معضلة انتخابات الرئاسة في مصر

حجم الخط
0

د. محمد إبراهيم عبدالغني

قامت الثورة المصرية من أجل أعلاء قيم ومبادئ حقوق الأنسان، ويؤمن كثيرون أن ذلك لا يتحقق إلا عن طريق المشاركة الفاعلة للجماهير في الحياة السياسية، على أقل تقدير عن طريق التصويت في الانتخابات بأنواعها ومراقبة عمل مؤسسات الدولة المختلفة ضمن الأطر القانونية المتعارف عليها.

يأتي ربيع وصيف 2012 بأستحقاق انتخابي هام في مصر متمثلاً في أول انتخابات رئاسية منذ اندلاع الثورة. أقول ‘منذ اندلاع الثورة’ وليس ‘بعد الثورة’ لأن الثورة لم تنته بخلع مبارك عن سدة الحكم بل هذا الحدث الهام كان مشهد النهاية للموجة الأولى للثورة. تحل علينا الانتخابات الرئاسية والثورة في موقف حرج للغاية بعد أن أصبح جلياً للقوى الثورية الحقيقية أن المجلس العسكري، وهو رأس السلطة التنفيذية عند كتابة هذا المقال، هو قائد القوة المضادة للثورة. في حين أن الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخراً يعتبرها الكثيرون انتخابات نزيهة ولكنها لم تكن عادلة لأسباب عدة ونتج عنها مجلس شعب لا يرتقي لطموحات وتضحيات شعب مصر الثائر وشبابها البواسل.

لابد من الاعتراف بأن الثورة المصرية قد واجهت انتكاسات عدة بسبب تآمر مخلفات نظام مبارك ضدها وعلى رأسهم مجلس مبارك العسكري، وبسبب أخطاء ارتكبها افراد وجماعات ثورية أو محسوبة على الثورة. برغم هذه الانتكاسات لابد أن يظل التفاؤل رفيق دربنا الثوري لأن التشاؤم رفاهية لا نمتلكها ولأن أهم مكتسبات هذه الثورة هي التحرر والأرتقاء النفسي الذي حدث في وجدان الانسان المصري. على سبيل المثال لا الحصر، أحساس المصري بقدرته على الفعل بعد أن ظن الجميع أنه أسير اليأس، قدرته على الأتحاد مع أقرانه من أجل هدف وطني سام بالرغم من الأختلاف بينهم، أحساسه بمسؤوليته وملكيته لهذا الوطن. هذه المكاسب النفسية هي الأسلحة التي سيستخدمها هذا الشعب الثائر للتصدي لأي سلطة استبداد، عسكرية كانت أو دينية، ولذلك أنا متفائل بالمستقبل. ولكن لابد من إدراك ان الثورة عملية تأخذ وقتا وهي ليست حدثا كما يتمنى أو يرجو البعض، فالثورة أسلوب حياة. وللثورة جولات عدة، وأنا أرى أن انتخابات الرئاسة القادمة أحدى هذه الجولات الهامة. إذا اردت أن اكون موضوعياً فلابد ان اعترف أن الثورة لن تنتصر في هذة الجولة، لأن المرشحين المطروحين إلا القليل منهم لايمثلون الثورة، وهؤلاء للأسف ليس لديهم الفرص الحقيقية للفوز. ولذلك لابد من مصارحة الذات ان هدفنا في هذه الجولة هو تقليل الخسائر (damage control) بما يتيح لنا أستكمال طريق الثورة.

قد يبتعد هذا الرأي عن التفكير الثوري الذي قد يملي على معتنقيه مساندة أكثر مرشح ثوري حتى لو كانت حظوظه في الفوز شبه منعدمة. أرى وجاهة هذا الطرح وأرى انه من الضروري الوقوف خلف المرشح الثوري ولكن لابد من حساب الأشياء بشكل سياسي وليس ثوريا فقط، وذلك يعني التصويت لمرشح آخر أقل ثورية، إذا أيقنا بوضوح لا يدع مجالاً للشك أن مرشحنا الثوري لن ينافس من قريب أو بعيد على كرسي الرئاسة. يجب الأنتباه عند التعاطي مع نقاط التماس بين ما هو ثوري وما هو سياسي أن التزاوج بين الفكرين أمر ضروري من أجل تحقيق أهداف الثورة بأقل خسائر. فالفكر الثوري يمثل المبادئ بنقائها ومثاليتها أما الفكر السياسي فهو فن الممكن بمواءماته وبعدِه عن الأنصاف في كثير من الأحيان.

يبقى تحرك الجماهير هو الفيصل بين ترجيح كفة أحدى الكفتين على الأخرى، فإذا كانت الجماهير متواجدة بالملايين في الشوارع والميادين أمست الحلول الثورية في متناول اليد، أما اذا انسحبت الجماهير فيضطر قادة الحركات الثورية للقبول بحلول سياسية (حلول وسط) مع عدم التفريط في الحقوق الأصيلة على قدر الإمكان. وجب الاشارة هنا ان بعض القوى الثورية تنادي بمقاطعة هذه الانتخابات لأسباب عدة أهمها العوار القانوني الذي أسست له المادة 28 من الأعلان الدستوري والتي تعطي اللجنة المشرفة على الانتخابات سلطات الهية بحيث لا يمكن الطعن بأحكامها. المقاطعة بأشكالها المختلفة أسلوب احتجاجي متعارف عليه ولكن في هذا الموقف ومع قلة المنادين والمساندين للمقاطعة فهي لن تؤدي الى شيء سوى تقوية خصم القوى المساندة للمقاطعة.

ويجب أن نعي من التجارب السابقة أن قوى الأسلام السياسي وهي الأكثر انضباطاً وتنظيماً – ولكنها ليست الأكثرية في الشارع الثوري – لن تقاطع الانتخابات ولكن من سيقاطع هم اناس يتميزون بالنقاء الثوري ولكن قدرتهم التنظيمية مازالت محدودة.

قد يتحمس بعض الناخبين لمرشح ما بسبب مواقفه الوطنية منذ اندلاع الثورة وهذا شيء إيجابي، ولكن من الضروري التفرقة بين المواقف من ناحية والأفكار والتوجهات من ناحية أخرى. فقد يتخذ مرشح ما موقفا وطنيا اتفق معه فيه برغم اختلاف توجهاتنا بينما يمتنع مرشح أخر، متفق معه أكثر في الأيديولوجية والأفكار، عن اتخاذ موقف مماثل. أرى انه سيكون من التسرع وعدم الحنكة التصويت لأحد المرشحين لأن مواقفه وطنية دون التعمق في فكره السياسي وتوجهاته الأيديولوجية. فرئيس الجمهورية سوف يكون من مهامه رسم سياسة الدولة وتوجهاتها في المستقبل وليس فقط اتخاذه لمواقف وطنية. بالطبع هذا سيعتمد بشكل كبير على الدستور الجديد والذي سيحدد سلطات رئيس الجمهورية وطبيعة مهامه. ولكن يقظة جماهير الثورة حتى بعد انتخابات الرئاسة سوف تجهض محاولة أي فصيل سياسي السيطرة على مقادير الأمور منفرداً، فلن يكون من المفيد لمصر ان يسيطر ويحتكر نفس التيار السياسي السلطتين التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (رئاسة الجمهورية) ونحن على ابواب مرحلة بناء مؤسسات الدولة التي افسدها نظام مبارك. أخشى إن حدث هذا ان ينتج عنه مؤسسات تعكس طموحات ومطامع تيار واحد أو جماعة ولا تعبر عن جميع ابناء الوطن بتنوعهم واختلافاتهم. من المفيد جداً في مرحلة بناء مؤسسات الدولة أن يكون رأس السلطة التنفيذية ورأس السلطة التشريعية منتمين لتيارين سياسيين مختلفين لأن ذلك سيسهل تواجد القوى والمجموعات السياسية المختلفة في مجالات العمل السياسي والعمل العام دون الخوف من اضطهادها من قبل الجماعة أو التيار المسيطر على السلطات المختلفة. لابد ان نفرق بين الصراعات السياسية والصراعات الوجودية. فبالرغم من اختلافنا مع تيارات الأسلام السياسي بسبب خلطهم الدين بما هو سياسي ونرى انه من الضروري تناول نقاط التشابك بين الاثنين بحذر احتراماً للدين وحماية للسياسة، ولكن يظل اختلافنا مع أغلب مجموعاتهم أختلافاً سياسياً وأتمنى ان يبقى كذلك. بينما أختلافنا مع نظام مبارك وحكم العسكر هو صراع وجودي بامتياز. فهم لا يتحملون وجود الثوار والثورة أو اي شخص ينادي ويناضل من أجل العدل في دولتهم ولا يترددون في القضاء عليهم كما رأينا بوضوح في المرحلة الأنتقالية التي تحولت الى مرحلة انتقامية. في نفس الوقت نحن نرفض وجود سلطة قمعية طاغوتية مثل نظام مبارك أو حكم المجلس العسكري. في النهاية أياً كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية القادمة فلا بد ان يعي الجميع ان قواعد اللعبة قد تغيرت، فالآن الشعب هو جزء فاعل في المعادلة السياسية وهو السيد. زميل الكلية الملكية للأطباء النفسيين ببريطانيا ناشط سياسي ومن مؤسسي مجموعة ‘مصريون متحدون’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية