لندن ـ من أحمد خليل العـزوز: تتسم أعمال الفنان التشكيلي العراقي فيصل لعيبي بروعة التعبير والميل الى الفلكلور، والمتابع لأعماله يرى وبوضوح حبه وتعلقه بالتراث الشعبي العراقي.. وذلك من خلال الترجمة الواقعية التي تظهر على لوحاته وهو يلاحظ تفاصيل الحياة اليومية وما فيها من زوايا أنسانية مضيئة، كما يهتم كثيرا بالفطرة الانسانية ورسم الواقع الذي تمتاز به حياة البسطاء.. ويستخدم الفنان فيصل لعيبي ذكائه بأستخدامه الأمثال الشعبية ليزين بها لوحاته الفنية- والأمثال هي من العناصر الجمالية التي يتكئ عليها أحيانا الفنان لعيبي في صناعة منجزه الفني، كما يميل في أغلب الأحيان الى أستخدام مختلف الألوان من الزيتية الى الألوان المائية وهو متمكن من بناء مساحات لونية بتقنية عالية، معتمدا على التوازن اللوني ومحدداعناصر اللوحة والكتل الموجودة في داخلها، بخطوط ذكية بارزة تقترب الى التبسيط، للوصول الى لوحة تشكيلية يتجلى بها الفن وتحمل في طياتها تواصلاً عميقا مع المتلقي، والفنان لعيبي هو أحد الفنانين العراقين المبدعين الذين أثروا الحركة التشكيلية العراقية وأما أعماله ففيها كثيرا من الأنتقاء ومعبرة عن اسلوبه الجميل الذي ساهم بنشر الفن العراقي والتعريف به، من خلال مشاركاته بالمعارض الدولية للفنون التشكيلية.. ترتاح اليه منذ اللحظة الأولى تطالع فيه عبق الماضي وأصالة ورقي الحاضر وأمل المستقبل هو من بلد اتسم بالحضارة والتراث والصدق والحب والوفاء من بلاد الرافدين ولكي نقترب من المبدعين والعطاء المستمر تعالو معي لنتحاور مع الفنان التشكيلي العراقي المبدع فيصل لعيبي.’ ماهي العناصر والرموز التي يتكئ عليها الفنان فيصل لعيبي في صناعة منجزه الفني؟ ‘ هناك العديد من العناصر والرموز التي يعتمد عليهاأي فنان، وهي تختلف بإختلاف المواضيع والحالات وحتى الأفكار، لكني أحاول جاهداً أن أستفاد من تراثي الرافديني وما جرى حولنا من تطورات على المستوى التشكيلي والمعرفي عموماً. ومواضيعي مرتبطة بالعراق وما يجري فيه.”’ لقد ولدت أنطباعيا وأكاديميا رسمت البيت والسوق والشجرة والانسان والحصان – وقدمت أعمال تستحق الأحترام حدثنا عن هذه الفترة من ‘حياتك.. ونود أن نعرف موقفكم من الحداثة- وخاصة التجريد والسريالية.. وما هي توقعاتك لمستقبل الواقعية في الفن التشكيلي؟ ‘ سؤالك هذا فيه أكثر من قضية، لكنه يحاول أن يشمل فترة طويلة من نشاطي التشكيلي الذي مررت به، المهم في السؤال، هو أن الحركة التجريدية و السريالية، قد أخذتا حقهما من تاريخ الفن وهنّ اليوم من حصة المتاحف، ولكن قد تقدمان شكلاً و تصوراً أو خيالاً للفنانين الذين يعتقدون بجدواهما اليوم، أعتقد أن تكرار ماجرى في النصف الأول من القرن العشرين في قرننا الجديد، سيكون أشبه بإعادة إختراع البارود. لقد قدمت هاتان الحركتان ما بوسعهما، وأصبحتا في ذمة التاريخ. اما ما يتعلق بالحداثة، فهي أيضاً لم تعد مشكلة يتم تداولها أو معاينتها، لأن ما بعد الحداثة قد غزت سوق الأفكار في أيامنا ودخلت التعددية الثقافية، أو العولمة، لتزيح الحداثة ونظريتها العنصرية، التي تؤكد على أفضلية الرجل الأبيض ودوره النبوي، لعالمنا الذي يحتاج الى المزيد من المؤسسات ومعاهد للبحث والدراسة ومراكز ستراتيجية وبعيدة المدى والأهداف. ولتضع محلها ثقافات الشعوب التي كانت حداثة الغرب أونظرية الرجل الأبيض حسب جاك داريدا – قد همشتها ووضعتها خلفها، قرابة خمسة قرون متتالية. أما حول مستقبل الواقعية، فالشواهد التي امامنا تؤكد عدم غياب الواقعية من المشهد التشكيلي منذ بروزها على المسرح وحتى يومنا هذا، لكن الأمر هنا يحتاج الى تعريف للواقعية بمعناها الشامل، وليس واقعية فترة معينة، قد تم تناولها ضمن إسلوب معين. فالواقعية بدأت من رسوم الكهوف ولاتزال تحظى بتقدير عالي جداً ويتم تبنيها من قبل فنانين مهمين على المستوى الدولي، وهذا ماأكده علم إجتماع الفن وبقية علوم المعرفة الإنسانية التي نمارسها الآن.’ ‘ لايستطيع المرء أن يضع تصنيفا لما يرى هذه الأيام من كثرة الأتجاهات والمدارس الفنية.. هل هذه فوضى؟ أو نشاط وثورة أحاسيس حقيقية؟ أم هروب من الرتابة والبحث عن مناخ مغاير لما هو مألوف؟ وهل تتوقع ظهور أو أختفاء مدارس جديدة في الفن التشكيلي؟’ بالنسبة لي كل شيء متغير إلا الحركة، فهي الوحيدة التي لاتتغير، أي لا تقف، وحب المعرفة هو جوهر سلوك الإنسان منذ إنفصاله عن عالم الحيوان وتدرجه نحو عالم أكثر تنظيماً ومتوازناً، ويلبي حاجاته العضوية وغير العضوية، أي منذ بداية التفكير ومنذ مرحلة الإنتاج من خلال العمل. أي خلق حاجاته بيده وإضفاء مسحة شخصية عليها، بحيث تصبح ذات علاقة به أكثر من علاقتها السابقة بالطبيعة. والفن ليس خارج هذه العملية، فهو في صيرورة مستمرة ولايمكنه أن يتوقف على حالة معينة أو يستقر عليها، لآن ذلك يعني جموده وتكلسه، ثم موته. ستظهر طرق تعبير عديدة ومختلفة لا تحد أو تعد بطبيعة الحال، هذا هو المتوقع والمفترض، فالعالم هو مجموعة صيرورات مستمرة والفن جزء من هذه الصيرورات. أما ما أسميتها فوضى، فهي إنعكاس لتغليب الفردي على العام، ولا تنسى أن الفنان أصبح بعد هذه الحرية التي يتمتع بها، عبارة عن مجرب لكل الأساليب والطرق، للتعبير عن نفسه، فلم تعد هناك مدارس مهيمنة، كما كانت في الماضي، فقد تجد عند فنان واحد أكثر من أسلوب ومدرسة في مراحل متقاربة تقريباً، وبيكاسو خير مثال على هذا.’ هل قمت بتدوين أعمالك في كتاب يؤرخ لك منجزاتك الفنية.’ نعم وصدر قبل عامين عن دار الأديب مشكورة على جهودها في توثيق الفن العراقي والعربي، وهو يضم معظم التجارب التي مررت بها، ويتكون من (520 صفحة ) ملونة وبغلاف سميك. تحت إسم: ‘ البحث عن الذات ‘ لكنه لحد الآن لم يُسَوّقْ بطريقة تساعد على إنتشاره مع الأسف.’ ماهي أهم لوحة واقعية في حياتك؟ ما هو موضوعها؟ ومتى رسمتها؟” ليس لدي لوحة مفضّلة على غيرها، كل أعمالي هي مفضّلة لدي، وإلا لما رسمتها، لكن قد تكون هناك مرحلة، تجعلك تمارس طريقة تعبير معينة، قد تطول او تقصر، ولهذا قد يبدو للمشاهد او المتابع الغير مهتم بالفن بشكل صحيح، وكأنها المرحلة المفضلة لهذا الفنان او ذاك، بسبب مثلاً كثرة أعمالها المنتجة او بقاء الحالة التي حتمت إستمراريتها وغيرها من الأسباب.’ الفن فكر وفلسفة ورؤية وتأريخ – هل كان للفنون التشكيلية الفضل في الكشف والحفاظ على حضارات الشعوب عبر العصور؟’ طبيعي جداً أن تعكس الفنون تاريخ الشعوب العاطفي والفكري والسياسي وحتى الإقتصادي كذلك، فلولا الفن لما عرفنا حضارات العالم القديم من وادي الرافدين الى وادي النيل وغيرهما، وعصر الكهوف، عكست رسوماته مستوى حياة البشر وقتها وطريقة تفكيرهم وتقنياتهم المستعملة.’ هل يوجد هناك فنانين تشكيلين عراقين أوعرب قدموا تجارب لفتت نظر الفنان فيصل لعيبي؟’ اكيد هناك مجموعة هامة وعدد كبير من الفنانين الذين تأثرت بهم، وهم أصحاب فضل علي، لما أفادوني به من خلال متابعتي لأعمالهم وتجاربهم الغنية والرائعة. وبصراحة أكثر، ان أعمالي هي نتاج مجموع ما وقعت عليه عيناي وما تفاعل داخلي من أحاسيس وتأملات أثناء مشاهدتي للأعمال الفنية من جميع بقاع العالم المختلفة، فلولا فنانو العصور الماضية، لما استطاع فنانوا العصر الحديث أن ينجزوا ما تم لهم من أعمال، فالتكعيبية قد تستحيل لولا الفن الأفريقي، وجماليات الرسم الحديث عند ماتيس وبول كلي، صعبة التحقق لولا الفن الإسلامي وإنطباعيات الفرنسيين والبريطانيين قد تتعوّق لولا فنون الشرق الأقصى. فالفن هو في المحصّلة الأخيرة زبدة التجربة البشرية بكل زخمها، مكثفةً أي التجربة – في الأعمال الفنية بمختلف الأدوات والوسائل المتاحة. ‘ ماهو الأثر الأجابي الذي تراه في عملية النقد التشكيلي؟ هل أن النقد موجّه للفنان أم للمتلقي أو الى كلاهما؟ ‘ النقد عموماً عملية أكاديمية ومنهجية، تخضع لحسابات التاريخ وعلم الجمال والتطور التقني والمفاهيمي للمجتمعات، وهو يأتي بعد العمل الفني فليست هناك حركة فنية سبقتها حركة نقدية، ولهذا فالنقد مهتم بالعمل الإبداعي الملموس والعياني وتحليل بناه المختلفة وآلياته المتنوعة. وهو في النهاية وجهة نظر الناقد في ما يراه داخل الفنون من حراك وحيوية، وربط ذلك بالعصر ومؤثراته، كما ان هناك أعمالاً قد لا تخضع لحركة النقد المهيمنة وقتها، أي تشق لها طريقاً مغايراً لأنها تنتج من قبل مبدعين مرضىى نفسياً وعصبياً وحتى فسلجياً وهي تعبر عن حالات معزولة، لكنها مؤثرة على حركة الفن عموماً مثل أعمال( فان خوخ ) وكتابات ( فريدريك نيتشه ) أورسومات ( تولوز لوتريك ويوجين شيله ) وغيرهم.
النقد عموماً يشبه الدليل النظري للعمل الفني، لكنه يحمل في طياته الكثير من الأحكام التعسفية والشخصية أحياناً، عندما يبتعد الناقد عن أسس النقد المنهجية والعلمية، مما يفقده موضوعيته، وهذا ما نشاهده اليوم في كتابات النقد عندنا مع الأسف.’ هل لك أن تحدثنا عن جماعة الأكاديمين، كيف نشأت وما هي اسباب هذه النشأة؟ ‘ كنّا طلبة من معهد الفنون الجميلة ومعهد إعداد المدرسين، الذي ورث أكاديمية الفنون بعد غلقها من قبل إنقلابيو شباط الدموي عام 1963، وكنا نمارس الرسم الأكاديمي الأصولي، حسب ما هو متبع في معاهد الفن في العالم أجمع، وقد لفتنا نظر الفنان الراحل كاظم حيدر، الذي هاله ما يحدث في الرسم العراقي من صرعات لا تنتسب للفن الأصيل، بقدر إنتسابها للفوضى التي يطلق عليها فن حديث، إذا كان معظم من يمارس هذه الأساليب غير ملم بإصول الرسم نفسه ناهيك عن إنتاج عمل فني. كان الفنان نعمان هادي قد أنهى دراسته في معهد إعداد المدرسين وكان الفنان وليد شيت في الصف المنتهي وكنّا صلاح جياد وفيصل لعيبي قد تخرجنا من المعهد الفنون قبل سنوات وعلى وشك إنتهاء دراستنا في أكاديمية الفنون، عندما فاتحنا الفنان كاظم حيدر حول إمكانية تكوين جماعة تعني بالرسم الأكاديمي من منطلقات محلية، ولهذا أكدنا في البييان على هذه النقطة.
كان الهدف الرئيسي للجماعة، هو تقديم تفسير للواقع والحياة العراقيين، مبني على الأسس الأكاديمية، وقد كان معرضنا الأول عبارة عن عرض لمهارتنا الأكاديمية وتقديم رؤية مغايرة لما يجري حولنا من عروض تسمى فنية إعتباطاً، لكننا بعد المعرض الأول توزعنا على بلاد الشتات، وليد الى المملكة السعودية وصلاح وأنا الى باريس وبقي الراحل كاظم حيدروحده في بغداد، وبعد التحولات السياسية والحروب التي أعلنها النظام السابق وقتها، قد منعتنا من التواصل والعمل المشترك، ولهذا لم تعرف هذ الجماعة على حقيقتها وبكل ثقلها كما ينبغي، والسبب هو ما مرّ به عراقنا من ويلات ونكبات.
لكن المشاهد اليوم للرسم العراقي المعاصر، يدرك أثر هذه الجماعة على العديد من الفنانين البارزين، ليس من طرف الإسلوب بل النظرة للعمل الفني، كقضية جادة وليس قضاء وقت أو عمليات تعتمد على الصدفة أو اللامعنى.