حكم التيار الإسلامي

حجم الخط
0

عبد الحليم قنديل الزمن ـ بامتياز ـ لغزوات الإسلاميين في السياسة، وربما أيضا لتخلخل قوة التيار الإسلامي، والذي تغريه حوادث الفوز المتلاحق في الانتخابات العامة، ثم يصل الى الحكم بحثا عن النعمة، وربما لا يجد غير المحنة في انتظاره. في صفوف المعارضة يجد التيار الإسلامي فرصته الذهبية، فهو يستمتع بدور الضحية، ويستجلب التعاطف الشعبي المقدر لتضحياته، ويتوسع نفوذه على قاعدة الشعور الديني القوي في أقطار عالمنا العربي، ويكون بوسعه أن يعد بإقامة الجنة في الدنيا، ويكتفي برفع شعار غامض موحي اسمه ‘الإسلام هو الحل’، ثم حين تدور الدوائر، وتشتعل الثورات، وتتفكك الديكتاتوريات، ويحل الدور على التيار الإسلامي، ويفوز ببركة التصويت الديني، ويكتب عليه أن يحكم، تبدأ تفاعلات من نوع آخر، تأخذ من الرصيد الديني للتيار الإسلامي، وتمتحنه في اختبارات السياسة والاقتصاد والأمن، فلا تكون النتيجة غير التكرار الحرفي تقريبا لمناهج الديكتاتوريات الذاهبة. أسرار فوز التيار الإسلامي مفهومة، فقد تعرضت المجتمعات العربية لمحنة الخروج من سباق العصر، والخروج من التارخ في الأربعين سنة الأخيرة، تعرضت لمحنة شفط السلطة والثروة الى أعلى، وخرجت من سباق الاقتصاد والتصنيع والسلاح، وتكونت نظم حكم عائلية معزولة، تحكم مجتمعاتها كقوة احتلال، ولا يربطها بالمجتمع الغارق في الفقر والبطالة سوي خازوق أمني متضخم ومتورم، وأدي تأخر التصنيع والاختراق التكنولوجي الى حالة من الشلل الاجتماعي، وتوقف فرز الطبقات والفئات، وفقد المجتمع لصفته كمجتمع، وتحوله الى غبار بشري، وكتل من المهاجرين عن دنيا ضاقت بأحلامهم وأحوالهم، وسيادة مشاعر البؤس واليأس، وقد خاطبت التيارات الدينية بؤس المجتمع كجمعية خيرية، وخاطبت يأس المجتمع كجمعية دينية تعد بنعيم الآخرة، وهو ما أدي لتضخم وتغول التيار الإسلامي، وسيادة التصويت الديني الصرف في الانتخابات، وهي حالة عامة في كل المجتمعات العربية الآن، وقد تختلف حدتها ودرجتها من قطر الى قطر، وبالتناسب الطردي مع كثافة مشاعر البؤس واليأس في كل بلد. وعلى العكس من الأوضاع في ظل الديكتاتوريات الأمنية، تبدو الديمقراطية امتحانا لمستقبل التيار الإسلامي، فالتصويت الديني الذي يحملهم الى مقاعد الحكم قد تنقضي دورته سريعا، فهو يحمل معني التفريغ لشحنة ألم مجتمعات، والتطلع لخلاص قد لايجده مع التيارات الإسلامية العربية، والتي تتوجه الى الناس بوعود غامضة ننسبها الى شريعة الله، وتدعوهم الى منحها الفرصة لتجربة حكم تقول أنها لم تتح لها أبدا، وهو كلام خاطئ بالجملة، فقد حكمت مثل هذه النزعة في بلدان عربية عدة، وكانت النتائج عظيمة البؤس، وأمـــــامك تجارب السعودية وبلدان الخليج، والتي تحكمها نظم ديناصورية باسم الشريعة، وتزود التيار الإسلامي بجانب مرئي من ماله وقوته، وربما أفكاره وتهويماته، وهي نظم فهمت شريعة الله كأنها شريعة الأمريكان، أضف الى ذلك تجارب كالتي جرت في الصومال والسودان والعراق، وكلها ترفع شعارات إسلامية، وتنتهي الى عناوين ومصائر التفكيك اللانهائي. والطريف أن بعض التيارات الإسلامية تحدثك عن نجاحات خارج الدنيا العربية، وعلى طريقة الخالة الصلعاء التي تتباهي بكثافة شعر بنت أختها، فيحدثونك ـ مثلا ـ عن تجارب النهضة في ماليزيا وتركيا، وينسبونها الى عمل التيار الإسلامي، ولا يكاد أحدهم يذكر تجربة أفغانستان التي كانت تحت حكم طالبان، فهي مكروهة في مخيلة غالب التيارات الإسلامية العربية، وإن كانت لا تعدم أنصارا لها في التيار السلفي لا الإخواني، ما علينا، المهم أن مثالي ماليزيا وتركيا خارج الموضوع، فمهاتير محمد قائد نهضة ماليزيا، ورجب طيب أردوغان قائد نهضة تركيا، هذان الرجلان ـ وأمثالهما ـ ليسا من نظراء قادة التيارات الإسلامية العربية عموما، ولم يقودا أحزاب ولا حركات مناظرة للأحزاب الإسلامية العربية، فحزب مهاتير اسمه الحركة القومية الماليزية، ومعارضوه في ماليزيا أصوليون أقرب لحالة الإخوان المسلمين، وحزب أردوغان قومي تركي علماني، وبين معارضيه حزب صغير اسمه ‘حزب السعادة’، وهو النظير التركي لحالة الإخوان المسلمين، وقد لا تجد في العالم العربي شيئا إسلاميا يقترب في المغزي من معني مهاتير وأردوغان سوي ‘حزب النهضة’، أو قل بدقة سوي قيادة حزب النهضة، أو قل بدقة أكثر سوي راشد الغنوشي قائد حزب النهضة، والذي لم يسلم من تهمة التكفير في أوساط التيار الإسلامي الذي ينتسب اليه. جملة القول، أنه لا سند لإدعاء التيار الإسلامي أنه لم يحكم من قبل، ولا سند لانتساب لتجارب النهضة القومية الطابع في ماليزيا وتركيا، وعلى التيارات الإسلامية العربية التي فازت وتفوز في انتخابات التصويت الديني، وتصل للحكم الآن، على هذه التيارات أن تقدم تجربتها بنفسها، وألا تهرب من امتحان التاريخ الذي يداهمها في لحظة النشوة، علـــيها أن تقول لنا ماذا ستفعل بالضبط؟

، وربما يكون الامتحان أولا في مصر، وهي أكبر دولة عربية، وما يجري فيها يسري الى كل البـــلدان العربية بنظرية ‘الأواني المستطرقة’، وقد فاز فيها التيار الإسلامي كما توقع كاتب السطور قبل سنوات من خلع مبارك، والسؤال الآن ـ كما كان وقتها ـ مطروح وبإلحاح، فهل يكرر الإخوان المسلمون نفس نمط اقتصاد مبارك؟

، وهل يكرر الإخوان نفس تبعية جماعة مبارك للسياسة والإدارة الأمريكية؟

، وهل يكرر الإخوان نفس خضوع جماعة مبارك لأوضاع المهــــانة المترتبة على عقد ما يسمي معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيــــلية؟

، حين كان الإخوان في المعارضة، لم تكن لديهم مشكلة، ولا كان لديهم نهج خاص بهم، بل كانوا يكررون ذات مواقف الحركة الوطنية المعارضة، كانت لديهم خاصية استنساخ مواقف الفصائل المعارضة من خارج التيار الإسلامي، ولا يمتازون عنهم بشئ يخصهم سوى كثرة أعدادهم وأموالهم وانتشار تنظيمهم، وبفضل الإطلاق الطبيعي لحريات الدعوة الدينية والعمل الخيري، والتي تصورت جماعة مبارك أنها قد تلهي عن السياسة المحظــــورة، ثــــم جرت أقــــدار الثــورة التي كانت قيادة الإخوان آخر الملتحقين بها طلبا للمغانم، وفازوا في الانتخابات، وســـعوا الى التكويش، ولا بأس، فماذا عندهم يتقدمون به عنوانا على النموذج الإسلامي؟

، ربما لم تكن مفاجأة أن العنوان كان اسمه خيرت الشاطر، رجل الكوالىس المعتمة، والذي يحظي بحماس الأمريكان أكثر من قواعد الإخوان، فهو مجرد رجل أعمال وتاجر شاطر، ويكرر تجربة السنوات الأخيرة من حكم جماعة مبارك، وحين بلغ اختلاط السلطة والثروة الى ذروته، وتوالت حكومـــات رجال الأعمال، ولم يجد الإخوان ما يقدمونه غير التقليد والتكرار المزاد المنقح، وتقديم رجل أعمال لمنصب الرئاسة.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية