هشام البستانيفي مبادرة نادرة، يلتفت محمود الريماوي في روايته الثانية ‘حلم حقيقي’ (كتاب دبي الثقافية، تموز/يوليو 2011) إلى هموم عالم آخر خارج عالمنا العربي، كاسراً بذلك مركزية شديدة طبعت ليس فقط المنتج الإبداعي العربي، بل تمتدّ إلى المشهد السياسي، الذي تتضامن فيه قطاعات عريضة من شعوب العالم مع قضايانا، في حين لا نسمع أبداً عن تضامن شعبي عربي مع قضايا شعوب أخرى.
يُخرجنا الريماوي من هذا التقوقع الغريب على الذات إلى بنغلاديش، ويجول بنا في أحياء دكا، ونلامس فيها بنغالاً بشراً خارج الصورة النمطية التي نحملها عن عُمّال بائسين يُستقدمون ضمن أوضاع هي أشبه بتجارة الرقيق الأبيض، إلى أماكن عمل في الخليج والأردن، متكدّسين في غرف جماعية ضيقة تفوح منها روائح بهارات الطبخ النفاذة.
الريماوي قاص خبير أصدر 11 مجموعة قصصية، لكنه في السنوات الأخيرة أخذ ينحاز إلى الرواية ‘بحكم السن الذي كلما تقدم يدفعك إلى الإطالة في السرد’، كما أسرّ لي، فأصدر ‘من يؤنس السيدة’ (القائمة الطويلة لبوكر العربية 2010) التي تتناول حياة أرملة وحيدة مع سلحفاة، واستكمل شغفه الواضح بالعوالم المعزولة في ‘حلم حقيقي’ يتشابك فيه الفقر مع تجارة الأعضاء البشرية، وكأنها ترميزٌ شفاف لتجارة البشر أنفسهم كعمالة رخيصة، يقوم بها فريق طبي أوروبي يعمل تحت غطاء تقديم المساعدات الطبية المجانية لمن لا يملكون ثمنها، فإذ بهم يساومون على أعضائهم لقاء مبالغ مالية قليلة. الريماوي صحافي مخضرم أيضاً، وهو إذ يأخذ بيد القارئ في شوارع دكا وأحيائها كأنه مقيم فيها، ويمرّ به على أعيادها ومهرجاناتها، ويُركبه وسائط نقلها، ويطلعه على تفاصيل حياتها اليومية والسياسية، فإنه يلجأ إلى مهاراته الاستقصائية باقتدار للإمساك بتفاصيل المكان وناسه. كما ينحاز إلى الصحافة في جعله بطل القصة صحافياً استقصائياً، واستعماله للغةٍ تشبه لغة الصحافة في كتابة أحداث روايته، التي تسير على نمط الروايات البوليسية (النادرة أيضاً في الأدب العربي) من حيث التشويق وبناء الحدث وتركيب الدلائل في سياق اكتشاف حل اللغز. والرواية كذلك مطعّمة بقضايا العصر: التطرّف الديني، والتقاليد المنغلقة، وقضايا النساء، والاضطرابات السياسية، والعلاقات العاطفية التي تفشل لاختلاف دين الحبيبين.
في عالم النشر، هناك الكثير من الكتب التي تناولت ‘إمبريالية’ البحث العلمي، واستعمال الدول الصناعية الكبرى للعالم الثالث كمختبرات لتجاربها ومنتجاتها، منها مثلاً ‘العلم ضد العالم الثالث’ لمحمد العربي بوقرّة (دار الفارابي، 1999) و’الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية’ من تحرير ديفيد آرنولد (عالم المعرفة، 1998)، والكثير الكثير من الكتب والوثائقيات التي تفضح الممارسات القذرة للصناعات الدوائية، لكنها المرّة الأولى التي يتناول فيها الأدب العربي مثل هذا الموضوع المهم، وهو ما يحسب للريماوي.