أفكار الأمم البسيطة في سورية المعقدة

حجم الخط
0

مالك’التريكيانهزم الحزب الاشتراكي الفرنسي في الانتخابات البرلمانية عام 1993، فاضطر الرئيس فرانسوا ميتران، قبل عامين من انتهاء ولايته الأخيرة، إلى تقاسم السلطة مع حكومة يمينية برئاسة ادوارد بالادور. كانت تلك تجربة ‘المساكنة’ الثانية بعد مساكنة أولى، من عام 1986 إلى 1988، مع حكومة جاك شيراك. وقد كانت النقاشات تتركز آنذاك حول ما إذا كان ادوارد بالادور سينجز وعده لرفيق دربه جاك شيراك بعدم منافسته على أصوات اليمين في انتخابات الرئاسة عام 1995، وحول ما إن كان السياسي الاشتراكي المرموق، رئيس المفوضية الأوروبية، جاك ديلور سيلبي رغبة صديقه ميتران في أن يكون هو حامل لواء الحزب الاشتراكي. وبينما كنا يوما خائضين في هذا النقاش: من سيكون الفائز، شيراك، أم بالادور، أم جوسبان؟ بينما كنا كذلك، إذا بصديق صحافي سوري من الظرفاء يقول: لا تتعبوا أنفسكم في كثرة التحليلات والتكهنات، فإنها لن تكون إلا من نصيب… باسل!

كان باسل الأسد آنذاك ابن أبيه. كان ملء السمع والبصر. أمل سورية المستقبل وزعيمها المنتظر. إلا أنه ما لبث أن كان، منذ أوائل عام 1994، من القصة ما تعرفون، ومنذ منتصف عام ألفين من الإصلاح والانفتاح على يدي شقيقه ما تشهدون. لهذا لن يكون من الصعب التنبؤ بهوية الفائز بانتخابات الشهر القادم في فرنسا. إذ يمكن من اليوم الجزم بأنها لن تكون إلا من نصيب بشار… ذلك أن الأكيد أن مستأجر قصر الاليزيه الجديد، أيا كان، سوف لن يأتي إلا وبشار جالس في مكانه الرئاسي لا يريم. هذا، على ما يبدو، هو ما انقشع عنه غبار ‘اللعبة الكبرى’: لعبة الأمم المنهمكة في أزماتها الدائمة وانتخاباتها الدوارة، والمنشغلة بنفطها (اللاموجود هنا) وبإسرائيلها التي رأت في ما يرى النائم شعوبا وقبائل من الأعداء الأصوليين الزاحفين، فصاحت بأمم الغرب التي أجفلها فرط الانفلات الشعبي: أن ‘تمسكوا بمشؤومكم لا يأتينّكم من هو أشوم منه’. ولأن هذه الأمم ‘متحدة’ في تكرار الإنذار تلو الإنذار الدبلوماسي، وفي عدم التفريق بين حالات تقرير المصير، ليبية كانت أم كوسوفية أم سورية أم بحرينية، ولأنها عليمة بأن عنان رجل طيب في المنصب وأنه أطيب خارجه، فقد أوكلت إليه أمر خوض معركة تربيع الدوائر منفردا بعد أن دججته بأحدث جيل من أسلحة ‘الأفكار البسيطة في الشرق المعقد’: ما عليك إلا أن تستحلف كل من صادف أنه مستعد لأن يحلف… على ألا تتأخر في استخلاص النتائج إلا بقدر ما يلزم من وقت لكتابة التقرير وترجمته إلى اللغات المعتمدة.

ولا ينتاب هذه الأمم قلق مبالغ فيه بشأن ‘السلام والأمن الدوليين’ إلا من احتمال وحيد، هو أن تهاجم دولة القنبلة النووية الافتراضية دولة الرؤس النووية الفعلية التي لا تعدّ حتى لا تحصى. ذلك أن الدولة الأولى تلتزم بقواعد لعبة حظر الانتشار النووي التزاما منقوصا وربما تظهر غير ما تضمر لمستقبل وشيك جدا- مستقبل بلغ من شدة قربه أن ‘الخبراء’ ثبتوا منذ عام 1999 على الإنذار بأن القنبلة الإيرانية سوف تنتج في غضون عام أو عامين على أقصى تقدير. أما الدولة الثانية، فإن الحكم سعيد هانىء بأنها تزدريه كل الازدراء لأن لديها عذرا غير قبيح، هو أنه لا علم لها بوجود لعبة حظر الانتشار هذه أصلا، ناهيك عن التزام قواعدها واجتناب محرماتها.

كما لا ينتاب ‘المجتمع الدولي’ قلق زائد عن الحاجة بشأن الاستقرار الإقليمي، باعتبار أن الضغوط الدبلوماسية سوف تفعل فعلها. وإن لم يكف ذلك، فإن سلاح العقوبات الاقتصادية سوف يحدث الأثر المطلوب بنفس النجاعة المجربة مرارا وتكرارا على مدى عقود وعقود، خصوصا في كوبا وفي كوريا الشمالية. ولعل مما يعزز هذا الاعتقاد المسطح تسطيح الأرض ما قبل الكوبرنكية أن العقوبات تشمل هذه المرة ما لا يمكن أن تقوم للطغم الحاكمة معه قائمة: حرمان الأمهات والزوجات من متعة الحج إلى ‘بلد الجن والملائكة’ وما جاوره أو شابهه من بلدان الإدمان على الأفراح والمسرات! ورغم أن حلف الأطلسي لم يعد متحالفا إلا مع رغبة كبار القوم في عدم الانجرار إلى تدخل عسكري تنادي بوجوبه تركيا الفتاة، فإنه لا يزال تاركا أمر إطلاق التصريحات مفتوحا على نقائض الاحتمالات، حتى بلغ الأمر بالمؤرخ البريطاني تيموثي غارتون-آش أن يقول إن القوى الغربية قد استسلمت و’أسلمت سورية إلى مصير عثماني’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية