عبد الحليم قنديل هل يتحول قطاع من السلفيين المصريين إلى العنف مجددا؟ لايبدو السؤال افتراضيا بالجملة، فثمة مظاهر انزلاق إلى الخطر، آراء لمشايخ سلفية كبار عادت لتقول أن الشريعة تتحقق بالدم لا بالديمقراطية، وتصرفات هائجة لجماعات من السلفيين ملتفة حول الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل المرشح الرئاسى المهدد بالاستبعاد، هذا إضافة إلى مجموعات سلفية جهادية من الأصل، لم تتوقف يوما عن نية ممارسة العنف، وتجد إلى شرق مصر فى سيناء نوعا من الملاذ الآمن نسبيا، وتختلط نواياها بين عنف مشروع يتوجه إلى الإسرائيليين، وعنف ممجوج قد يتوجه ثانية إلى الداخل المصرى . وقد لا تبدو المجموعات السلفية الممارسة للعنف أو المستعدة له، قد لاتبدو هذه المجموعات ظاهرة مرئية الآن، وخصوصا بعد تحول جمهرة السلفيين، وغالب المشايخ والجماعات، إلى ممارسة السياسة العلنية بعد الثورة المصرية الأخيرة، وإنشاء عدد من الأحزاب، وجماعات الضغط، وهو التحول الذى شمل كافة الاتجاهات السلفية، شمل ‘السلفية الدعوية’ التى تتخذ من مدينة الاسكندرية نقطة ارتكاز لها، وقد بادرت إلى إنشاء ‘حزب النور’، وشملت ‘السلفية الحركية’ بمركزها القاهرى، والتى توزع أتباعها على حزبى ‘النور’ و’الأصالة’، وشمل ‘السلفية الجهادية’ أيضا، وبمجموعتيها الرئيسيتين، وهما’ الجماعة الإسلامية’ و ‘تنظيم الجهاد’، وقد أسس هؤلاء الأخيرون حزبا باسم ‘البناء والتنمية’، فيما تعد مجموعات سلفية جهادية أصغر لإنشاء أحزاب أخرى، وبالطبع لايمكن تبين فروق حاسمة بين توجهات وبرامج هذه الأحزاب، فكلها تدعو بالطبيعة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وبصورة أكثر وضوحا من برنامج حزب الإخوان المسلمين، وتعدد هذه الأحزاب السلفية لايقوم على اختلاف رؤى، بل على اختلاف منازع وقيادات ومشايخ، وقد خاضت هذه الأحزاب جميعا انتخابات البرلمان الأخيرة بقائمة موحدة تحت لافتة ‘حزب النور’، وشكل فوزها بربع مقاعد البرلمان مفاجأة بدت مدهشة لأغلب المراقبين . وهذا التقدم الانتخابى للسلفيين يغرى بتصورات سلمية لتطورهم، فغالب المجموعات السلفية كانت بعيدة عن السياسة أصلا، وكان بعض مشايخها ـ ولا يزالون ـ بالقرب من جماعة مبارك وأجهزتها الأمنية، غير أن غالبهم سعى للتخلص من المواريث السوداء بعد إطاحة الثورة بمبارك، وتجاهل الفتاوى السابقة بتكفير الديمقراطية وإنشاء الأحزاب، ودون أن ينتقدها أو أن يلغيها، ونزل إلى الساحة بدعم سعودى وخليجى هائل، وحقق هؤلاء نصرا انتخابيا أضيف إلى انتصار كان متوقعا ومفهوما للإخوان المسلمين، وحذوا حذو الإخوان باعتبار الأخيرين هم السباقون إلى السياسة، وإن لم يخل الأمر من التعالى التقليدى للإخوان على السلفيين، فالإخوان يعاملون السلفيين كالأولاد القصر، ويعلمونهم أصول الصنعة والمناورة والإحتراف السياسى، ويسعون إلى تحويل قطاع منهم إلى إخوان بالسياسة ثم بالتنظيم، وهو ما يستفز غضب قطاعات من السلفيين الجهاديين السابقين بالذات، وخصوصا من أبناء الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، والذين انخرطوا طوال عقدين فى صدام بالسلاح مع جماعة مبارك بعد اغتيال السادات، ثم أصدروا كتب المراجعات الشهيرة من السجن، وانتهوا إلى تطليق العنف الجهادى بالثلاثة، وتابوا عن العنف وعن السياسة طوال العقد الأخير من حكم مبارك، وخرج قادتهم من السجن تباعا، ثم خرج عبود الزمر ـ أشهر قادتهم ـ من سجنه الطويل بعد الثورة، وبدا هؤلاء القادة على قدر ملموس من الاعتداد بالنفس، والاستعداد لمعاندة قادة الاخوان، وإن كانت الضألة النسبية لقواعدهم السياسية مما يحكم التصرفات، ولا تمضى بهم فى العناد مع قادة الإخوان إلى آخر الشوط، وعلى نحو ما بدا فى قرار ترشيحهم الشيخ صفوت حجازى لانتخابات الرئاسة، وبعد أن قرر الإخوان اختيار خيرت الشاطر كمرشح أصلى ومحمد مرسى كمرشح احتياطى، لكن قادة الجماعة الإسلامية تراجعوا، وسحبوا ترشيح صفوت حجازى على باب لجنة الانتخابات الرئاسية . وعلى غير ما بدا من تراجع حزب النور، وهو الجماعة السلفية الرئيسية، وتفضيله الالتحاق بقطار الإخــوان، ودعم ترشيح خيرت الشاطر الملياردير والقـــيادى الإخوانى ذى النزعة السلفية، بدا الموقف الملتحق بقيادة الإخوان سائدا فى أوساط حزب النور القيادية، ولدى مشايخ الدعوة السلفية شبه الوهابية، والذين فزعوا لصعود نجم الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل، واجتذابه لكثير من قواعد حزب النور ذاته، وتكــــوينه لتيار سلفى واسع من حوله، ضم جماعات متعــددة، وجدت فى الشيخ حازم قيادة أكثر حيوية وديناميكية مــــن قيادات ومشايخ السلفيتين الدعوية والحركية معا، وفى تجمعات ضخــمة مناصرة للشيخ حازم المهدد بالاستبعاد من سباق الرئاسة بسبب جنسية أمه ، فى هذه التجمعات بدا الميل الراديكالى ظاهرا، وإلى حد التهديد بالتحول إلى العنف إن جرى استبعاد الشيخ حازم رسميا ونهائيا . ولا تبدو حالة أنصار الشيخ حازم الميالة للعنف فى بعض جوانبها، لا تبدو هذه الحالة مجرد انفعال وقتى ينطوى على شطط فى مناصرة شيخ، بل تعكس ضيقا قابلا للتجدد، ولأسباب تبدو عامة فى أوساط الشباب السلفى الأكثر تشددا، فقد نشط هذا الشباب فى جولات وحملات الانتخابات، ليس عن اقتناع كامل بجدوى السياسة، ولا عن إيمان حقيقى بمبادئ الديمقراطية وتداول السلطة، بل باعتبار الانتخابات مجرد ‘ غزوة’ سلمية هذه المرة، أى أنهم خاضوا الحملات بروح حربية، وعلى ظن أن فوز الإسلاميين بالأغلبية الساحقة يعنى تطبيق الشريعة فورا، وبالصورة المثالية المرسومة فى مخيلاتهم، والتى لا أصل لها فى تاريخ ولا فى جغرافيا، ولا تتفهم طبيعة التكوين المصرى المناصر للمظلوم والنافر من المغالاة الصحراوية، وربما لا تتفهم الشريعة الإسلامية نفسها، ولا تفرق بين شرع إلهى متفق عليه وفقه وضعى مختلف فيه، ومع التقدم الانتخابى بحس الغزو الحربى، وحيازة الإسلاميين لغالبية تفـــوق الثلثين فى البرلمان، تصور هؤلاء أن القصة انتهت، أو يجب أن تنتهى، وأن يتحقق ما فى مخيلتهم الذهنية على أرض الواقع فورا، وهو ما لا يحدث على هذه الصورة الصماء، ولا يتوقع له أن يحدث، وهنا تكون الصدمة الوجدانية لدى هؤلاء، ويتولد الميل إلى العنف مجددا، وكبديل عن السياسة التى لا تفيد، وهو ما قد يعنى عودة إلى طريق تحقيق الشريعة بالدماء . ‘ كاتب مصري