عناية جابر
حدث أمر لم أستسغهُ. لم أقبلهُ. غالباً ما تحدث الأمور لكن هذا أمضّني وطرحني صريعة أفكار مريضة وصعبة.
في المصعد الذي جمعنا رئيسي في العمل وأنا، قال لي: ما رأيك بعطلة، اظنك تحتاجين عطلة؟ اللحظة الوجيزة التي استغرقها المصعد في حملي الى الطابق الثالث حيث مكتبي، لم تسمح لي بالوقوف على الغاية الفعلية من جملته. في ما بعد، وبعد طول تفكير، عجزت ايضًا عن أن أخمن قصده في ذلك. هذا بمعزل كليًا عن حقيقة أني احتاج فعلا هذه العطلة.
ماذا لو تأخذين عطلة؟ لست أدري إن كان رئيسي في العمل منزعجاً ربما من بعض ما أكتبه، فأنا للحق، غريبة بعض الشيء ومزاجية. ان الإيحاء لي بأني محتاجة لعطلة لا يُعقل سوى أن يكون تهكميًا تمامًا، لأنني نادرًا ما بدوت مشرقة كالصباح الذي عاجلني فيه بتلك النصيحة، كما وأقل هزالا مما إعتاد جسمي من هزال، وفوق هذا يليق ببشرتي ولون عينيّ ‘البرونزاج’ الذي كنت قنصته من الشمس، قبل ان تتلطى هذه خلف الضباب الخانق الذي يلّف بيروت الآن. لاحقاً، في فترة الغداء، قصدتُ مطعمًا بعيدًا عن مكان عملي، لم أكن قصدته سابقا. وحيدة وكئيبة كلما فكرت بجملة رئيسي. كان عموماً حاذقاً ومقتــــصدًا في الكلام. هل اتفق انه رآني على غير ما أرى نفسي، مرهقة مثلا أو أجرجر الخطى؟ ابتسامته قهرتني، ذلك انني في مجال عملي لا اتأخر البتة عن أيّ أمر كما يعرف هو نفسه جيدًا. مجتهدة الى مواضيعي، غير غفلة عن الاحداث المعنية بما اتناوله وأقاربه في كتاباتي…. أكثر من نصف ساعة بقيت أنتظر أحدًا ما هنا يخدمني. المطعم فارغ إلا مني، فما الذي ينتظره اولئك للتقدم اليّ وسؤالي عما ارغب بتناوله. إن هذا لم يحصل معي قبلا. بيد ان انشغالي بالتفكير بجملة رئيسي جعلني متريثة عن غير قصد. النادل الذي اقترب اخيرا وضعني امام اختيار وحيد معتذرا عن عدم توفر مطلق صنف طعام آخر: الصحن اليومي صيادية ولا شيء آخر ـ قال لي ـ لا شيء آخر كأنه يشتمني. عدا عن انني نباتية لا أقرب اللحم ولا الدجاج ولا الأسماك، فانني خشيت من حالات التسمم التي تصيبني فيما لو اكتفيت بتناول الرز فقط، بعد عزله عن السمك. غير ان همومي كانت في تلك اللحظة في مكان آخر. لا بأس- قلت للنادل – بيد ان ما اغاظني من جديد، معاودتي التفكير في التأخير الباهظ الذي لحقني، من أجل أن يأتي الغرسون أخيراً ويحشرني بأكلة، الله وحده يعلم عواقبها عليّ.
ثم انني بقبولي الهّين هذا بالصيادية فحسب، بدوت حمقاء تماماً. ببساطة، نسيت بعد لحظة قصة الصيادية هذه. كان تفكيري في مكان آخر كما سبق وذكرت، وليس الأكل سببا للتعكر لأكثر مما انا متعكرة في الأساس. للحق، قبولي الأرعن بالمتوفر الذي عرض عليّ أضعف ثقتي بنفسي. في النهاية، وبالنسبة لجملة رئيسي في العمل، لا يحدث ان لديّ اي سبب للشعور بالنقص، فأنا أقوم بواجبي. صحيح ان ليس لديّ أي اوهام او طموح لأكون مبدعة، بيد أني أنجز الكثير، وان ما تحققه محررة مثلي، تكتب في النقد الأدبي والموسيقي والغناء، لهو الي حد بعيد أكثر فائدة من كتابة الافتتاحيات السياسية. إني أُشرفُ على روح البلد الثقافية، ومنها يستدرك القارئ الحال السياسية، بالتأكيد.
هل أعجبتك الصيادية؟ – سألني الغرسون – قلت لا بأس. قلت ذلك رافضة خوض أي حوار. كنت مستعدة لإرتكاب جريمة من دون دم، جريمة صغيرة أعني كأن أكفّ عن التنفسّ مثلاً وينتهي أمري في الحال. كنت أعي جيدًا أن نكهة الصيادية فاسدة فاسدة وفيها طعم غريب، بيد أني لم أرغب في الشروع بالشكوى. كان تفكيري في مكان آخر. فعلت في حياتي أشياء كثيرة جيدة، حررتني من الشعور بالذنب. لماذا يريدني ان آخذ عطلة؟ استدعيت النادل بنزق، لديّ تلك الرغبة في أذية أحد: الصيادية كانت مقرفة يا عزيزي، ثم انكم تأخرتم كثيرا عن سؤالي عما اريده. قفل راجعا مقهوراً الى خلف الكونتوار في الزاوية، فيما وجدتني مفعمة بالراحة، كأنني ألقيت ثقلا لبث رابضًا علي صدري طوال النهار.
لولا جملة رئيسي التي ما تزال تلّح على روحي، لكنت سعيدة الآن تماما. ليس بمقدوري على الدوام وضع افكاري في كلمات، غير انني لم آسف علي ما قلته للنادل، فهو ما كان ليأسف لاجلي لو عــــرف ان رئيسي قد عرض علّي أن آخذ عطلة. كم من الناس الذين ألتقيهم يهتمون في ما اذا كنت استمتع بمشاعري، ام تضيق عني الدنيا كلها. أنا ايضا لن أهتم بهم.
تبدين وكأنك… انها فقط تلك الملاحظة المجنونة التي وجهها اليّ أبو ابراهيم حارس البناية حيث أسكن، واذا بجملة رئيسي واضحة الآن، عطوفة ومحبة.