عجائب وأهوال سياسة قلب المعاني

حجم الخط
0

نصر شمالي يحتلّ أسلوب قلب المعاني موقعاً رئيسياً في ثوابت الخطاب الاستعماري، فهو برز على الدوام في خطابات المستشرقين الأوروبيين واضعي أسس المركزية العنصرية الدولية، واستمرّ متصاعداً حتى يومنا هذا، أمّا هدفه الأول فهو جعل الضحية مجرماً وجعل المجرم ضحية! ولقد شاع أسلوب قلب المعاني ليدخل في خطابات صنائع المستعمرين، وهاهو آرييل شارون يصرّح في العام 2005 أنّ الإسرائيليين يعانون من الإرهاب الفلسطيني/العربي منذ العام 1900، وأنهم سيواصلون حربهم ضدّه.

في فترة البداية تلك، التي حدّدها شارون كنقطة انطلاق لحربه المفتوحة ضد ‘الإرهاب’ الفلسطيني/العربي، قال تيودور هرتزل في خطاب أمام المؤتمر الصهيوني ما يلي: ‘من هذا المكان (من لندن) ستنطلق الحركة الصهيونية إلى آفاق أبعد وأبعد، فبريطانيا العظمى الحرة، التي لا يغيب بصرها عن البحار السبعة، سوف تفهمنا، وإنّ المركز الطيب الذي ما يزال يحتله اليهود الإنكليز (في إنكلترا) وتمسكهم الفخور بأصلهم القديم، كل ذلك يجعلهم في نظري الرجال الجديرين بتحقيق الفكرة الصهيونية’ هذا ما أعلنه هرتزل في ذلك التاريخ، فهل اغتصاب أوطان الشعوب وتدميرها وتشريدها هو ما قصده شارون بحرب المائة عام ضدّ الإرهاب؟.

والحال أنّ فكرة الوطن القومي اليهودي، التي هي في الأساس فكرة إنكليزية غير يهودية، قوبلت بمعارضة قوية وواسعة من اليهود الإنكليز، دفاعاً عن مصالحهم كإنكليز من جهة واعتراضاً على حلول شعب غريب محل شعب فلسطين من جهة أخرى، غير أنّ صهيونياً إنكليزياً غير يهودي، هو اللورد آرثر بلفور صاحب الوعد الشهير، كان مصمماً على فكرة الكيان اليهودي في فلسطين، ولذلك أعدّ في وقت سابق للوعد، في عام 1905 وبصفته رئيساً للوزراء، مشروع قانون خاص بالأجانب يحدّ من دخول المهاجرين اليهود إلى بريطانيا ويدفع بهم إلى فلسطين، وناضل شخصياً من أجل تمرير هذا القانون في البرلمان، موضحاً أنّ لكل بلد الحق في اختيار المهاجرين إليه، وأنّ مصائب لا شك فيها حلت ببريطانيا نتيجة تدفق المهاجرين اليهود إليها فهل العام 1905 الذي صدر فيه قانون بلفور ضدّ هجرة اليهود إلى بريطانيا هو بداية المائة عام من الحرب ضدّ الإرهاب التي تحدّث عنها شارون؟.

وفي شهر تموز/ يوليو عام 1952 صرح ديفيد بن غوريون رئيس وزراء الكيان الصهيوني لصحيفة ‘كمفر’ اليهودية النيويوركية بما يلي:’ إنني لا أخجل من الاعتراف بأنني لو كنت أملك القوة إضافة إلى الإرادة لانتقيت مجموعة من الشباب (اليهود) الأقوياء والأذكياء والمخلصين لأفكارنا، وأرسلتهم إلى البلدان التي بالغ فيها اليهود بالقناعة الآثمة (يقصد الذين رفضوا الهجرة إلى فلسطين المحتلة) وستكون مهمة هؤلاء الشبان التنكر بصفة أشخاص غير يهود، ورفع شعارات معاداة السامية، وبذلك أستطيع أن أضمن أنه من ناحية تدفق المهاجرين إلى ‘إسرائيل’ من هذه البلدان سوف تكون النتائج أكبر بعشرات آلاف المرات من النتائج التي يحققها آلاف المبعوثين الذين يبشّرون بمواعظ عديمة الجدوى’ فهل هذه هي الحرب التي يخوضها الإسرائيليون ضدّ الإرهاب منذ مائة عام؟.

وبتاريخ12/6/1974 كتب دان بن عاموس في صحيفة هاعولام هازيه يقول:’ توصلت أخيراً إلى أنّ التجربة الصهيونية أفلست، وأستطيع إثبات ذلك، فهل كان من المفيد والمجدي ترك عدة ‘غيتوات’ لنبني غيتو كبيراً واحداً؟ بعد حرب يوم الغفران أصبحت من كبار المتشائمين، لأن فرص السلام انتهت، فالعرب لن يقبلوا بنا أبداً كرأس جسر غربي، ولذلك، بعد أن ذاقوا حلاوة انتصار جزئي، وبفضل ما يملكونه من القوة الاقتصادية الهائلة، فإنهم لن يستريحوا حتى يتموا تصفيتنا من وسطهم قد يعقدون اتفاقات معنا، وقد يتعايشون معنا لخمس أو عشر سنوات، وسوف يتعلمون من أخطائهم السابقة، ثم في النهاية يجمعون قواهم كلها لتصفيتنا تصفـــية أبدية، ولذلك على أي إنسان عاقل التفكير بالهجرة والاندماج في أماكن أخرى، فلماذا يتوجب أن نهتم بأمة يهــــودية؟ لماذا لا يفكر كل شخص بنفسه؟ إنني شخصياً، لو كنت في سن العشرين أو الثلاثين، لغادرت منذ زمن بعيد، لكني في سن لا تسمح لي ببداية حياة جديدة’. في عام 1982 أقامت المنظمة الصهيونية الفرنسية الدعوى ضدّ روجيه غارودي بتهمة معاداة السامية وإثارة التمييز العنصري، فشرح غارودي للمحكمة أنّ الحركة الصهيونية التي أسسها هرتزل أدينت عند تأسيسها من قبل جميع حاخامات العالم الذين رأوا فيها خيانة للإيمان اليهودي، لأنّها لا تنبثق من هذا الإيمان بل من القومية الأوروبية والاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر. قال غارودي للمحكمة: مثل كلّ استعمار، ومثل كلّ نظام احتلال، وكما عشنا ذلك في فرنسا تحت حكم هتلر، يسمّي الصهاينة القمع محافظة على النظام، ويسمّون المقاومة إرهاباً.

تساءل غارودي: هل أنا في حلم، أم أنّ تخدير العقل الإنساني الناقد بات كابوساً جمعياً؟ هل هو انتصار اللامعنى؟.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية