انفصال الازواد في مالي يربك المغرب والجزائر وجبهة البوليزاريو تجاه قضية الصحراء الغربية

حجم الخط
0

محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: اربك انفصال الازواد في مالي واعلان دولة مستقلة، الاطراف المعنية بقضية الصحراء الغربية ودفعها لاختيار صعب بين مواقف مبدأية تعلنها وموقف من هذا الملف الحامل في طياته استنساخا لملف النزاع الصحراوي المتفجر منذ منتصف تسعينات القرن الماضي. واذا كان كل من المغرب والجزائر وجبهة البوليزاريو وهي الاطراف المعنية بالنزاع الصحراوي رفضت انفصال الازواد واقامة دولة مستقلة في شمال مالي، فان رفض كل منها نابع من مقاربة مختلفة لمقاربته للنزاع الصحراوي.

وفي خضم اضطرابات عاشتها مالي والقيام بانقلاب عسكري على الحكم المدني اعلن الطوارق الماليون ‘استقلال أزواد’ في شمال مالي وقالت الحركة الوطنية لتحرير ازواد في بيان إنها قررت ‘باسم الشعب الأزوادي الحر’، ‘بشكل لا رجعة فيه إعلان استقلال دولة أزواد’. وأكدت الحركة في بيانها اعترافها بحدود دول الجوار واحترامها والانخراط الكامل في ميثاق الأمم المتحدة’ وتعهدت ‘بالعمل على توفير الأمن والشروع في بناء مؤسسات تتوج بدستور ديمقراطي لدولة أزواد المستقلة’، داعية المجتمع الدولي إلى ‘الاعتراف بأزواد دولة مستقلة بدون تأخير’ وأكدت الحركة في ‘بيان استقلال أزواد’ أن لجنتها التنفيذية ‘ستستمر في تسيير شؤون أزواد حتى يتم تعيين سلطة وطنية أازوادية’. واذا كانت هناك مخاوف اقليمية ودولية من انتشار التيارات الاسلامية الاصولية المتشددة وتسلحها في منطقة الساحل والصحراء الكبرى بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا وكثافة انتشار الاسلحة التي كانت بمستودعاته فان الدول المعنية بنزاع الصحراء الغربية في حرج من نوع اخر.

ويأتي الحرج الجزائري في رفض وادانة انفصال الازواد واقامة دولة مستقلة في شمال مالي انطلاقا من تمسكها بميثاق الاتحاد الافريقي (منظمة الوحدة الافريقية سابقا) الذي ينص على ان الحدود بين الدول الافريقية هي التي تركها الاستعمار، في حين ان الجزائر هي الداعم الاساسي لجبهة البوليزاريو التي تسعى لانفصال الصحراء الغربية عن المغرب واقامة دولة مستقلة في نفس الوقت الذي لم تناهض به قيام دولة جنوب السودان وان كانت هذه الدولة اقيمت باتفاق مع السودان الا انه اتفاق جاء بعد حرب طويلة ونتاج ميزان قوى اختل في العقد الماضي.

والموقف المغربي ليس اقل احراجا، فاذا كان رفضه لانفصال الازواد ينسجم مع مقاربته لنزاعه مع الجزائر وجبهة البوليزاريو على المنطقة التي كانت تحت الاستعمار الاسباني كونها منطقة مغربية وكان تحفظ في ستينات القرن الماضي على ما ورد في ميثاق المنظمة الافريقية بشان الحدود فانه كان اعترف سابقا بدولة جنوب السودان. وقال المغرب أن إعلان الحركة الوطنية لتحرير أزاواد استقلال منطقة الشمال عن جمهورية مالي من جانب واحد، ‘أمر غير مقبول البتة’. وأوضح الدكتور سعد الدين العثماني وزير الخارجية المغربي ان بلاده تعتبر هذا الإعلان قرارا ‘غير مقبول البتة’ بالنظر ‘لتداعياته الخطيرة على السلم والأمن والاستقرار في المنطقة برمتها’، مشددا على ضرورة أن ‘ تتحمل جميع الدول مسؤولياتها لمعالجة هذه القضية’. وأشار العثماني إلى أن الحكومة المغربية بادرت بإرسال مساعدات انسانية للتخفيف من معاناة اللاجئين الماليين في موريتانيا، وهي بصدد التهييئ لمبادرات مماثلة ستشمل اللاجئين الماليين في النيجر وبوركينا فاصو.

وحول قدرة مالي على الخروج من أزمتها دون خسائر جسيمة وبطريقة سلمية خصوصا مع تفاقم الوضع بالشمال، اعتبر سعد الدين العثماني أن مالي، باعتبارها من ‘ديمقراطيات القارة الافريقية، تتوفر على آليات لتحقيق عودة سلسة وسلمية إلى الشرعية الدستورية بتوافق كل الأطراف وحتى المؤسسة العسكرية منها’ التي أكدت غير ما مرة على استعدادها لإعادة الحكم إلى المدنيين والعمل بالمؤسسات الدستورية حتى تتمكن من إدارة الأزمة بالشمال.

وأكد سعد الدين العثماني أن المغرب الذي يولي في إطار سياسته الخارجية اهتماما كبيرا للشأن الافريقي عموما وبمنطقة الساحل والصحراء خصوصا، يقوم بالاتصال والتشاور مع دول المنطقة ومع عدد من الدول الصديقة بغية التعاون معها ‘لمساعدة الإخوة في مالي للخروج من أزمتهم’. وذكر بأن وزارة الخارجية سارعت فور الإعلان عن الانقلاب العسكري بمالي إلى إصدار بلاغ رسمي أكدت فيه على ضرورة العودة للعمل بالمؤسسات الدستورية، وعلى الحفاظ على الوحدة الترابية لهذا القطر الشقيق، وعلى حقن دماء الماليين بجميع أطيافهم، وأنه قد تم إنشاء خلية يقظة بالوزارة لتتبع أحوال الجالية المغربية المقيمة بهذا البلد، والحرص على عدم المساس بمصالح المقاولات المغربية هناك.

واكد وزير الخارجية المغربي ان المغرب على استعداد لتقديم كافة المساعدات التي من شأنها العمل على استتباب الأمن والاستقرار في مالي، ولتأمين خروج سلس وسلمي من هذه الأزمة، انطلاقا من موقعه كعضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي، وعضو مراقب بالمجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا وفقا لنهجه الدبلوماسي المعتمد على احترام مبدأ السيادة.

وأضاف، أنه من هذا المنطلق، تم تكليف السفير المغربي ببماكو، الذي التقى مرات عديدة برئيس اللجنة العسكرية الحاكمة، للتأكيد على ضرورة الرجوع إلى العمل بالمؤسسات الدستورية مع استعداد المملكة المغربية للوقوف إلى جانب مالي لحفظ أمنها ووحدتها واستقرارها.

ونوه وزير الخارجية المغربي بالاتفاق المبرم بين المجلس العسكري في مالي ودول غرب إفريقيا، الذي ينص على إعادة السلطة للمدنيين وإجراء انتخابات رئاسية واعتبره خطوة جيدة في اتجاه العودة إلى الحياة السياسية، داعيا إلى الإسراع في تطبيقه.

واكد أن المغرب سيستمر في بذل المزيد من الجهود حتى تستعيد منطقة الساحل أمنها واستقرارها، مؤكدا أن ‘المملكة المغربية لن تذخر أي جهد في سبيل تحقيق ذلك’. وفي الجزائر صرح احمد اويحيى رئيس الحكومة أن بلاده الجارة الشمالية لمالي والقوة العسكرية الإقليمية ‘لن تقبل أبدا بالمساس بوحدة وسلامة أراضي مالي’ وحذر من أن أي تدخل أجنبي لن يؤدي سوى إلى ‘انزلاق’ الوضع وأشار إلى أن ‘الوضع (في مالي) مقلق جدا. فهو بؤرة توتر على حدودنا’ مذكرا بان الجزائر تتقاسم ‘حوالي ألف كيلومتر’ من الحدود مع مالي.

وأكد رئيس الوزراء الجزائري الذي سبق أن لعب دور الوسيط في أزمة الطوارق أن الجزائر التي دعت غداة الانقلاب في مالي إلى عودة ‘فورية’ إلى الشرعية الدستورية في مالي, وجددت تمسكها بالوحدة الوطنية والوحدة الترابية لهذا البلد ‘تدعم الحل عبر الحوار ولن تقبل أبدا بالمساس بوحدة وسلامة أراضي مالي’. وأعلن أن القيادة العسكرية الموحدة لهيئات أركان جيوش دول الساحل ستعقد اجتماعا ‘في الأيام المقبلة’ لبحث الوضع في مالي وقال اويحيي إن هذه المجموعة التي تضم الجزائر ومالي والنيجر وموريتانيا ‘ما زالت ناشطة وستجتمع في الأيام المقبلة في نواكشوط’. وأكد ضرورة مشاركة مسؤولين عسكريين ماليين كبار في الاجتماع وحتى إن كانوا من الانقلابيين الحاكمين في باماكو.

وأنشئت القيادة العسكرية الموحدة لهيئات أركان جيوش دول الساحل ومقرها تمنراست بجنوب الجزائر في 2010 وتضم الجزائر ومالي والنيجر وموريتانيا وتجتمع كل ستة أشهر لتنسيق محاربة التهريب العابر للحدود والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وللقيادة مركز موحد للمخابرات ومقره الجزائر العاصمة. وقال اويحيى إن الجزائر تشن حربا بلا هوادة ضد الإرهاب الذي ‘لا يعرف حدودا ولا جنسية منذ 1994’. جبهة البوليزاريو لا زالت تلتزم الصمت تجاه تطورات الوضع المالي، ورغم انها عضو في الاتحاد الافريقي فانها اكتفت باستنكار اختطاف دبلوماسيين جزائريين في مالي، معلنة تضامنها مع عائلات الرهائن وموجهة نداء للحكومة المالية من أجل إطلاق سراحهم في أسرع وقت.

وقال بيان للجبهة انها ‘تستنكر بشدة اختطاف سبعة دبلوماسيين جزائريين من طرف مجموعة إرهابية في مدينة غاو المالية، وتندد بهذا العمل الإرهابي الجبان’ وأعربت عن ‘تعاطفها مع عائلات المختطفين’، متمنية ‘عودتهم سالمين إلى وطنهم وذويهم’ وداعية الحكومة المالية إلى ‘بذل كل الجهود لإطلاق سراح الدبلوماسيين الجزائريين’. وانعكاسات الوضع في مالي واعلان استقلال الازواد في الجزائر والمغرب لا تقتصر على الموقف من النزاع الصحراوي، فالجزائر معنية ومعها ليبيا وتونس كون الدولة المعلنة يقيمها الازواد (الطوارق) الذين تنتشر قبائلهم في جنوب الجزائر وليبيا وبالنسبة للمغرب فتلقفت الحركات الامازيغية اعلان الازواد لتسقطه على وضع الامازيغ. وأعلنت الحركة الأمازيغية بالريف عن ‘دعمها المطلق واللامشروط لـ’الحركة الوطنية لتحرير الأزواد’ التي أعلنت استقلال ‘أزواد’ كجمهورية أزوادية مستقلة.

وجاء في بيان صادر عن الحركة أنه ‘تزف الخبر السار إلى كافة الحركات التحررية الأمازيغية والعالمية، وتهنئ الشعب الأزوادي الطوارقي بهذا الحدث السعيد والإستقلال المجيد، وتبشر الشعب الأزوادي الشقيق بمستقبل زاهر في ضل الحرية والكرامة فوق أرض الأجداد التاريخية’. وأضاف البيان أن الحركة الأمازيغية بالريف تعاهد ‘نظيرتها الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، بالسير على خطى مجاهديها الأبرار، وخطى زعيمنا الأبدي محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله، وتقدم لهم جميعا تحية نضالية عالية من عمق بلاد الريف أرض المجاهدين الأحرار’. واستنكر البيان موقف فرنسا الداعي إلى ‘عدم الإعتراف باستقلال الأزواد بشكل أحادي الجانب’، وكذا ‘موقف الجزائر السائر على خطى فرنسا المعادية للشعوب الأمازيغية’. وايد المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات ‘ثورة شعب أزواد وإعلان الحركة الوطنية لتحرير أزواد عن إستقلال الإقليم عن دولة مالي’، واعتبرها ‘ثورة ضد الظلم التاريخي وضد مخلفات و نتائج سياسات القوى الإستعمارية بالمنطقة، التي قسمت شعبا واحدا على مجموعة من الدول بما يترتب عن ذلك من إهدار للحقوق الفردية والجماعية ومن مس بالحقوق التاريخية لشعب أزواد الذي ألحق قسرا بدولة مالي’. وأوضح المرصد ان ما كان ‘يحدث بأزواد وما ارتكب من مجاز وأعمال وحشية و إذلال لشعب حر نبيل من أحداث مأساوية سنوات 1963، 1990، 1995، 2006 و2012، مدعاة للكثير من علامات الإستفهامات وتأكيد على تغليب منطق مصالح القوى الاستعمارية وورثتها على منطق حقوق الإنسان والشعوب في تقرير مصيرها’. واعتبر ان سياسات حكومة مالي كانت ‘ممعنة في العنف وهضم الحقوق والإستيلاب وتوظيف شعب بأكمله لصالح حسابات جيوستراتيجية أو تكتيكية تهم الصراع على السلطة بباماكو، أو لفائدة حسابات التوازنات الإستراتيجية الإقليمية بالساحل’. واكد المرصد الامازيغي ان شعب ازواد وحركته الوطنية للتحرير، أعملا هذا الحق بعد أن استنفذت جميع سبل إحقاق الحقوق في ظل النظام المالي، و من واجب المنتظم الدولي حماية تمتع شعب أزواد بهذا الحق، و تفادي المزيد من سفك الدماء و المعاناة’. ورفض الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وفرنسا القوة المستعمرة السابقة إعلان استقلال أزواد معتبرين انه ‘باطل ولاغ’ و’لا قيمة له’ على حد قول رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي جان بينغ. وأكد بينغ مجددا على ‘مبدأ عدم المساس بالحدود التي ورثتها الدول الإفريقية عند حصولها على الاستقلال’، كما شدد على ‘حرص الاتحاد الإفريقي الشديد على الوحدة الوطنية ووحدة وسلامة أراضي مالي’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية