المتحولون وعندما ترشح عمر سليمان رئيساً!

حجم الخط
0

سليم عزوز جاء تقدم عمر سليمان نائب الرئيس المخلوع بأوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية في مصر فرصة لأن تكشف ‘ الثورة المضادة’ عن وجهها القبيح، وأن تسقط الأقنعة، بعد ظلنا أكثر من عام في حالة سيولة غطي خلالها ‘ الزيت على الفول’، وركب فيها كثيرون قطار الثورة، وأطلقت فضائية اتخذت من اسم أهم ميادينها اسماً لها، وقد راعني أن عضواً في لجنة السياسات بالحزب الحاكم ‘المنحل’، والتي كان يرأسها ‘ المحروس’ جمال مبارك يقدم برنامجاً فيها. فقد ظن بعض المحسوبين على الثورة ان بإمكانهم أن يمنحوا صكوكها لأصدقائهم، وعرفت مصر ‘ظاهرة المتحولون’، بالشكل الذي شاهدنا فيه احد رؤساء تحرير الصحف القومية، الذي يعلق الثوار صورته ضمن الفلول في كل مليونية، وهو يتحدث باسم الثورة، ويجلس بالقرب من ميدان التحرير على احد المقاهي في كل المليونيات ليعطي الثوار دروسا في كيفية الصمود باعتباره تربى في مدرسة الناصرية!. أقرأ هذه الأيام كتاب ‘ الثورة الآن’ لسعد القرش، بعد أن انتهيت من قراءة كتاب عبد اللطيف المناوي، رئيس قطاع الأخبار السابق بتلفزيون الريادة الإعلامية ‘ الأيام الأخيرة لنظام مبارك’، وهو كتاب يحاول فيه المناوي أن يغسل سمعته، ولم ينس أن يواصل مهمته في تشويه الثورة، امتداداً لنفس السيناريو الذي قام به تلفزيونه، وباعتبار أن ما حدث كان بدعم خارجي، وان الأجانب كانوا في ميدان التحرير يحرضون الناس على الاستمرار والتخريب، وذلك يأتي في سياق تبريره للدور السيئ الذي قام به، كما برر عدم تغطية التلفزيون لما كان يحدث في الميدان بشكل طبيعي بأن كاميراته كانت ممنوعة من دخوله وهذا يقودنا إلى السؤال ‘ الاستراتيجي’ الدجاجة أم البيضة؟!

فالمنع جاء بعد أن قاد تلفزيونه حملة التشهير بالثورة، ووصف من في ميدان التحرير بأنهم مئات لا أكثر، ومع هذا ففي أكثر من موضع في الكتاب تبين أن التلفزيون له كاميرات تصور الميدان يعتمد علىها، ومع هذا كان حريصاً على ألا ينقل الصورة كاملة.

أذكر أن عدداً من الشباب حاولوا طرد احدى الكاميرات من الميدان، حجتهم في هذا أنها تصور لصالح تلفزيون عبد اللطيف المناوي وشريكه انس الفقي، وقد قمت ومجموعة من الزملاء بحماية صاحبها، وأفهمناهم انه ليس من سلطة احد أن يتدخل في عمل إعلامي، وانه في النهاية هو وضميره، عندما قالوا أنه يركز في عمله على زاويا في الميدان خالية من المتظاهرين، وأنهم تتبعوه واكتشفوا هذا.

فلم يكن الوقوف على الحقيقة صعب، وإذا تم منع كاميرات التلفزيون المصري فهناك الصور التي تبثها وكالات الأنباء، لكن صاحبنا عبد اللطيف كان يتحرك بدوافع الغرض الذي هو مرض، وهو يبرر لما فعله ضد الثورة، ومع هذا أسقطت نظاماً فشل تلفزيونه في حمايته. ولم يمل عبد اللطيف المناوي من التأكيد على ان انحيازاته كانت للدولة، وانه لم يكن يعمل لصالح فرد أو أسرة أو نظام، وكرر عشرات المرات انه كان مشغولاً بأن يكون تلفزيونه تعبيراً عن الدولة المصرية، وليس تابعاً لنظام أو لحكم، وكأنه يظن بنا ظن السوء، اعتماداً على أن ذاكرة الناس ضعيفة!

فقد كان جلبه من خارج مبني ماسبيرو، هو تدشين لمرحلة جديدة في تاريخ تلفزيون الريادة الإعلامية، انتقل فيها من مرحلة تلفزيون السلطة، إلى مرحلة تلفزيون الحزب، الذي تم اختزاله في لجنة السياسات، واختزال اللجنة في شخص جمال مبارك، وبدت مهمة المناوي هي تلميع جمال مبارك والتمهيد لعملية النقل الآمن للسلطة من الأب إلى الوريث، وكانت نشرة الأخبار هي نشرة أخبار العائلة، تبدأ بخبر عن الأب، فخبر عن نشاط الزوجة، فخبر عن الابن. وفي السنوات الأخيرة كان تلفزيون ‘ الدولة’ ينقل وقائع مؤتمر الحزب الحاكم وعلى مدى ثلاثة أيام، والذي كان يعقد سنوياً ويظن المرء أن مصر تعيش في عيد بسببه، وفي حالة من المد الوطني، إذ يبث ‘ تلفزيون الدولة’ الأغاني الوطنية، كما لو كنا نعيش مرحلة الانتصارات الكبرى.’ الثورة الآن’المناوي يلعب على ذاكرة الناس فهل هي فعلاً ضعيفة؟!

من هنا تأتي أهمية كتاب ‘ الثورة الآن’ لسعد القرش، والذي ظننت وانا اقرأ مقدمته الطويلة نسبياً ان الزهايمر قد تمكن مني، ومثلت الثورة خطاً فاصلاً فلم اعد أتذكر كثيراً من المواقف قبلها، فالذين كتبوا يهاجمون نظام مبارك ويقولون فيه ما قال مالك في الخمر، كانت لهم كتابات قبل الثورة بأيام يرفعون فيها مبارك إلى مصاف الآلهة، وأحد الأشخاص جاء إلى الميدان ضمن ما سمي حينها بلجنة الحكماء اعتماداً على وجود رجل له قدره واحترامه هو الدكتور احمد كمال أبو المجد على رأسها، كان هذا الشخص هو عضو في لجنة الثقافة بلجنة السياسات لصاحبها جمال مبارك، فضلا عن عدد من الأسماء الأخرى، وبعضها الآن يجري تقديمه إعلامياً على انه ولي أمر الثورة!. وفي مجال العمل التلفزيوني، فقد كان نجومنا في الجاهلية هم نجومنا بعد الفتح، وصارت لميس الحديدي مثلاً مسؤولة الدعاية بحملة الرئيس المخلوع هي من تتحدث باسم الثورة، ويعلن بعلها بعد الثورة باكياً كيف أن حسني مبارك قال لهم انه لا يريد ان يرى هذا ‘ الولد’، وقد انتقل هؤلاء إلى الفضائيات الجديدة، التي تبنت الخطاب الثوري، وتعمل على تشويه الثورة، بطريقة وضع السم في العسل، إلى أن أعلن عمر سليمان عن ترشحه للانتخابات الرئاسية في لحظة بدا فيها أن ‘ الثورة المضادة’ هي من تحكم، وقد دفعت بالبلاد في ‘ سكة الانفلات الأمني’ وفي الأزمات حتى يقبل الناس ‘ خيارها الاستراتيجي’. ولا شك أن هذه خطوة مهمة، ليعلم كل أناس مشربهم، بعد أن اختلط الحابل بالنابل، وصار من يعبر عن الثورة هم خصومها، وهم من كانوا من قبل يروجون لجمال مبارك، وهم الآن يصورون لنا كما لو ان نظام مبارك كان يقبل المختلفين معه أو المحايدين، مع انه جهازه الأمني كان يفرض على مكاتب الفضائيات بالقاهرة قائمة سوداء بمن يحظر استضافتهم، ومعلوم أن فتح هذه المكاتب وغلقها هو بقرار أمني في المقام الأول والأخير.

وعندما جاء موفدون من محطاتهم رأساً إلى القاهرة في أيام الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عهد مبارك، وظنوا أنهم في حل من هذه التعلىمات، كان القطع يتم الهواء على الهواء، كما كان يتم إلغاء ‘ الحجوزات السابقة’ مع بعض الاستوديوهات قبل البث على الهواء بدقائق، ونظام يتصرف على هذا النحو كيف يسمح للمعارضين والمحايدين أن يطلوا عبر شاشته في برامج يتم تحديد رواتب فلكية لمن يعملون فيها، إلا إذا تصورنا أن ‘ الحداية تلقي كتاكيت’. الغطاء الثوريلا بأس فقد يكون الخير كامناً في الشر، فقد جاء ترشيح عمر سليمان لنفسه، ليرفع الغطاء الثوري عن هؤلاء، عندما ظنوا ان الأيام الخوالي عائدة، والبعض لا يستسيغ ان يكون حراً، وقد ذكرني مذكر بقصة لها دلالة!. فقد طلبوا من ‘عبد’ أن يحلم بشئ، ولما وجد أن خياله متوقف عن القدرة على الحلم، قيل له ماذا لو حلمت انك عثرت على كنز؟

، ففكر طويلاً ثم هلل وكبر، وقال اشتري به سيداً رحيماً يضربني بغير قسوة، ويهجوني برفق، ويمنحي بقايا ما يأكل!. المتحولون الذين اشتاقت نفوسهم لزمن ‘السيد الآمر’، وجدوا في ترشيح عمر سليمان لنفسه فرصة للعودة إلى قديمهم، فذهبوا يشيدون به، وبأعتبار ان ترشحه هو قرار كانت الأمة تقف على أطراف أصابعها في انتظاره!. لا أتذكر من تاريخ الرجل إلا انه ظل أربع سنوات لا عمل له إلا جلب شاليط الجندي الإسرائيلي الذي اختطفته حركة حماس لتسليمه لأمه، بدون قيد أو شرط، وأثبت كفاءة منقطعة النظير في هذا الملف، وكان مثالاً من لحم ودم على معنى ‘ الكفاح الفاشل’، اذ عمل على حصار أهلنا في غزة ليضطروا إلى أكل أوراق الشجر، بعد الغلق المجرم للمعبر، ليثوروا على حركة حماس، وضغط على الحركة فلم ترضخ ثم كان قرار تدمير غزة واجتياحها الذي اتخذ من القاهرة، في وقت قام التلفزيون المصري بجذب الانتباه إلى ساحة أخرى، وعن حسن نصر الله ‘ الشيعي’ الذي يدعو إلى انقلاب الجيش على حسني مبارك، الذي هو وكما تعلمون إمام أهل السنة والجماعة.

هذا هو الدور الذي قام به عمر سليمان، والذي لم يكن غائبا عنا واكتشفناه فجأة فقد قدمه لنا مبارك من قبل بعد ان تنازل له عن صلاحياته ليكون قائماً بمقام رئيس الجمهورية، فرفضناه رئيساً كما رفضناه نائباً.

لقد جاء احد قادة الجيش إلى ميدان التحرير ليخبرنا ان ‘ الريس’ سيلقي خطاباً، بعد قليل وغادرت إلى تجمع مقاهي البورصة القريب من الميدان، وكان الآلاف يحتشدون حول أجهزة التلفزيون، وبعد ساعات مرت كأنها الدهر كله طل علىنا مبارك عبر الشاشة، وقال انه يفوض نائبه عمر سليمان في صلاحياته، إلى حين انتهاء فترة ولايته، فتاة كانت تجلس بالقرب منا انفجرت عينها حينها وسالت الدماء منها، ولم اشعر بشئ يومها فانصرفت غير مستأذن، ومررت من ميدان التحرير كنت واجماً وشعرت ان الكون كله يشاركني الوجوم، وسرت على قدماي أكثر من عشر كيلو متر إلى منزلي ظلام يقدمني لظلام فقد كنا في مرحلة فرض حظر التجول، وفي اليوم التالي كنت ضمن الآلاف الذين حاصروا القصر الجمهوري، وغيرنا حاصروا مبنى التلفزيون باعتباره أداة حسني مبارك لتشويه الثورة، مع عدم الاعتذار لعبد اللطيف المناوي.

الصمت البليغعلمت في هذا الصباح ان ما تصورته عن الصمت الذي لف الكون لم يكن صحيحاً وأن الناس عبروا عن موقفهم من هذا الخطاب، كل بطريقته، وفي ميدان التحرير رفعت الأحذية كأبلغ تعلىق على خطاب ظن صاحبه ان نائبه الذي ظل بجانبه عشرين عاماً مشاركا له في تدمير الوطن، بالفعل والصمت والتواطؤ، يمكن ان يكون مقبولاً جماهيرياً.

لقد اختلقت عناصر النظام البائد مبررات مثلت الاسطوانة المشروخة لسابقة استخدامها على هذا التأييد مثل قولهم انه وحده القادر على مواجهة الإخوان، وهو ما استخدم في السابق من قبل المعارضة المصنوعة امنياً، لتبرير الانحياز الى حاكم قاتل ومجرم وفاسد: فهو يواجه المتطرفين الدينيين، وان البديل له هم الإخوان!. عمرو أديب أقام وصلة احتفال بهذا الحدث التاريخي، وخيري رمضان نجم ‘ البيت بيتك’ على تلفزيون الريادة الإعلامية، قال على ‘ سي بي سي’ ان عمر سليمان هو من سيحمي البلد من تغلغل نفوذ الإخوان و( تحويلها) إلى دولة دينية، وعشرة جنيهات مني رهاناً لو قال لنا المذكور ما معنى الدولة الدينية، ففي اعتقادي انه يظن انها ‘اكلة’ مثل ‘المحشي بورق العنب’ وأنها الأخت غير الشقيقة للمهلبية.

لا بأس فترشيح عمر سليمان خطوة مهمة ليظهر المرجفون في البلاد على حقيقتهم ويعود المتحولون إلى سيرتهم الأولى، فلا يهدم الأمم الخارجين علىها، بقدر ما يهزمها المنافقين الذين هم في كل واد يهيمون. لقد هرمنا من اجل أن نصل إلى هذه اللحظة.

صحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية