عن بريطانيا المنيعة وحق السفر

حجم الخط
0

عزت القمحاوي لو لم تكن بريطانيا منيعة إلى هذا الحد لكنت اليوم في إكسفورد بين مجموعة من خيار الكتاب والفنانين والأكاديميين المهتمين بعلاقة صحية وإنسانية بين العالم العربي وأوروبا، ولتمكنت من رؤية أصدقاء متغربين في لندن وإكسفورد أشتاق إليهم، ولاسترحت قليلاً من المرشح ابن الأمريكية والمرشح ابن الهرمة ومن ابن الحرام الذي جعل من انتخابات الرئاسة المصرية سيركًا غير مبهج. كان مركز الدراسات الإيطالية بجامعة إكسفورد قد دعاني للمشاركة في مؤتمر ‘إيطاليا.. محطة وصول’ الذي يناقش مخيال إيطاليا في الفن والأدب العربيين وعلاقته بحمى الانتقال إليها، ذلك الذي يسميه الأصدقاء الأوروبيون ‘هجرة’ وأسميه سفرًا، وقد وافقوني على مصطلحي عندما كنا في جامعة حلوان خاصة فيما يتعلق بالمصريين؛ فالمصري لا يهاجر وإنما يسافر وإن قضى حياته كلها في البلد الجديد فإنه يبدو مهاجرًا من حيث المظهر، لكنه في الجوهر مسافر تأجلت عودته طول العمر شهرًا بعد شهر أو عامًا بعد عام.

لقاء إكسفورد المقام الآن (من 13 إلى 15 أبريل) هو الثالث الختامي لمؤتمر وورشة عمل نظمتها جامعة حلوان ومركز الدراسات الإيطالية بإكسفورد وقد كان من بين الأفكار التي تبناها شهود عدل بالمؤتمر انعدام العدالة بين مواطني الشمال والجنوب فيما يتعلق بحرية الحركة وحق الانتقال الآمن. وهذه معضلة إنسانية علاوة على كونها غباوة تتسبب في تفاقم الظاهرة؛ حيث إن الباب المفتوح يسمح بالعبور في الاتجاهين، ويجعل الشاب العربي الذي دخل حيًا إلى أوروبا ولم يجد عملاً يعود إلى بلاده، بينما تجعله التعقيدات حريصًا على البقاء حتى لو عاش عاطلاً أو لصًا، خوفًا من التضحية بوجوده في البلد الأوروبي بعد أن غامر بحياته من أجل الدخول.

يتمتع صالحو وطالحو أوروبا بحق الدخول إلى أي بلد عربي في أي وقت بينما يمنع طامحًا إلى لقمة عيش أو كاتبًا من دخول أي بلد أوروبي قبل التفتيش تحت جلده والدخول في أحلامه لقراءة لا وعيه المنحرف الذي يزين له فكرة الدخول إلى الجنة الأوروبية. ويا لتهذيب الإجراءات الإيطالية إذا ما قورنت بصلافة مثيلتها الإنكليزية.

لا ينبغي على المسافر إلى بريطانيا أن يتعرض لسؤال ملكي الموت، بل إلى عبور البوابات العشر كما في الديانة الفرعونية القديمة. وقد كتبت مشاركتي في المؤتمر ببعض ساعة بينما انتظرت في المطهر خمسة عشر يومًا من أجل الحصول على تصريح المرور إلى المؤتمر من مركز التأشيرات إلى بريطانيا في قطر بلد إقامتي الآن. بدأت الرحلة بمشوار إلى السفارة عرفت منه أن ما يتولى تلقي الطلبات مركز خاص في الجهة الأخرى من المدينة. وفي المركز الخاص علمت أنني يجب أن أسجل وأدفع وأحجز إلكترونيًا موعدًا للمقابلة. أي أن المسن الذي فاته دخول الحداثة وغير المسن الذي يكره التحدث مع اللاأحد عليه أن يتدبر أمره بنفسه. استعنت بكل شياطين السعادة التي تحفز على السفر وبدأت في إجراءات التسجيل مجيبًا عن أسئلة شديدة الخصوصية وعدم التهذيب. وبعد سؤالين أتوقف مستريحًا إلى فكرة رفض هذا التنكيل، ثم يأتيني تحفيز من حسين محمود أو إيما بوند فأعيد المحاولة في اليوم التالي وأتوقف بعد السؤال الثالث، وأتذكر أنني سأرى في المدينة الصغيرة وليد خازندار بعد لأي فأتجاهل صلافة الأسئلة وأتقدم خطوة، ثم أعرف أن أمجد ناصر سيجري جراحة فيها الكثير من النبل والوفاء فأقول فرصة لأعود صديقي وزوجته بعد أن أعطاها بضعة من جسده، فأتقدم سؤالاً ويصدمني التالي وأدير فكرة السؤال عن أمجد هاتفيًا ولقاء وليد في مكان آخر، ثم أتراجع عن التراجع مرة أخرى حيث إنني أتعامل مع نموذج مطبوع ـمع نص ميت ـ وليس مع محقق متطاوس.

وهكذا أجبت على سبع صفحات من الأسئلة من قبيل: ماذا تكسب وماذا تنفق على أسرتك شهريًا؟ هل كنت إرهابيًا ذات يوم؟ هل ساعدت إرهابيًا؟ هل كانت أمك إرهابية؟ هل حلمت يومًا بالإقامة في بريطانيا؟ هل تلقيت يومًا علاجًا فيها؟ ما تاريخ ميلاد أمك وأبيك؟ هل كنت يومًا طرفًا في مشكلة يمكنها أن تجعلك من بين من يمكن تسميتهم ‘رجل غير صالح’؟!

سبع صفحات من التنكيل يتحملها الرجل غير الصالح بكل تأكيد وإن تحملها الرجل الصالح فبكثير من الألم، ثم دفعت مائة وخمسين دولارًا ثمن تعذيبي وحجزت موعدي لتسليم جواز سفري، قابلاً مدة الفحص المحددة بفترة من عشرة إلى خمسة عشر يوم عمل أي من خمسة عشر إلى واحد وعشرين يومًا. وأخذت ألاحق طلبي إلكترونيًا يومًا بعد يوم فأجده تحت الفحص حتى تخطى الوقت اثني عشر يومًا مما نعد. وطرأ ما يحتم عودتي إلى مصر فذهبت إلى مركز التأشيرات لاسترداد جواز سفري على أية حالة كان، وهناك اكتشفت وجه التشابه بين نظرة بريطانيا إلى الداخلين إليها والخارجين منها ونظرة المتشددين إلى الداخل والخارج من الإسلام؛ فالداخل يتعرض للختان والمرتد إلى قطع الرقبة!

قالت الموظفة الفلبينية في المركز الإنكليزي إنني يجب أن أملأ إقرارًا بارتدادي عن طلب التأشيرة ولن أسترد نقودي، كما لن أسترد جواز سفري إلا بعد مرور يومي عمل كاملين. ولم يكن أمامي إلا الامتثال. لكنني لحسن الحظ لم أمت. ولدت من جديد بالحصول على جواز سفري بعد ساعات قليلة من موعد طائرتي إلى مصر لأستمتع بلقاء الأهل ويزداد جهلي بأسرار السيرك السياسي وأتعرض لسرقة من سباك جاء ليصلح ماسورة صرف في البيت. ولم أندم لأن السفر إلى إكسفورد لم يُحصن صديقي حسين محمود ضد السرقة. نشلني مصري لا أعرف إن كانت أمه تحمل باسبورًا أمريكيًا أم لا. وسواء كان من نشل حسين انجليزيًا قحًا أو مجنسًا أو مسافرًا عابرًا، فالحادث يقول إن الأسئلة الصلفة لطالبي الدخول لا تطهر الجنة البريطانية من اللصوص، لكنها منعتني من حق السفر لمناصرة حق البشر بالتساوي في سفر آمن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية