اختتام فعاليات الدورة الخامسة لمهرجان الخليج السينمائي:
دبي ـ من عدنان حسين أحمد: بحضور سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم وكوكبة من نجوم الخليج العربي اختتمت فعاليات الدورة الخامسة لمهرجان الخليج السينمائي الذي عرضَ على مدى أسبوع كامل ‘155’ فلماً من ’40’ دولة، هذا إضافة إلى عرض مشاهد طويلة من فلم ‘سينماتون’ للمخرج الفرنسي المبدع جيرار كوران وعدد كبير من الأفلام القصيرة المميزة التي عُرضت ضمن برنامج ‘كرز كيارستمي’. وقد قام سمو الشيخ منصور بن محمد بن راشد آل مكتوم بتكريم السينمائيين الفائزين بجوائز نقدية يتجاوز مجموعها نصف مليون درهم. وقد أعرب أعضاء لجان التحكيم عن انبهارهم بحداثة الأعمال السينمائية المشاركة وجودة إنتاجها، خصوصاً الأعمال الفائزة ضمن المسابقات الرسمية للسينمائيين المحترفين والطلبة الذين يشقّون طريقهم نحو التألق والنجومية. لم تقتصر الأفلام على دول الخليج والعراق واليمن، وإنما تعدتها إلى دول من مختلف أرجاء العالم مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، سويسرا، النمسا، مصر، إستونيا، رومانيا، إيران، بولندا والبرازيل.
مسابقة الأفلام الروائية الطويلةينمو المهرجان كل عام ويتسع بفضل القائمين عليه جميعاً بدءاً من رئيس المهرجان عبد الحميد جمعة، مروراً بمدير المهرجان مسعود أمر الله آل علي، وانتهاءً بالمبرمجين الذين ينسِّقون، وينتقون الأفلام، ويقدمون الاقتراحات المتواصلة لتعزيز المهرجان وتطويره، هذا إضافة إلى الطاقم الإداري وجيش من المتطوعين الشباب الذين يقدّمون خدماتهم الثمينة التي لا تقدّر بثمن. في بعض الدورات قد تكون الأفلام الروائية المشاركة في المسابقة الرسمية قليلة العدد وربما لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. أما دورة هذا العام فقد تضمنت تسعة أفلام مهمة ومنتقاة بعناية فائقة، سنركِّز عليها في هذه الدراسة، وهي على التوالي ‘تورا بورا’ للمخرج الكويتي المبدع وليد العوضي الذي نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة وقد توقع بعض النقاد السينمائيين والإعلاميين المدعوين للمهرجان أن هذا الفلم قد يخطف جائزة المهرجان الكبرى، ومع ذلك فجائزة لجنة التحكيم لها طعم خاص. تتمحور قصة فلم ‘تورا بورا’ حول عائلة أبو طارق الذي يكتشف أن ابنه قد ذهب إلى أفغانستان وانضّم إلى حركة طالبان لكي ينفّذ عملية انتحارية أو ‘استشهادية’ بحسب توصيف الطالبانيين أنفسهم، فيقوم أبو طارق وزوجته أم طارق برحلة مضنية إلى تورا بورا بغية تخليص ابنهم من الشرّك الذي وقع فيه. كما يقوم شقيقه الدكتور طارق برحلة موازية إلى تورا بورا بغية إنقاذ أخيه من المحنة التي تورَّط بها. وعلى الرغم من المصاعب الجمة التي تواجهها هذه العائلة المثقفة والميسورة الحال إلاّ أنهم ينجحون في استعادة ابنهم في اللحظات الأخيرة قبل أن يواجه مصيره المحتوم على أيدي الطالبانيين. أما الفلم الروائي الطويل الثاني فهو ‘أمل’ للمخرجة الإماراتية نجوم الغانم التي ترصد جانباً طويلاً من حياة الفنانة المسرحية وكاتبة الأطفال أمل حويجة التي تقرر العودة إلى سوريا بعد أن تمضي عدداً من السنوات في دولة الإمارات العربية المتحدة، وحينما تجد نفسها وسط الربيع العربي الذي اجتاح سوريا أيضاً تقرر العودة إلى الإمارات ثانية لكي تجتمع بزوجها من جديد. فازت نجوم الغانم بالجائزة الثانية في هذا المهرجان، وقد سبق لها أن فازت بالعديد من الجوائز عن فلمها المميز ‘حمامة’ وهي مشروع لمخرجة إماراتية متفردة تعد بالكثير لأن لها بصمة خاصة في الأفلام الوثائقية والروائية في آنٍ معاً. يتمحور الفلم الثالث من أفلام المسابقة الروائية الطويلة الذي يحمل عنوان ‘أنا مرتزق أبيض’ للمخرج الإيراني الكردي طه كريمي على شخصية ‘سعيد جاف’ قائد مجموعة من المرتزقة الأكراد التابعين لحزب البعث العربي الإشتراكي الذي يمثل للمحاكمة بتهمة التورط في مذبحة ‘الأنفال’ التي راح ضحيتها ‘182’ ألف كردي قيل إن النظام السابق قد دفنهم أحياء في مقابر جماعية جنوب غربي العراق. يجمع سعيد جاف شهادات منطوقة ومصورة من أهالي قريته والقرى المجاورة لها يعدون بأنهم سوف يدافعون عنه لأنه أنقذ العشرات من الأهالي ولم يسبب في موت أي مواطن كردي. نال هذا الفلم الجائزة الثالثة، وهو الفلم الوحيد الذي ينتصف لبعض قادة الأفواج الوطنية التي يطلق عليها الأكراد اسم ‘الجحوش’ تحقيراً لهم وانتقاصاً من قدَرهم ووطنيتهم. لم ينل الفلم الرابع ‘عالقون’ للمخرجين القطريين محمد الإبراهيم وأحمد الباكر أية جائزة أو تنويه. تدور قصة الفلم المرعب على شخصيتين أساسيتين وهما مشعل وراشد اللذان يقعان في قبضة مجموعة من الزومبي في الصحراء حيث يُقتل راشد في الطريق الصحراوي بينما ينجو مشعل، ثم يُقبض عليه، ويودع في السجن، ويبذل قصارى جهده لكي يثبت براءته. أما الفلم الخامس الذي حصد جائزتين مهمتين وهما جائزة أفضل مخرج وأفضل فلم روائي طويل فهو فلم ‘حلبجة_ الأطفال المفقودون’ للمخرج السوري الكردي أكرم حيدو. يتوفر هذا الفلم على بناء فني رصين، وفكرة أصيلة تعالج قضية أطفال حلبجة الذين ضاع أثرهم مذ تعرضت مدينة حلبجة إلى القصف بالأسلحة الكيمياوية عام 1982 حيث يضيع أثر ‘علي’ الذي تربّيه امرأة إيرانية، لكنه يعود إلى مدينة حلبجة ويقف أمام شاهدة قبره التي كُتب عليها ‘زمناكو محمد أحمد’ ينتظر زمناكو نتيجة فحص الـ ‘DNA’ ومع خمس عوائل تنتظر هي الأخرى في أن يكون زمناكو هو ابنها الحقيقي. وفي نهاية المطاف يلتئم شمل زمناكو بأسرته التي ظلت تنتظره أكثر من عشرين عاماً. يُذكر أن عدد الأطفال المفقودين في كارثة حلبجة يصل إلى ‘500’ طفل. لم يحصل فلم ‘صمتاً: كل الطرق تؤدي إلى الموسيقى’ للمخرج العراقي حيدر رشيد، المقيم في لندن حالياً، على أية جائزة أو شهادة تقديرية مع أنه من الأفلام الموسيقية المميزة فثمة موسيقي ترك المسرح منذ ’15’ سنة، وحينما يستيقظ شيء ما في داخله يترك مدينته الصغيرة الواقعة على ساحل صقلية ليجوب أنحاء الجزيرة، ويجمع فرقة موسيقية مؤلفة من أربعة عازفين ماهرين وهم عازف الأوكورديون، وعازف البيانو، والناقر على الدف، وعازف الساكسفون، كما أن بعضهم يعزف على ‘قيثارة اليهود’. يتهيأ العازفون الأربعة الذين يعزفون موسيقات إثنية وكلاسيكية متنوعة ليعزفوا للمرة الأولى في مهرجان سينمائي عربي. الفلم يتجاوز الصيغة الوثائقية ويأخذ بُعداً روائياً واضح المعالم، وفي نهاية الأمر يعزفون موسيقى نقية صافية لا تعترف بالحدود الجغرافية بين البلدان. فالموسيقى، كما هو معروف، هي لغة يفهمها الجميع.
اشتركت المخرجة كيتي تشانغ بفلم ‘غبار برّاق: العثور على الفن في دبي’ مدته ساعة كاملة توقفت فيه المخرجة عند عدد غير قليل من الفنانين العرب والأجانب الذين يقيمون في دبي ويعملون فيها نذكر منهم مارسيلو ليما، كورش نوري، روبيرتو لوباردو، شقايق عربي، محمد عابدين، حازم مهدي، فيفيك بريمتشندران، إيزابيلا فان دن آينده. ثمة تركيز واضح من المخرجة على ثلاثة فنانين وهم شقايق وحازم وفيفيك الذين يتصالحون مع ما هو حقيقي وما هو مصطنع، ولكنهم يعربون عن قناعاتهم التامة بضرورة احترام قيم المجتمع الإماراتي ومراعاة ذائقته العامة، فلا جنس، ولا عري، ولا مساس بالأديان، أما خارج هذه المحاور الثلاثة فكل شيء متاح، ولهم الحق في التعبير عما يجول في خواطرهم. أدخلت المخرجة بعض رسوم التحريك مع مقاطع فيديوية لتعكس طبيعة التداخل بين الفن والحياة في المجتمع الإماراتي الذي يجمع بين التراث والأصالة. لم ينل الفلم الروائي ‘قلب أحمر’ للمخرج العراقي الكردي هلْكَوت مصطفى أية جائزة أو تنويه على الرغم من توفره على معظم اشتراطات الفلم الروائي الناجح. تتمحور قصه هذا الفلم الرومانسي على علاقة الحب التي تنشأ بين سوران وشيرين، وحينما يتقدم سوران لخطبة شيرين يُواجه بالرفض من قبل والدها المتزمت الذي ماتت زوجته ويريد أن يتزوج من امرأة أخرى، لكنه لم يفلح في الزواج. وفي خاتمة المطاف يجد نفسه في زاوية حرجة، إذ توافق إحدى السيدات على عرضه شرط أن يمنح ابنته إلى شقيقها ‘قالا’ المتخلِّف عقلياً. وفي ليلة الدخلة يأتي سوران على دراجته البخارية ويخطف شيرين من زوجها ويهرب إلى أربيل، لكن حياته تتعقد إثر الليلة الأولى التي لم يجدا فيها مكاناً يناما فيه، فيُحشر في السجن، بينما تتعرض شيرين للاغتصاب وتصبح حاملاً فيتخلى عنها حبيبها سوران ويراها وهي تستجدي لكي تؤمِّن هاجس الطعام ومع ذلك يتركها ويذهب إلى حال سبيله. أما الفلم والأخير التاسع فهو ‘مسوكافيه’ للمخرج العراقي جعفر عبد الحميد. يتناول هذا الفلم الروائي موضوع الحصار على العراق. ففي شباط 2003 يصل ‘يوسف’ المدوّن العراقي، المعارض للنظام السابق إلى لندن في محاولة جدية منه لتسليط الضوء على الآثار المأساوية للحصار المفروض على الشعب العراقي. وفي أثناء إقامته في لندن تسنح له الفرصة للتعرّف على الجالية العراقية في ‘مسوكافيه’، وهناك يلتقي بالجميلة ‘بيسان’ ويقع في حبها، لكنها تكتشف أنه صاحب المدونة التي ترجمتْها في كتاب.
لجان التحكيمتألفت لجنة التحكيم في المسابقة الرسمية الخليجية من المخرج المسرحي العراقي جواد الأسدي، والمخرج السينمائي السعودي عبدالله آل عياف، والإعلامي والمخرج المسرحي والمؤلف الإماراتي جمال مطر. أما لجنة التحكيم للمسابقة الرسمية الدولية للأفلام القصيرة، والمسابقة الرسمية القصيرة للأفلام القصيرة للطلبة فقد ضمت: مدير مهرجان تامبير السينمائي في فنلندا يوكا بيكا لاكسو، والمخرج والكاتب الإماراتي جمال سالم، والناقد السينمائي المصري عصام زكريا. جاءت التفاتة مهرجان الخليج السينمائي حينما قررت تكريم الفنان الكويتي القدير سعد الفرج تقديراً لاسهاماته في صناعة السينما الخليجية، ودعمه المتواصل للسينمائيين الجدد. كما كرّم المهرجان شخصيتين سينمائيتين خليجيتين مهمتين وهما المخرج البحريني بسّام الذوادي والفنان الإيراني الشهير الذي نال تقدير خاص من لدن القائمين على المهرجان. الملاحظة المهمة التي يجب أن نسوقها في ختام هذا المقال هي التداخل الحاصل بين الفلم الروائي والفلم الوثائقي، إذ لابد من التمييز بينهما، ومن المستحسن أن يفرد المهرجان مسابقة خاصة بالأفلام الروائية وأخرى خاصة بالأفلام الوثائقية بغية فكّ الاشتباك بين هذين النوعين السينمائيين. لابد أن ننوّه أيضاً بأن اقبال الجمهور الخليجي على مشاهدة الأفلام قد تزايد فثمة طوابير تنتظر فرصة الدخول إلى هذا الفلم أو ذاك بعد أن نفدت التذاكر، وهذه الظاهرة هي دليل صحة ثقافية وفنية يعود فيها الفضل إلى كل القائمين على هذا المهرجان الذي يعد بحق عرساً سينمائياً يزداد بريقاً كلما تقادمت الأعوام.