الاردن بين إطالة اليد وإطالة اللسان

حجم الخط
0

بسام البدارينيمكن الإستدلال على الخلفيات التي تدفع النظام الأردني لإعتقال نشطاء يتجمعون في مناطق العاصمة الحيوية ويرفعون سقف الهتاف ولو من باب الإحتراز.

ويمكن الإقرار مسبقا بأن الشعب الأردني لا يجمع على الحراك السياسي والشعبي بقدر إجماعه على النظام.

ويمكن فعلا لا قولا التعاطف مع رجال الأمن الذين يبقون لأيام وأسابيع تحت المطر والبرد وقريبا تحت الحر الشديد لتأمين البلاد خوفا من الإنفلات فلا مصلحة لأحد إطلاقا بإنحراف الأمور في الأردن والمستفيد الوحيد المرشح والمرجح هو إسرائيل حصريا.

لكن ما لا يمكن تفهمه إطلاقا بحال من الأحوال هو التعسف في مظاهر الإعتقال والإحتراز بلا مبرر خصوصا لفتية لديهم الكثير من الوعي والثقافة وشبان يطمحون بالتغيير الذي يتحدث عنه النظام نفسه منذ أكثر من عقد.

وما لا يمكن فهمه الخلفيات التي تدفع رجل أمن لتجنب تفعيل القانون ومعاقبة موقوف ما بدنيا وجسديا أثناء وبعد الإعتقال فأي موقوف هو أمانة بين يدي سلطة إنفاذ القانون والدستور لا يجيز الإعتداء على الأمانات خصوصا إذا كانت ‘بشرية’ أما المجتمع العشائري الأردني الطيب فلا يجيز بدوره المساس بالأمانة والمطلوب من أجهزة السلطة إعادة الشباب الموقوفين أصحاء بدنيا ونفسيا لذويهم أو إرسالهم للمحكمة بدون مماطلة وتسويف وتسييس حتى يصبحوا في عهدة القضاء ويعرف المواطن الأردني كيف يسترد حقوقه.

وما لا يمكن فهمه عدم وجود مبرر منطقي لإذلال الموقوفين أو تغليظ القول عليهم أو التهديد بدفنهم فرجل الأمن مهمته الإحتراز والإعتقال لكن النشط السياسي وظيفته الوطنية أن يخرج للشارع ويهتف مطالبا النظام بالإصلاح وهو إصلاح يستفيد منه رجل الأمن في النهاية كمواطن قبل الذين خرجوا للشوارع.

قلنا سابقا إذا كانت أجندة رجل الأمن تتطلب إحتواء الديمقراطية ومنع حريات التعبير والإجهازعلى الديمقراطية كلما حانت له الفرصة وفقا لنماذج العالم الثالث فأجندة النشطاء والسياسيين هي التصدي للمنطوق الأمني والتذكير بحريات التعبيروالخروج للشارع، تلك هي المعادلة بإختصار وبدون تشكيك أو تخوين. ورجل الأمن الذي يمارس التسلط على موقوف مخفور وضعيف ومستسلم خارج نطاق القانون يزرع مسمارا في نعش النظام نفسه الذي يدعي حمايته.

النظام الأردني ما زال صلبا وقويا ويحظى بالإجماع وملك البلاد لا تعود عليه أي فائدة ترجى من أي نوع إذا قمع مواطن آخر من أبناء الشعب بصرف النظر عن الحجج والذرائع الواهية التي يتبناها البعض.

وشخصيا لا أجد أي إضافة يمكن ان تعود على الملك والبلاد والنظام عموما جراء الإصرار على تحويل نشطاء السياسة إلى محكمة أمن الدولة الإستثنائية التي لا تعترف بها كل معايير حقوق الإنسان في العالم.

صحيح أن القذافي قصف بالطيران من خرجوا للشارع ضده في بنغازي وصحيح أن بشار الأسد قصف بالصواريخ من يعارضه وبالتالي فإعتقال النشطاء وحجزهم قليلا ثم عرضهم على قضاء عسكري يصبح نزهة قياسا بذلك في وضع يحسب بالتأكيد لصالح قيمة التسامح ومرونة النظام الأردني.

لكن الصحيح أيضا أن النظام لا يحتاج إطلاقا للإنقلاب على ذاته وهو يعيد إنتاج محكمة أمن الدولة التي بقيت لعقود عنوانا للقضاء الإستثنائي الذي لا يمكن تبريره إلا في الأنظمة الشمولية.

والصحيح أن النظام لا يحتاج إطلاقا لتهمة معلبة وبائسة سبق للأجهزة الأمنية ان فبركتها ببعض الحالات وإسمها ‘إطالة اللسان’ خصوصا في ظل الربيع العربي وبعد إنكشاف حجم الفساد وتوسع رقعة الإحتقان.

والزميل ماهر أبوطير على حق عندما قال: الأولى بالملاحقة والمطاردة هم من أطالوا اليد على المال العام وليس من أطالوا اللسان فواحدة من نعم ألله على الأردنيين أن موجة الربيع العربي الغامضة وصلتهم على شكل حراك وطني محترم في الأغلب بلا دم أو عنف لا سمح ألله وبلا قمع مبالغ فيه أيضا وأن قمة التطرف في هذه الموجة يتمثل في عبارة فردية تقال هنا أو هناك سرعان ما يستنكرها الجميع ولا تجد مكانا للإقامة فيه وسط الناس.

لا ينبغي أن يقبل احد التلفظ بعبارات تجرح قلب جميع الأردنيين وتحاول المساس برموز النظام ولا هتافات بائسة لا معنى لها تنادي بإسقاط النظام، مقابل ذلك نتوقع بأن النظام أكبر كثيرا من مطاردة شاب محتقن تلفظ بعبارة عابرة هنا أو هناك أو موتور يستحق الشفقة ويستنكره المجتمع طرح إسقاط الدولة لكي يقفز الجميع في الفراغ. الحكم يسقطه الفساد والدول يفشلها غياب الإصلاح والديمقراطية والأنظمة يدمرها التعسف الأمني وليس عبارة عابرة قيلت هنا أو هناك أو شاب إجتهد فأخطأ أو نفر تطرف في رأي وإجتهاد وتشدد في هتاف ويدفعني الإحساس بأن الدعوات التي تطالب القصر الملكي بالتسامح على أساس أنه لا يحتاج حبس من أطال اللسان قليلا منطلقة من حق وتنطوي على وجاهة. وتحتاج في الوقت نفسه إلى وعي الحراكيين بأن الشتائم والإتهامات الجزافية والدعوات لإقامة محاكم شعبية والهتافات المتشجنة كلها مظاهر لا علاقة لها بالعمل الوطني أو السياسي ولا تقود إلا لإيذاء الحراك وأهدافه النبيلة فهي تبعد أناسا يمكنهم الركوب في حافلة الدعوة للإصلاح.

القصر للجميع والملك على الجميع بمن في ذلك الغاضبون أو غير المنضبطين ونحن نعلم بأن القمع الأمني ومؤشرات إنتهاك القانون هي أقرب وصفة ‘للتأزيم’ بعد 14 شهرا من الحراك المتواصل وهي وصفة يبتدعها المحرضون وبعض أركان النظام الذين يمكن ببساطة القول أن الناس تخرج للشارع ضدهم وبسبب تصرفاتهم وعدم قيامهم بواجبهم كحلقات وصل بين الحاكم والمحكوم طوال عقود.

وهؤلاء تحديدا لا بد من وضع حد لفتنتهم عبر العودة لقواعد ‘اللعب النظيف’ التي غادرتها مؤسسات القرار منذ سنوات وإطلاق مبادرات إصلاح حقيقي ينبغي أن تبدأ برأينا المتواضع بإعادة الأمانات المتمثلة بالمعتقلين والموقوفين إلى ذويهم وعائلاتهم سالمين وبدون محاكمات حتى يفتح الجميع صفحة جديدة، خبرتي تقول ان الأردن يليق به ذلك.’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية