لن تتمكن ثورات الربيع العربي من تحقيق أي إنجاز حقيقي ملموس في حياة الشعوب العربية إن هي استمرت في مواصلة حياتها السياسية كدول منفصلة جغرافياً وسياسياً واقتصادياً.
الحقيقة الحلوة في هذا الإطار، هي أن أية دولة عربية لن تستطيع بمفردها أن تفرض سيادتها الحقيقية وسط المنظومة السياسية الدولية مهما بلغ تعداد سكانها ومهما بلغت مساحتها، لأن ثقلها الجيوسياسي والإستراتيجي لا يؤهلانها لمنافسة التكتلات الدولية العملاقة التي مكن تشكيلها كثير من الشعوب الصغيرة نسبياً من الإرتقاء إلى آفاقٍ سيادية لم تكن لتبلغها مطلقاً لو بقيت فرادى.
غني عن القول أن تعداد الإثنيات الداخلة في تكوين دولة الصين الشعبية والمعترف بها رسمياً من الدولة هو 56 مجموعة إثنية ولديها العديد من اللغات على امتداد الأراضي الصينية.
وكذلك الحال بالنسبة للهند، ناهيك عن حال الإتحاد الأوروبي المكون من شعوب وقوميات مختلفة، ومع هذا فإن الشعوب في هذه المنظومات السياسية على توافق شبه تام أن أوضاعها في ظل الحالة الإتحادية توفر لها ما يكفي من الإمتيازات لجعلها تصوت بنعم للإنضواء في الإتحاد الأوربي مثلاً رغم أن هنالك بون شاسع يفصل بين شعوبها على المستوى الإقتصادي. فلو نظرنا مثلاً للإقتصاد الألماني لوجدنا أن الهوة التي تفصل بين هذا الشعب وبين شعوب أوروبية فقيرة مثل اليونان والبرتغال وبعض دول أوروبا الشرقية لوجدنا أنها تقل كثيراً عن تلك الفجوة التي تفصل بين شعوب الخليج العربي التي تعيش على بحيرات من النفط وبقية الشعوب العربية التي تعيش على أراضٍ عاقر نفطياً.
ولكن المفارقة العجيبة تكمن في أن التفاوت الكبير في مستوى الرفاه والتقدم بين الشعوب الأوروبية قد نتج عن تمكن بعض الشعوب من تحقيق إنجازات هائلة بمجهودات ذاتية على كافة المستويات مما أدى بها إلى الإرتقاء والريادة في كافة الميادين، ومع هذا فإنها لم تحاول أن تتعالى على الشعوب الأوروبية الفقيرة، بل آثرت أن تتحد معها رغم فقرها لأن شعوبها قد بلغت مرحلة من النضج والوعي بما يكفي لجعلها قادرة على استشراف الآفاق المستقبلية الواعدة والميزات الهائلة التي توفرها حالة الإتحاد لكل الشعوب الأوروبية، وها هي أوروبا اليوم ترفع رصيد صندوق الطوارئ المخصص لإنقذ الدول المتعثره إلى 800 مليار يورو وبهذا تثبت للعالم أن قرار الإتحاد لم يكن عبثياً، وهي تثبت للعالم بهذه الخطوة وبما سبقها من خطوات تمثلت في تقديم الدعم المتواصل لليونان وإسبانيا والبرتغال دون كلل، أن حالة الإتحاد قد صمدت في وجه أعتى هزة إقتصادية تضرب العالم منذ عقودٍ طويلة.
أما الشعوب العربية فإن أي منها لم يتجاوز عنق الزجاجة ولم تتمكن أية دولة عربية من الخروج عن السرب العربي الموسوم بوسمة الشعوب النامية، وهي اللفظة المهذبة التي اسطلح الغرب أن إيطلقها على الشعوب النائمة التي لم تبلغ مرحلة الصحوة بعد، مع أننا نتوسم خيراً بهذا الربيع العربي المبارك الذي يعبر عن حالة الصحوة التي طال انتظارها. إذاً لا يوجد لدى أي من الشعوب العربية أية ميزةٍ تجعله يستعلى على بقية الشعوب العربية طالما أن الجميع غارقون في مستنقع التخلف والضعف الناتج عن التشرذم والرضى بدول المسخ لتكون أوطانٍ شتى كشرنقات هشة، يجلس على رأس كل واحدةٍ منها إمبراطور قزم، ليكثر الأباطرة العرب وتكثر الإمبراطوريات العظمى من المحيط إلى الخليج حتى أصبحت المنطقة الواقعة بين المحيط والخليج مستعمرة أمريكية أوربية بلا منازع لا تقوى على الصمود في وجه أية قوة غربية إلا في وجه جارتها العربية فقط. إن الشعوب العربية اليوم على المحك في وعيها وفي إدراكها وفي إرادتها وهي مطالبة برفع سقف مطالبها من المستوى التكتيكي المرحلي، إلى مستوى السقف الإستراتيجي الحيوي المتمثل بالمضي قدماً في إعلان مشروع الوحدة العربية الشاملة كمطلب جماهيري تلتقي عليه كل الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، لأن مصلحة الغني والفقير تلتقي في هذه الوحدة التي توفر للغني آفاق أوسع للغني وتوفر للفقير فرصاً عظيمةً للإنعتاق من عبودية الفقر بما ستوفره من فرصٍ للعمل، وفوق هذا وذاك فإنها توفر للإثنين فرصة العيش بكرامة وعزة وشموخ بين الأمم، وتضمن للأبناء والأحفاد دولة قادرة على توفير الأمن والإحترام أمام التكتلات الأممية العملاقة التي ستقوم بسحق كل من هو صغير، لأنها لا تريد لأحد سواها أن يكون صاحب الحق بإخراس الصغار حتى لو كانوا على حق.. لأن الكبار وحدهم الذين يملكون حق النقض.. الفيتو فهل سترضون لأبنائكم أن يستمرو في العيش في كنف الفيتو المفروض على رقابكم، أم أنكم ستصنعون لهم فيتو يخصهم في مواجهة الفيتو الذي يذلكم في كل مرة تحاولون فيه الدفاع عن حقوقكم.
زياد علان العينبوسي- نيويورك