رحاب أبو هوشرحركة ‘احتلوا وول ستريت’ التي انطلقت مظاهراتها الاحتجاجية بتاريخ 15 أكتوبر من العام الماضي، لتعم ألفا وخمسمائة مدينة في العالم ومائة مدينة أمريكية، تأسست بعد سلسلة مظاهرات احتجاجية في عدة عواصم أوروبية وفي مركز الرأسمالية العالمية ورمزها ‘وول ستريت’ في مدينة نيويورك. الحركة السياسية الجديدة نسقت لها مجموعات من الناشطين ‘الكونيين’ عبر الموقع الاجتماعي ‘فيسبوك’، خرجت في ذلك اليوم في أرجاء مختلفة من العالم، ليهتفوا ضد النظام السياسي الذي أسموه ‘نظام الشركات’، حيث تقود شركات المال والأعمال مؤسسات العمل السياسي، وتسيطر على سلطاتها وقراراتها بنفوذها المالي، لتفصل من خلاله سياساته الاقتصادية والاجتماعية على قياس مصالحها، ولخدمة تعظيم أرباحها وزيادة قدراتها الانتاجية. الاحتجاجات عكست تفاقم وحشية الرأسمالية في طورها الجديد، ولعله الأخير! ودوسها في عدوها المنفلت على مصالح وحقوق الفئات الاجتماعية المختلفة، وتدميرها للطبقة الوسطى، بسلسلة من المعالجات المتغولة لخساراتها المتأتية عن الهزات والأزمات المالية، بالتقليص المستمر للمخصصات الصحية والتعليمية والسكنية العامة، وبالتالي تنامي مساحات الفقر وتردي مستويات عيش معظم المواطنين. وإن كان البعض منا فوجئ بتلك الاحتجاجات في معقل الرأسمالية والبلدان الغربية، أو اكتفى بربطها بأثر ‘الربيع العربي’ على مجتمعات أوروبا وأمريكا، إلا أن المفاجأة ربما هي وجود حركات مماثلة، في سنوات سابقة، أقضت نوم السلطات الأمريكية، وأزعجت رؤساء مجالس الشركات العملاقة، لكنها حوصرت بتعتيم إعلامي كثيف، خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذي لم يكن ممكنا ممارسته بنجاح ضد ‘احتلوا وول ستريت’ في عصر الانترنت، وانفتاح بوابات العالم من خلال شبكات الاتصال الاجتماعي.
لم يكن التعتيم الإعلامي يومها إلا حصيلة قمع وتصفية لحركة مثل ‘جبهة تحرير الأرض’، التي يروي الفيلم الوثائقي الأمريكي: ‘إذا سقطت شجرة-قصة لجبهة تحرير الأرض’ حكايتها. مارشال كوري مخرج الفيلم المنتج عام 2011، والحائز على عدة جوائز دولية، يتتبع فصول نشأة الحركة التي ظهرت ونشطت في منتصف التسعينات في الولايات المتحدة، ويكشف عن توجهاتها ومواقفها وأنشطتها، حتى القضاء عليها تماما من قبل أجهزة الحكومة الأمريكية عام 2005، بسجن ‘دانيال مكجوان’ أبرز ناشطيها، وتفكيك أكبر خلاياها في أمريكا آنذاك والمكونة من ثلاثة عشر عضوا. الحركة لم ترفع شعارات سياسية مباشرة، وبدأت بمجموعات من الناشطين البيئيين المهمومين بالتوازن البيئي، قاموا لعدة مرات بالتظاهر والاحتجاج، منعا لقطع الأشجار لصالح شركات الأخشاب، ثم تطور الأمر إلى مواجهات مع الشرطة، لإزاحتهم بالقوة عن مدخل إحدى الغابات، حين شكلوا درعا بشريا في وجه الآليات القادمة لقطع أشجار عتيقة، يتجاوز عمرها الخمسمائة عام. تلك المواجهة مثلت لحظة تحول في وعي مجموعة قادها ‘دانيال مكجوان’، إذ أدرك أن صراعهم هو صراع مع شركات متنفذة، تعمل بالتحالف مع السلطة السياسية، وأنهم لن يحققوا أهدافهم في حماية البيئة عبر أشكال الاحتجاج السلمية، التي لم تحدث ضغطا مؤثرا لوقف عمل الشركات، وهنا نحت تلك المجموعة باتجاه التطرف، وأوعزت لمناصريها بإضرام عشرات الحرائق في الشركات المتهمة بتدمير البيئة مثل شركات الأخشاب والسيارات، ومسالخ للأحصنة البرية، ومركز للتزلج في ولاية كولورادو وغيرها. بعيدا عن أسلوب العنف المتطرف الذي اتبعته ‘جبهة تحرير الأرض’، فإن ما يلفت الانتباه أكثر النهج الذي اتبعته السلطات الأمريكية في مواجهتها، والذي يؤكد بما لا يترك مجالا للشك بأن النظام السياسي هناك ما هو إلا ترجمة لفلسفة وآليات عمل النظام الاقتصادي الرأسمالي، وأن الشركات الرأسمالية، كما قال ‘دانيال مكجوان’ في الفيلم، هي التي تدير بلدا بحجم أمريكا، وتمسك زمام قراراته كافة، وتستنزف موارده وتدمرها في آن، لخدمة إنتاجها وأرباحها، وأن الإعلام أداة مطلية بطلاء الحرية الذي سرعان ما يتبدد إذا ما لاح خطر يتهددها.
سيظهر أيضا زيف مبادئ الحرية ونزاهة القانون في وجه أخطار قد تحدق بمستقبل شركات الرأسمال. في المرحلة الأولى من احتجاجات ‘جبهة تحرير الأرض’ السلمية، قامت الشرطة بقمع المحتجين بالضرب وإطلاق خراطيم الماء ورش الفلفل في العيون وبقنابل الغاز، وباعتقال العديد منهم، وهو ما فعلته بالضبط تجاه محتجي حركة ‘احتلوا وول ستريت’ مع نهاية العام الماضي، بحصيلة من المعتقلين والجرحى، وإغلاق المنطقة ومنع التجمع في ميدان ‘وول ستريت’، ولما انتقلت ‘جبهة تحرير الأرض’ إلى مهاجمة الشركات وحرق مبانيها ومنتجاتها، قامت الشرطة الفيدرالية بملاحقة حثيثة لمجموعة ‘دانيال مكجوان’، حتى ظفرت به عبر مساومات وصفقات مع رفاقه، لتحكم عليه بالسجن عشرين عاما، مع إجباره على الإقراربأنه إرهابي. وعلى مستوى المعركة إعلاميا، كان من الضروري تكريس الفكرة التي يراد رواجها، فقد طلب من وسائل الإعلام، الكتابة عن الحدث أياما متوالية، ووصف المجموعة بـ’الإرهابية’، وبأنها مثلت ‘التهديد الإرهابي الداخلي الأهم’ في أمريكا. وما بين إثارة الذعر بين الأمريكيين من إرهاب داخلي وإرهاب خارجي، تحيا الرأسمالية عمرها الطويل، بل وتجدد ثوبها وطموحاتها.