الرئيس الجزائري يعلن الحداد 8 أيام على ‘ابو الجزائريين’ أحمد بن بله

حجم الخط
0

كمال زايت الجزائر ـ ‘القدس العربي’: يوارى جثمان الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة التراب اليوم الجمعة بمقبرة العالية بالعاصمة الجزائرية، إذ خصصت له السلطات جنازة رسمية، يحضرها كبار المسؤولين في الدولة، وتحظى بتغطية إعلامية غير مسبوقة، علما وأن الأمر يتعلق بأول رئيس للجزائر المستقلة، وأحد رموز ثورة التحرير الجزائرية.

وكان جثمان الرئيس الأسبق قد سجي بإقامة ‘قصر الشعب’ الرسمية من أجل إلقاء النظرة الأخيرة عليه، وكان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي أعلن الحداد في البلاد لمدة 8 أيام أول الواصلين إلى قصر الشعب من أجل إلقاء نظرة أخيرة، على خصم الأمس الذي أصبح صديقا في أيامه الأخيرة، إلى درجة أنه أصبح يدعو لمنح بوتفليقة عشر ولايات رئاسية، مؤكدا على أنه أفضل رئيس بإمكانه أن يحكم الجزائر.

وتوافد على قصر الشعب عدد من كبار المسؤولين في الدولة، بدء برئيسي غرفتي البرلمان، عبد القادر بن صالح وعبد العزيز زياري، إضافة إلى الطيب بلعيز رئيس المجلس الدستوري، وأحمد أويحيى رئيس الوزراء، فضلا عن عدد كبير من رموز ثورة التحرير الجزائرية.

وبعد مغادرة المسؤولين فتحت أبواب قصر الشعب أمام المواطنين، الذين حضروا أيضا لتوديع مرحلة مهمة من تاريخ الجزائر المعاصرة.

وعنونت صحيفة’ الشروق’ صدر صفحتها الاولى بـ’وداعا ابا الجزائريين’ وخصصت للخبر صفحة كاملة سردت فيها سيرة الرجل.

وكان أحمد بن بلة أول رئيس للجزائر المستقلة قد توفي أمس الأول عن عمر يناهز ال96 عاما، وذلك بعد صراع مرير مع المرض، علما وأنه كان قد تعرض لوعكة صحية نهاية شهر شباط (فبراير) الماضي، ولازم الفراش طوال الأسابيع الماضية، وأدخل مستشفى عين النعجة العسكري عدة مرات، قبل أن توافيه المنية بمنزله الواقع بأعالي العاصمة.

وفرضت السلطات فور الإعلان عن نبأ وفاة بن بلة طوقا أمنيا مشددا حول منزله العائلي الكائن بحي حيدرة بأعالي العاصمة، إذ لم يسمح للكثيرين ممن أرادوا تقديم التعازي من أن يقتربوا من المنزل، بما في ذلك الصحافيون الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى البيت العائلي، بينما حضر عدد من كبار المسؤولين لتقديم التعازي للعائلة.

وسيوارى جثمان بن بلة التراب اليوم الجمعة بمقبرة العالية، وبمربع الشهداء، حيث يرقد رئيسي الجزائر السابقين هواري بومدين ومحمد بوضياف، وعدد من كبار رموز ثورة التحرير.

ويعتبر أحمد بن بلة أول رئيس للجزائر المستقلة أحد رموز ثورة التحرير الجزائرية، فقد ولد في عام 1916 بمدينة مغنية الواقعة بولاية تلمسان (480 كيلومتر غرب العاصمة) وقد التحق في سنوات شبابه الأولى بالجيش الفرنسي وشارك في الحرب العالمية الثانية مع القوات الفرنسية، وحصل على ترقية وعلى ميدالية عسكرية سلمها له الجنرال شارل ديغول في نيسان (أبريل) 1944. وكانت مجازر 8 أيار (مايو ) 1945 ضد الجزائريين الذين خرجوا للاحتفال بانتصار في الحرب العالمية الثانية، أملا في الحصول على استقلالهم، جعلت بن بلة يغير الكثير من المفاهيم التي كانت في رأسه، فأدرك أن السلاح هو الحل الوحيد لانتزاع الاستقلال، إذ التحق بن بلة بالعمل السياسي، اذ انضم إلى حزب الشعب ثم إلى حزب انتصار الحريات الديمقراطية، ليلتحق بالجناح السري المسلح لحزب الشعب، الذي كان يسمى المنظمة الخاصة، تحت قيادة حسين آيت أحمد.

وفي عام 1950 ألقت السلطات الفرنسية القبض عليه، وحوكم بعدها بسنتين وصدر ضده حكم بسبع سنوات سجنا، لكنه تمكن من الهرب والسفر سرا نحو القاهرة للالتحاق بمحمد خيضر، لتبدأ في أم الدنيا مرحلة جديدة بالنسبة له، كلن لها الأثر الأكبر على مستقبله، إذا أصبح مسؤولا عن المالية والتسليح أو يمكن القول حلقة الوصل بين القاهرة وبين عواصم عربية أخرى وبين الثورة الجزائرية، التي كانت بحاجة للتعريف بنفسها وبحاجة إلى دعم مادي ومالي ومعنوي. واقترب من بلة خلال تواجده بمصر من الرئيس جمال عبد الناصر، و خاصة من فتحي الذيب المكلف بالملف الجزائري في المخابرات المصرية، ووجد بن بلة نفسه مسؤولا عن توريد المال والأسلحة والذخيرة للثوار في الداخل.

وفي عام 1956 انتهى دور بن بلة في الثورة، إذ تمكنت السلطات الفرنسية من إلقاء القبض عليه رفقة أربعة من كبار قيادات الثورة، كانوا على متن طائرة كانت ستقلهم من المغرب إلى تونس، وكان الصيد ثمينا، لأن فرنسا قبضت مرة واحدة على محمد بوضياف وأحمد بن بلة وحسين آيت أحمد ومحمد خيضر، إضافة إلى مصطفى الأشرف، وحولوا إلى سجن بفرنسا بقوا فيه حتى استقلال البلاد عام 1962. وهبت رياح القدر بالنسبة لبن بلة عندما اندلع صراع على السلطة عشية استقلال الجزائر، فالحكومة الجزائرية المؤقتة التي تأسست سنة 1958 كانت ترى أنها تمثل الشرعية وأنها الأحق بالسلطة، وكانت قيادة الأركان العامة بقيادة العقيد هواري بومدين والتي كانت تسمى أيضا جيش الحدود، مقتنعة أنها الأقدر على انتزاع السلطة، لأنها كانت على رأس قوة عسكرية، والذي يمتلك الحق يمتلك القوة.

ولكن هواري بومدين بحاجة إلى شرعية أو واجهة تاريخية، فأرسل أحد رجال الثقة بالنسبة له وهو عبد العزيز بوتفليقة إلى قصر ‘أونوا’ بفرنسا لمقابلة القيادات التاريخية، وكان اختيار بومدين قد وقع على محمد بوضياف أو حسين آيت أحمد، ولكنهما رفضا استقبال مبعوث بومدين، لكن بن بلة فقفز على الفرصة التي جاءت إليه على طبق من ذهب، ومر التيار بسرعة بين الرجلين، وعاد بوتفليقة إلى بومدين طربــا وبتوصية واضحة لاختيار بن بلة.

وبعد فشل مؤتمر طرابلس في إيجاد حل للأزمة الدائرة، عادت لغة السلاح لحسم الموقف، ووقعت معارك وصدامات بين جيش الحدود الذي كان يقوده بومدين وبين ولايات الداخل، وهي حرب إضافية لا معنى لها سقط خلالها المئات من الضحايا، لكن قوة جيش بومدين حسمت الصراع، وانتزعت السلطة.

وبعد تنصيبه رئييسا للجمهرية عمل بن بلة على توطيد العلاقة مع جمال عبد الناصر، ومع فتحي الذيب الذي كان دائم التردد على الجزائر، وعاشت الجزائر في عهد بن بلة سنتين من الاحتفالات غير المنقطعة بالزعيم بن بلة ملهم الثورات والشعوب المستعمرة، وشعر أول رئيس للجزائر أن حلمه يكاد يكتمل، وأنه لم يتبق أمامه سوى التخلص ممن صنع منه رئيسا.

وبدأت العلاقة بين هواري بومدين الذي أصبح وزيرا للدفاع وبين أحمد بن بلة تتدهور، فبومدين لم يكن راضيا عن ‘الفلكلور’ الذي كانت الجزائر تعيشه يوميا، ولم يكن راضيا على طريقة تسيير البلاد، ولكن بومدين كان يدرك أن أن مفاتيح السلطة في جيبه، فرجاله وعيونه كانوا في كل مكان، والجيش كان يدين له بالولاء التام، والمخابرات بقيادة قاصدي مرباح كانت عيون بومدين على كل حركات وسكنات بن بلة.

ورغم أن بن بلة ليس في دهاء بومدين إلا أنه كان يستشعر خطر بومدين ورجاله، لكنه لم يكن يتصور أن وزير دفاعه سيقوم بأي تصرف متهور، وكان مقتنعا أن شعبيته في الداخل والخارج، تقف حصنا منيعا ضد كل من يحاول الاقتراب منه، لذا أجل الصدام مع بومدين، وبدأ يتخلص من رجاله الواحد تلو الآخر، ويضع يده على وزارة كل وزير يقيله، فأصبح هو الأمين العام لحزب جبهة التحرير ورئيس الوزراء ووزير الإعلام ووزير الخارجية، وكان عزل وزير الخارجية الشاب عبد العزيز بوتفليقة النقطة التي أفاضت الكأس.

بوتفليقة أقنع بومدين أنه الضحية القادمة لبن بلة، خاصة بعد التقارير التي كانت تصله من رئيس جهاز المخابرات قاصدي مرباح، ورغم أن وزير الدفاع كان يستشيط غضبا من تصرفات بن بلة، إلا أنه كان محافظا على هدوءه، دون أن يقول سأفعل كذا أو كذا، بل ترك الآخرين يضغطون عليه، ويطرحون أمامه البدائل، ولم يكن هناك سوى حل واحد جذري، انقلاب عسكري لإزاحته من السلطة.

بن بلة الواثق من نفسه لم يعر اهتماما كبيرا لتقارير المخابرات المصرية والسوفيتية، والتي كانت كلها تلح على أن بومدين ‘ يعد شيئا ما في الخفاء’ إلا أن بن بلة كان يرد بكل ثقة:’ بومدين في جيبي وفي الوقت المناسب سأضعه في مكان أعرفه جيدا’. ولكن بومدين كان أسرع وأكثر حزما، ومفاتيح السلطة كانت في جيبه، ففي فجر 19 يونيو/ حزيران 1965 كان الطاهر زبيري قائد أركان الجيش الذي عينه بن بلة يقرع باب غرفة نوم الرئيس بإقامته ‘فيلا جولي’، ويخبره أن مجلس الثورة قرر عزله، ليوضع هذا الأخير في إقامة جبرية إلى غاية 1980، ومر الانقلاب دون انتفاضة شعبية، عدا بعض الاحتجاجات في شرق البلاد، لكن الانقلاب لم يكن دمويا، وكان رجال بومدين سريعي البديهة مدربين جيدا وحافظين لأدوارهم بدقة.

وبقي بن بلة في الإقامة الجبرية حتى وصول الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد إلى الحكم في عام 1979، وغادر بعدها بن بلة الجزائر نحو فرنسا ليؤسس حزبا معارضا (الحركة من أجل الديمقراطية) ثم انتقل إلى سويسرا، و عاد نهائيا إلى الجزائر عام 1990 بعد الإعلان عن فتح الباب لتعددية سياسية، وفهم بن بلة سريعا أن شعبيته التي كان يعول عليها لن تفتح له باب السلطة مجددا، واسمه لم يطرح، حتى عندما كان النظام في أزمة، وبحاجة إلى شرعية تاريخية، فالخلف الذي تركه بومدبن في الجيش لم يشأ أن يغامر مجددا، ومن سخرية القدر أن الرئاسة في عام 1992 عقب استقالة الشاذلي بن جديد، عادت إلى محمد بوضياف التي رفضها في بداية ستينات القرن الماضي.

ورغم أن عبد العزيز بوتفليقة كان السبب في تولي بن بلة السلطة وكان السبب أيضا في عزله، إلا أنه بعد وصوله إلى السلطة عام 1999 قرر طي صفحة الماضي، وعقد مصالحة مع الرئيس بن بلة، وألغى الاحتفالات الرسمية السنوية بذكرى الانقلاب على بن بلة، وعمل على تعيين بن بلة على رأس لجنة حكماء الاتحاد الإفريقي، وظل حريصا على رعاية بن بلة، وهو الأمر أيضا الذي جعل بوتفليقة يقرر أن يجعل لبن بلة جنازة رسمية تليق بمقامه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية