القصة ورأس الرجل

حجم الخط
0

شوقي بدر يوسففي رأس هذا الرجل ثمة قص يتغلغل فيه متخيّل الحكي، وتتحرك فيه بذرة التمرد النابتة معه منذ حداثة عهده بالحياة، تغوص رؤاه داخل سيريالية الواقع وعبثيته، وتتداخل وتتقاطع كلماته ولغته فى غرائبية وعجائبية خاصة لتخرج لنا ثمرة شهية من القص الحديث يتفاعل معها المتلقى في هاجس واقعى خاص، ويدركها القارئ لأول وهلة لما تحمله من وجع ذاتي ورؤى تحمل في طياتها كل الهموم الحياتية الإنسانية المحتملة، وتذهب في حداثة ترددها وتأويلها وآلية تشكلها حالة جديدة لم نألفها فى الفن القصصي الحديث. في رأس هذا الرجل ثمة واقع إنساني يتفاعل وتتصارع خطوطه لتجد في نسق فنية القصة القصيرة الحديثة أبعاد المشهد والموقف والواقع والحياة وكل الأشياء المتصادمة والمتصارعة في سطوة ساحة هذه الحياة، وفي رأسه أيضا تطورت فنية القصة القصيرة في مصر أراد من هذا التطور أن يحدث ثورة فارقة في المشهد السردي المصري آنذاك ضمن عدة أنساق ظهرت على الساحة الإبداعية فى مرحلة الستينيات من القرن الماضي، حين أعلن جيل هذه الفترة الثورة على أنساق القصة التقليدية المألوفة في ذلك الوقت، وأعلن هذا الجيل ظهور كتّاب جدد يحاولون تحويل المسار لهذا الفن ويتمردون على تقاليد آليات الكتابة عند الحرس القديم من كتّاب السرد والذي كان يضم قامات كبيرة في منهجية جديدة طالت القصة القصيرة المصرية والعربية على كافة الأصعدة الفنية والموضوعية واللغوية، وكان حافظ رجب في طليعة هذا الجيل، بل إن من كان يتحدث عن هذا الجيل في ذلك الوقت كان يبدأ بحافظ رجب باعتباره الأيقونة المهمة التي أطلقت صيحة الجيل بأكمله في هذا المجال، وهي الصيحة التي أيقظت الجميع على مرحلة جديدة فى فنية القصة القصيرة المصرية، هو يقول عن هذه الفترة ‘: ولأننا كنا فى السوق نبيع ونشترى ونحن صغار الحال والأحوال، فقد تبينا أننا غرباء.. غرباء إلى حد القهر، كذلك كان الناس غرباء معنا.. وكانت هناك ثورة، ودخل كل الكتاب في مصر طابور العرض السريع.. وأدركنا أننا والناس: جيل بلا أساتذة.. لم يكن هناك أبوة تنصحنا.. لم يكن لنا أهل يبحثون عنا، حتى أن الناس أخذهم الكابوس فتركونا نعوي في الساحة وحدنا.. ولأننا كنا فتية وحصيلتنا طيبة.. فقد بدأ التمرد في داخلنا طفلا سرعان ما أدركته الرجولة.. وأعلنا صيحتنا الأولى في مجموعة قصص ‘عيش وملح’، بعض الأفراد الصغار.. كاتب هذه السطور وعباس محمد عباس ومحمد جاد والدسوقي فهمي وعز الدين نجيب والسيد خميس’. (حافظ رجب وجيل بلا أساتذة، أقلام الصحوة، الإسكندرية، ع 3، سبتمبر 1976، ص3) كانت هذه الكلمات البسيطة المعبرة عن بدء معارك فنية القصة القصيرة في مصر على يد هذا الرائد التجريبي المتمرد على شكل وواقع الكتابة القصصية السائدة في ذلك والذي حرك معه في الإسكندرية نفر بسيط من الكتّاب، وصارت المظاهرة إلى القاهرة. ويستطرد حافظ رجب في نفس كلماته ‘: واستقبلت كلماتنا بالترحاب.. قال يحيى حقي.. واقعية جديدة.. وقال فؤاد دوارة.. هل هم جيل بلا أساتذة.. ؟! وجاءت مناقشة في التليفزيون العربي أمام رشدي صالح فأعلن كاتب هذه السطور.. أننا فعلا جيل بلا أساتذة.. لم نكن نملك المادة التي يمكن أن نقدمها فى سوق الكلمات وأثارت كلمة جيل بلا أساتذة الرعب في قلوب الجميع’. وتحقق الحلم حين لحقت بحافظ رجب كوكبة من كتّاب القصة المحدثين كان منهم ضياء الشرقاوي، بهاء طاهر، يحيى الطاهر عبد الله، محمد البساطي، محمد إبراهيم مبروك، مجيد طوبيا، عز الدين نجيب، خيرى شلبي وغيرهم، وتشكّل جيل الستينيات الذي سار بالقصة القصيرة في مصر بل في العالم العربي كله إلى منطقة الإرهاصات والتجريب والتعبير عن واقع جيل يحلم ويكتب، ويجرب ويكتب فكانت سيريالية القصة عند حافظ رجب هي البداية وهي التي أيقظت في هذا الجيل روح البحث عن شكل جديد ولغة جديدة وموضوعات جديدة لواقع القصة القصيرة في مصر.

فحينما أطلق جيل محمد حافظ رجب أو محمد حافظ رجب نفسه هذه الصيحة المدوية الشهيرة في منتصف الستينيات في مواجهة الساحة الأدبية في مصر والتي قال فيها بأعلى صوت ‘نحن جيل بلا أساتذة’ كان هذا يعنى أن ثمة شيئا جديدا فى الساحة الأدبية قد بدا يلوح فى الأفق، وكانت هذه الصيحة المتمردة بمعانيها ودلالاتها الواضحة سواء أكانت تعني ما تقول أو لا تعني، فإنها كانت عنوانا هاما لصراع كان قد بدأ يدور في كواليس الحركة الأدبية، وكان حافظ رجب يعبر بهذه العبارة عن رؤى جيل بأكمله وقع عليه الاختيار ليحمل على كاهله تعبا خاصا، وعبئا مضنيا ومسؤولية جسيمة، وسط تحولات حادة شملت جميع المجالات الإقتصادية والأجتماعية والثقافية، وكانت الصيحة في حد ذاتها في مجال الأدب لها وقع السحر على الجميع، فقد أثارت جدلا كبيرا والقمت البركة الكبيرة للساحة الإبداعية حجرا كان كفيلا بتحريك الراكد من الواقع الثقافي في تلك الفترة.

وقد كان محمد حافظ رجب وسط جيله من كتاب القصة العربية القصيرة يمثل أيقونة مهمة، اضطلعت بجانب دال ومؤثر وفعال في هذه الساحة التي شهدت تطورا كبيرا شملت جوانبها البنى والرؤى، والشكل والمضمون، والنسق، والسياق، واللغة، وسائر المكونات الفنية للقصة القصيرة في ساحتها الرحبة الماكرة المراوغة، استهدفت برؤاها الجديدة، ومغامراتها الإبداعية الساحة كلها، الكاتب والقارئ، والشكل والتأويل والتلقي والمضمون، والمناخ العام للحركة الأبداعية فى مصر والعالم العربي، حدث كل ذلك وسط منعطف حاد وهام مرت به الآداب العربية بأجناسها المختلفة في مرحلة قدر لها أن تحمل معها تغييرات فى كل مناحي الحياة، خاصة تلك المرحلة التى أعقبت نكسة يونيو 1967 . لذا برز محمد حافظ رجب كأحد المجددين لفن القصة القصيرة الذي أخلص لها وأعطاها كل عمره ليفوز هذا الفن بكاتب له خصوصيته وتفرده في مجال إبداعه، وتفوز هذه المرحلة أيضا بنصوص قصصية، لها قدرة على عطاء شيء جديد، ومذاق خاص، وجده في تعميق وتفعيل آلية لون جديد من الحكي لم تألفه الساحة الأدبية ولم يتعوّد عليه المشهد السردي، ولم يفز حافظ رجب بأي شيء مثله مثل باقي المبدعين الذين كتبوا في هذا الفن المراوغ، بل على العكس لقد سبب فن حافظ رجب له كثيرا من المنغصات والمضايقات نتيجة لإقتحامه نسقا خاصا فى الكتابة القصصية وجدت رفضا كبيرا وتاما من الحرس القديم لفن القصيرة آنئذ، فكان رد الفعل تجاه إبداعه وتجاهه هو شخصيا قويا وحمل معه الرفض للنسق وصانعه، إلا أن حالة الكاتب ورأسه المتمردة كانت بالمرصاد لرد الفعل هذا فتحوّل إلى القاهرة عله يجد فيها الملاذ والمكان المناسب لإبداعه ولكنه جوبه برفض صادم كان له تأثير كبير على حالته كمبدع يريد لنفسه حضورا مناسبا على الساحة، وعلى الرغم من ذلك فقد استمر حافظ رجب يجابه المنغصات والتأزمات التي كانت تقابله حتى عاد إلى الإسكندرية مرة أخرى، وفي سؤال وجه إلى حافظ رجب حول هذا الموضوع: لماذا رفضت الإقامة بالقاهرة وأنت الذي كنت قد سعيت إليها طويلا؟

، وقد أجاب حافظ رجب: القاهرة.. ذلك الحلم الذهبي.. لقد تبينت من خلال تجربتي أن العودة للبيئة الأم أكثر صحة. أكثر قوة.. فمن المدينة الأم الإسكندرية يمكننا أن نبدأ من جديد في كل لحظة، بينما الأحساس في القاهرة بالنسبة لي.. دائما كان هو الانتهاء والتوقف، لقد سعيت إلى القاهرة للبحث عن أجوبة لأسئلة عديدة كما سعيت إليها لكى تكون روحي في بؤرة الحرارة.. لكن الحقيقة تختلف’ (حوار سريع مع حافظ رجب: القاهرة أوصلتني إلى جلسات الكهرباء!

، ج الجمهورية، 10 يوليو 1966) لذا كان لحافظ رجب حضور قوي طاغ في الساحة الأدبية منذ أن راودته فكرة القصة، والإمساك بالقلم في منتصف الخمسينيات، وكان يمثل في ساحة القصة ما كان يمثله كثير من مبدعي جيله في كل الأجناس الأدبية، أمل دنقل في ساحة الشعر، ميخائيل رومان في ساحة المسرح، محمد مندور في مجال النقد، وغيرهم من المبدعين الذين تركوا بصمة مهمة في نسيج إبداعهم، وكانت القصة القصيرة في رأس هذا الرجل هي الهم الأول والأخير منذ أن خط أول خط في نسيج هذا الفن، فبعد اشتراكه في مجموعة عيش وملح صدرت له غرباء والكرة ورأس الرجل وتوالت أعماله القصصية في رفد ساحة القصة بهذا الفن الجديد مما جعل دائرة المعارف البريطانية تدرج أسمه في صفحة من صفحتها كأحد المجددين لهذا الفن وهو ما لم يحظ به أي أديب عربي آخر في هذا المجال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية