نغمية لا ترتكز على هارمونية خارجية بقدر رما تحرص على إظهار التفاعلات الجوانية… ليس من شك إن الإيقاع عقدة الشاعر وهو عقده مع الجمالي أيضا.

تهجس الشاعرة في مجموعتها هذه بالإيقاع فهي لا تنفك تنوع محاولاتها الريتمية لخلق وحدات نغمية تعكس تقلباتها واختلاجات نفسها ولقد نجحت بشكل لافت في تركيز خلايا إيقاعية من خلال المزج بين السردي والشعري حيث إن مقام السرد في تقاطعه مع مقامات القص في بعض القصائد مع ما تتوفر عليه هذه القصائد من لغة انزياحية تنزع نحوالمجاز وأشكال الاستعارة كل هذا سوف يؤدي الى تشكيل نص خارج التصنيف بإيقاع مختلف هو ايقاع السرد القصصي في ايهاب شعري (نص سراب ص92(استطاعت الشاعرة ان تخلق من نَفَسِهَا في مواكبته لنَفْسِها وتغيرات أحوالها إيقاعا اتسم بالانسيابية والوقفات المباغتة والشذرة الحكائية ولئن أوهم نص المبروكي القارئ بغنائيته في الظاهر بما قد يتوسله من تقفية احيانا غير انه سرعان ما ينسف كل المقدمات ويكسر كل العكاكيز فيهدم الابنية التي شرع في تشييدها وتتحول القصيدة إلى موزاييك سردي هي عبارة على اضاءات وتفجرات لونية كما لو انه الكاليدوسكوب بألوانه المتعددة. فتأتـي صورها الشعرية من تصادمات الذات مع الوعي والوجود.’كنتُ خلفي /أإزل ظلي / علّك / تراني ‘ ض104’ذات تسافر كل ليلى / تدقُّ وجع قلبك/منتظرة صدى الغياب ‘ ص56الغربة؛ الصمت؛ الغياب؛ النفي؛ الرحيل؛ النسيان في هذه العوالم تنسج المبروكي حضورها الطاغي وتبدع في التجلي من خلالها بالمراهنة على اللغة وما تحتويه من قدرات تخييلية.’غريب تمكن من اللغة / صادق متاهاتها / ليكتب غياب الوطن ‘ ص59’غياب يتصاعد’ ص59’صوتي / وان عرف الصمت / لي / سأنسج منه قصيدة ‘ ص53 ولن يتعلق الأمر بالغياب ومشتقاته بل سيصل إلى درجة الاستيلاء على الذات ومصادرتها في لقطة تذكر بالعشاءالأخير للمسيح:’وكأني وليمة / يتربص بها عشائي /’ ص91تعلن الشاعرة حضورها الباذخ في قمة فاجعتها لكن ليس بشكل تراجيدي دراماتيكي بل من خلال الاحتفال باللغة واشاراتها.’وتمضي بشهواتها البكر’ هي المجموعة الشعرية الثانية للشاعرة التونسية منيرة المبروكي بعد مجموعتها الشعرية الاولى ‘ايها الأنا هذا أنت’… كتابة شعرية لا تستنسخ السائد وتقتحم المجهول بما تمتلكه من مخزون ذاتي للجمال في تفاعله مع الجمال العمومي يعززها في ذلك اقتدار على تشكيل الصورة ايقاعيا لعل تخصصها السينمائي أفادها كثيرا في ذلك خاصة وان قصيدة النثر الان تستعين بكل تقنيات المشهدية السينمائية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية