جيش الاسد حول مدينة حمص لنسخة جديدة من بيروت بعد الحرب الاهلية ومن مدينتي غروزني وغزة عام 2008لندن ـ ‘القدس العربي’: مع بداية تطبيق خطة عنان ووقف اطلاق النار تتجه العيون على دولتين هما روسيا وتركيا، الاولى الداعم الرئيسي للرئيس بشار الاسد والثانية المتضررة الكبرى من الحرب الاهلية والتي ادت الى لجوء الالاف من السوريين الى اراضيها.
ويجمع المحللون على انه حتى تغير روسيا موقفها فيجب ان تفشل خطة عنان، كما ان تدخلا عسكريا تركيا في سورية يتطلب خرقا سوريا للسيادة التركية. وفهم المحللون تأكيد طيب رجب اردوغان رئيس الوزراء التركي خلال زيارته للصين ان تركيا لن تتردد باتخاذ كل الاجراءات بعد حادث اطلاق النار من الجانب السوري، على انه تهديد بعملية عسكرية. وتظل تركيا متضررا من الازمة بخلاف روسيا التي اعادتها الازمة الى لاعب في السياسة الدولية.
واستطاعت موسكو تغيير الخطاب حول الازمة ومنعت حتى الان ‘التدخل في شؤون الاخرين الداخلية’ وافشلت كل المحاولات التي طالبت برحيل الرئيس بشار الاسد، واستطاعت تأكيد رواية عن تحمل الطرفين مسؤولية الاحداث، النظام والمعارضة حيث وجهت للاخيرة دعوة لزيارة موسكو والتباحث معها في وقت لاحق من الشهر الحالي. ويرى معلقون ان الصين حتى الان تتبع خط روسيا وانهما عملتا قدر الامكان من اجل اتخاذ قرارات لينة ضد سورية. وظل اصرارهما مرتبطا بمبادرة عنان التي يعرف الجميع انه محكوم عليها بالفشل على الرغم من التزام النظام وتأكيده لكوفي عنان مهندس المبادرة بالنيابة عن الامم المتحدة والجامعة العربية.
وحتى لو استمر وقف اطلاق النار فمبادرة عنان تحمل في داخلها عناصر الفشل لانها لا تتعدى عن محاولة لتهدئة الاوضاع ولن تؤدي في النهاية الى توقف الانتفاضة. فالخطة تدعو من ضمن ما تدعو اليه السماح بالتظاهرات السلمية وهذه ان خرجت تعني نهاية النظام. ومنذ بداية خطة عنان، ظل المسؤولون في الدول الصديقة لسورية يتساءلون عن ماهية الخطوة القادمة، التي ربطوها بالموقف الروسي، حيث قالت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون اثناء اجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول الثماني الذي انعقد في واشنطن انه ان كانت روسيا ترغب في تجنب حرب اهلية وحرب اقليمية فعليها الانضمام للدول المعارضة للاسد لان مجرد دعمها له يبقيه في السلطة ومجهزا باحدث الاسلحة. روسيا الواثقةلكن روسيا الواثقة من نفسها ترفض حتى الان الاستجابة لهذه الدعوات لاعتقادها انها قادرة على حل الازمة السورية، خاصة ان الجامعة العربية والدول الصديقة لسورية استبعدتها من الحل، وفشلت هذه الدول من فهم مخاوف روسيا على مصالحها الاقليمية وفي سورية تحديدا، صفقات اسلحة وقواعد عسكرية. وفي اطار اخر يرى فيدورلوكيانوف المحلل السياسي في موسكو ان الاخيرة من اجل دعم موقعها المتميز الان فهي بحاجة الى تحقيق انتصار دبلوماسي، حسبما نقلت عنه ‘نيويورك تايمز’. وتضيف الصحيفة ان عددا من العواصم الغربية التي تشهد انتخابات رئاسية هذا العام تفضل التخفي وراء التعنت الروسي نظرا لان الخيارات المتعلقة بسورية محفوفة بالخطر. وكانت صحيفتا ‘واشنطن بوست’ و’الغارديان’ اتهمتا ادارة اوباما بتغطية نفسه بغطاء من الحلول العبثية للازمة وانتقدت غياب موقف متماسك من ادارته حول سورية. وفي وقت تحضر فيه الدول الغربية الان لمشروع قرار واثقة من امكانية تمريره في مجلس الامن خاصة ان روسيا والصين وافقتا على خطة عنان، فان الطرف الاخر من المعادلة السورية، تركيا يمكنها ان تغير من قواعد اللعبة ان قررت الدخول وبقوة وتجاوز ترددها. فتركيا يمكنها التأثير على الموقف الروسي في حالة قررت اقامة منطقة عازلة على طول حدودها الممتدة على مسافة 550 ميلا، كي تفتح المجال امام اللاجئين والمقاتلين للتدرب وتنظيم صفوفهم وتلقي الاسلحة التي ستهرب او تشترى من السوق السوداء، مما يعني ضرب محاولات موسكو لمنع التدخل الاجنبي. ومثلما ينظر الى خطة عنان بانها وقتية فانشاء منطقة عازلة لا يعني انهيار النظام في فترة قصيرة، لان جيش سورية الحر لا يزال يفتقد للقيادة المركزية والجنود المدربين على استخدام الاسلحة بشكل يؤهله للاطاحة بالنظام، كما انه يعاني من نقص من المال والسلاح، ولم يتلق اية مساعدات من السعودية وقطر على الرغم من الوعود التي تعهدت بها الرياض. وبنفس السياق فان رفض الناتو لفكرة التدخل في سورية على الطريقة الليبية يعني ان اي قرار جديد من مجلس الامن وبموافقة روسية وصينية لن يتعدى فرض عقوبات دولية وحظر بيع الاسلحة واحالة رموز النظام لمحكمة جرائم الحرب. ولن تنفع هذه الاجراءات طالما بقي النظام متماسكا والمعارضة ضعيفة.
ونقلت ‘لوس انجليس تايمز’ عن تشارلس ريس قوله ان النظام السوري اظهر حتى الان تماسكا، مشيرا الى ان العقوبات الاقتصادية وان اضرت بالنظام لكنها لم تؤد الى دفعه لتغيير سياساته. وحتى تنفع العقوبات فقد يقوم ‘المجتمع الدولي’ بارسال رسائل لرجال الاعمال والقادة في الحكومة انهم هم المتضررون من علاقتهم مع النظام، وعليهم اختيار المعسكر الصحيح قبل ان يفوت الاوان. ويرى ان ما يجب فعله هو تقسيم معسكر الاسد والتأكيد لقادته من انهم سيكونون وعائلاتهم في مأمن حالة اختيارهم طرف المعارضة. ويعتقد ان هذه الحرب النفسية قد تنفع.
قدر سورية العثمانيوتعليقا على الدور التركي كتب المحلل تيموتي غارتون آش في ‘الغارديان’ مقالا قال فيه ان الغرب يسلم عمليا سورية الى تركيا، حيث كانت سورية قبل الحرب العالمية الاولى جزءا من تركيا العثمانية. وبتخلي القوى الغربية عن التدخل الانساني فانه يفتح المجال امام القوى القديمة التي تصارعت على المنطقة من قبل لتحقيق مصالحها الاقتصادية والعسكرية، مضافا اليها انها ستصبح ميدان صراع طائفي وايديولوجي متمثلا بين ايران الثورية والسعودية، اضافة لروسيا وتركيا التي تحن الى ماضيها الاستعماري. ويعتقد ان تركيا لديها مصالح اكثر من بقية الدول الاخرى، فهناك علاقات اقتصادية وتجارة حرة بين البلدين، ومشاكل الارث الاستعماري والاثني والذي اكد وجود عرقيات على جانبي الحدود، اكراد وعلويون.
اما الجانب الاهم في العلاقة فهو تدفق اللاجئين من سورية وهو ما اعاد فكرة اقامة معبر آمن، وفي ضوء اطلاق النار فتركيا تستطيع تحقيق اقامة المعبرالامن بدون مشاكل قانونية، فحسب محللين فانقرة يمكنها استخدام المادة الاولى من اتفاق اضنة الموقع عام 1998 والذي ينص على ضرورة منع سورية ‘لاية نشاطات تبدأ من داخل اراضيها وتشكل تهديدا على امن واستقرار تركيا’ (المقصود هنا الاكراد). ويقول الكاتب انه عندما كان في اسطنبول سمع بعض الشائعات التي تقول ان القوات الخاصة تقاتل الى جانب قوات جيش سورية الحر. ويرى ان انشغال الغرب القوي عسكريا ـ فرنسا وامريكا بالانتخابات الرئاسية وبريطانيا باقتصادها يفتح المجال لتركيا وغيرها لاعادة تأكيد مصالحها في سورية. وربط الكاتب في بداية مقاله بين وفاة نصل شاه عثمان اغلو، اخر حفيد لاخر سلطان عثماني، عبدالمجيد الثاني، واطلاق الجيش السوري على لاجئين سوريين في جنوب تركيا. ويقول غارتون اش ان الربط قد يبدو غريبا لكنه مفهوم لان سورية حتى الحرب العالمية الثانية كانت جزءا من الامبراطورية العثمانية او ما تبقى منها. فتركيا الحديثة هي دولة ذات ‘عمق استراتيجي’ يمنحها موقعها المتوسط بين الغرب والشرق والممتد الى آسيا الوسطى دورا مهما كي تلعبه. ويقف وراء هذه الفكرة وزير الخارجية التركي احمد دواد اوغلو الذي قال انه ليس وزير خارجية دولة وطنية. حمص المدمرة وفي سياق مختلف كشفت صور نشرتها صحيفة ‘اندبندنت’عن حجم الدمار الذي حل بمدينة حمص، حيث ذكر الدمار بصور بيروت اثناء الحرب الاهلية وغروزني اثناء الهجوم الروسي عليها، في سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي. وتظهر الصور كيف تحولت بنايات المدينة الى انقاض جراء القصف المتواصل واطلاق الصواريخ، كما اظهرت البيوت المحروقة والسيارات التي تحولت الى قطع من الحديد. وتظهر احدى الصور صبيا يجلس بين الانقاض وهو ممسك بما تبقى من دراجته الهوائية.
ونقلت الصحيفة عن مواطن في المدينة عاين الدمار قوله ان مبادرة عنان ميتة من الاصل وان النظام ظل يقصف المدينة حتى ساعات قصيرة من موعد اطلاق النار. وتبدو البنايات في جورة الشياح، احد احياء حمص وقد انهارت اجزاء منها، فيما تتناثر الحجارة والانقاض في الشوارع الفارغة من السكان. وفي صورة اخرى تبدو البيوت وعليها اثار زخات الرصاص.