هل ضحكت من جهلنا الامم؟

حجم الخط
0

سالم قواطين خلال عملي سفيراً لجامعة الدول العربية في المانيا، قمت بإلقاء كلمة في إحتفال نظمته بعثة الجامعة العربية في برلين سنة 2006م، بمناسبة يوم المغترب العربي، وكان لا بد لي من الإطلاع على تفاصيل هذا الموضوع، إستعداداً للإحتفال وإعداداً لكلمة الإفتتاح. إكتشفت مذهولاً أن عدد المغتربين العرب، والذين يتواجدون في شتى بقاع الأرض، وخاصة في الأمريكتين وكندا وأستراليا وأُوروبا، لا يقل عن 32 مليون عربي. كما إكتشفت خلال بحثي في هذا الموضوع القديم الجديد، أن عدد العلماء والخبراء والمبدعين من بين المغتربين العرب، في مختلف مجالات وميادين العلوم والمعارف والتقنية، يصل إلى مئات الآلاف، منهم فاروق الباز، وأحمد زويل، ومجدي يعقوب، وإدوارد سعيد، ومصطفى العقاد، وجبران خليل جبران. وعصام حجي عالم الفلك، ومصطفى السيد عالم الكيمياء، وأبو بكر الصديق عالم الرياضيات، وشارل العشي عالم الفضاء، ومحمد عبده عالم الفيزياء، ومنير نايفة عالم الذرة، والدكتور عبد العالي الحوضي رئيس المجلس الدولي للطب الحيوي، والقائمة المشرفة تطول، وقد أشرت في كلمتي تلك، إلى أن المغتربين العرب، هم ثروة قومية ضائعة ومبددة، وهم أشبه ما يكونون اليوم، بتلك الأرصدة العربية بمليارات لا بل ترليونات الدولارات المبعثرة والمجمدة، والمنهوبة أو الضائعة في كل مكان من العالم بإستثناء المكان الذي يجب أن تكون فيه، لا بل هم أشبه بأرصدة من الذهب والجواهر الثمينة، يستفيد منها الاخرون، يساهمون في صنع رخاء ورفاهية وتقدم الغرب، بينما يعاني العالم العربي من التخلف والفقر والجهل والمرض، ويهاجر أبناؤه إلى شتى بقاع الأرض، هرباً من أنظمة القهر والإستبداد، وبحثاً عن لقمة العيش الكريمة. فيجدوا في الغرب ملاذاً أمناً وعيشاً كريماً وفرصاً واسعة في اكتساب العلم والمعرفة والتقنية، وتمكينهم من العمل في جميع مواقع العمل بلا إستثناء، وصولاً إلى مؤسسات الجيش والأمن ومراكز الأبحاث المتقدمة وجهات صنع القرار.

إن المغتربين العرب وبينهم مئات الآلاف من العلماء والمبدعين والمختصين، في شتى المجالات والميادين، يشكلون ثروة قومية قيمة، لو عاد جزء منهم لإوطانهم الأصلية، أو لو أُتيحت لهم الفرصة للمساهمة ولو جزئياً في بناء وطنهم الأم، وهم الأكثر كفاءة وأقل تكلفة وأصدق عطاءً، من أُولئك الخبراء الأجانب الذين يأتون بهم في جميع الأقطار العربية بتكلفة باهظة مبالغ بها.

وإذا ما طرحت السؤال المعهود، على الغالبية العظمى من هؤلاء المغتربين العرب، لماذا لا تعودوا إلى الوطن الأم، للمساعدة في البناء والتنمية؟

، لنظر إليك كل منهم نظرة تجمع بين الأستغراب والأسى والحنين معاً، يستغرب السؤال لأنه يفترض أنك تعرف أنه غادر الوطن مرغماً أو هارباً، إما بحثاً عن لقمة عيش ضاقت به السبل في الحصول عليها في وطنه بكرامة، أو أنه فرّ هارباً من براثن الطغيان والقهر والأستبداد، بحثاً عن الحرية والكرامة.

ورغم أنه اليوم في بلاد الغربة، قد حقق عيشاً كريماً ومرفهاً، وهو يعيش في حرية وأمن وكرامة، إلا أن الحنين إلى الوطن والأهل يبقيه دوماً بين الأسى والشوق، ولكنه يقول لك أنه لا يستطيع العودة، ما دامت الأوضاع لم تتغير، فهو يعرف انه غير مرحب به رسمياً، رغم كل التصريحات الأعلامية، وهو لا يثق بأنظمة لا تحترم حقوق الانسان، ولا توفر الأمن لمواطنيها، ولا تقيم وزناً للعلم والعلماء، بينما الغرب يحرص على الإحتفاظ بالكفاءات العربية المهاجرة، ويوفر لهم ظروف العمل والعلم والإبداع، إذن هناك حواجز وعقبات تحول دون عودتهم إلى بلادهم الأصلية، أهمها غياب الحرية وإمتهان حقوق الأنسان في العالم العربى، يقابلها حرص الغرب على جذب هذه الكفاءات والإحتفاظ بها، لإنها أدوات إنتاج تدخل في مكونات التنمية البشرية المستدامة، وأصبحت جزءاً من رصيد العمل والأنتاج لديه، لا بل انها تساهم في تقدم ورفاهية المجتمعات الغربية. لقد كان الأستعمار للمنطقة العربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إحدى أهم أدوات ومعاول تفتيت هذه الأمة وتقسيمها وإضعافها، بإعتبارها قاعدة الأسلام ومبعثه ونواته. ومع إنهيار الدولة العثمانية، كانت مخططات سايكس بيكو، هي الأداة والمرحلة الثانية في تفتيت هذه الأمة وإضعافها والحيلولة بينها وبين إعادة بناء الدولة، بمفهومها العصري، كأمة قوية ذات كيان دستوري يقوم على مبادىء الإسلام والشريعة السمحاء. لقد نجحت هذه الوسيلة، والتي تحمل إسم (سايكس بيكو)، وما زالت تواصل تحقيق أهدافها، في إضعاف الأمة، وتركها لقمة سائغة للأطماع والهيمنة الأقتصادية والسياسية والثقافية، وقد تقوت هذه الوسيلة وتعززت، بأنظمة دكتاتورية مستبدة في العالم العربي، زادت من الإقليمية والتبعية والفقر والجهل والتخلف، لا بل نجحت في زرع بذور الفتنة والشقاق والعداء بين الشعوب العربية الشقيقة، وحاربت الإسلام، وأوغرت صدور الغرب ضده، بحجة أن الإسلام هو المسؤول عن الإرهاب والمحرض عليه، وهو الذي يعيق التواصل والتعاون السلمي بين العالم الإسلامي والغرب المسيحي، بينما ان الواقع والحقائق تقول، أن الأنظمة العربية الشمولية، هي من شوهت الإسلام، وهي التي تحرض الغرب ضد المسلمين، وهي التي تسعى لأقناع الغرب وإبتزازه بإستمرار ليكون حليف لها ضد الجماعات الإسلامية وغيرها التي تطالب بإلإصلاح. وكان من أهم وسائل تفتيت الأمة وإضعافها، إستنزاف إمكانياتها من خلال هجرة العقول القصرية المفروضة على أبنائها، بسبب الأنظمة القهرية التي حاربت العلم وضطهدت العلماء، وجعلت من البطالة والفقر والظلم إنعدام الفرص العادلة، أدوات طاردة ساهمت في دفع المثقفين العرب إلى الهجرة، بينما قام الغرب بإستقبال هذه الكفاءات وإحتضنها ونمّاها، ووفر لها فرص العلم والعمل والأبداع، وإستفاد منها في بناء وإستمرار حضارته وتقدمه ووسائل إنتاجه.

لقد وعت الجامعة العربية هذه الحقائق، من خلال متابعتها لقضايا المغترب العربي، وأنشأت إدارة لهذا الغرض، مما أدى بضغط من هذه الحقائق، ومساهمة من منظمات المجتمع المدني العربية، التي أخذت تستثمر مساحة الحرية الضيقة التي سمحت بها الأنظمة العربية في إتجاه الديمقراطية، إستجابة لضغوط الداخل والخارج، وخاصة بعد سقوط حائط برلين، وإنهيار الإتحاد السوفيتي، مما أدى إلى تزايد الوعي والإهتمام بقضايا المغتربين العرب، فإنعقد المؤتمر الأول للمغتربين العرب، في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، في ديسمبر سنة 2010م تحت عنوان (جسر التواصل)، حيث أكد المشاركون على أن الكفاءات العربية في المهجر هي ثروة قومية ودولية يجب الإهتمام بها ودعمها وإعطاؤها مكانة متميزة ضمن الخيارات الإستراتيجية المتاحة للدول العربية، وحث المشاركون على الإستفادة من العقول العربية المهاجرة وإستقطابهم للمساهمة في برامج التنمية في العالم العربي وترسيخ علاقتهم بالمؤسسات والكيانات العلمية العربية المختصة، ودعوا إلى تشجيع مشاركة الكفاءات العربية المهاجرة مع نظرائهم في العالم العربي، في المشروعات البحثية، وصياغة مقاربة عربية لتفعيل مساهمة الكفاءات المهاجرة في دعم المجهود التنموي الحضاري العربي، وحث المؤتمرون الوزارات العربية المعنية بالمغتربين في العالم العربي على العمل لربط المغتربين العرب ببلدانهم الأم، وتسهيل ذلك من خلال ألإتصال بالجهات المعنية داخل كل دولة، للمساهمة بجهودهم في دعم التنمية العربية ووتشجيع وتفعيل التعاون العلمي مع مؤسسات التعليم ومراكز الدراسات والأبحاث في الوطن العربي.

وقد رأى المشاركون، وكنت منهم بصفتي مدير إدارة المجتمع المدني بالجامعة العربية في ذلك الوقت، أن هذا المؤتمر يقيم جسراً متيناً للتواصل بين المغتربين العرب وبلدانهم الأصلية، من خلال خطوات عملية توضع لهذا الغرض، وتحت إشراف ومتابعة الجامعة العربية، ولكننا سرعان ما عدنا إلى أرض الواقع، وأكتشفنا أن توصيات المؤتمر كلام جميل يدغدغ المشاعر، ويتفق مع الأمال والأهداف والطموحات، ولكن التطبيق على أرض الواقع مستحيل، مادامت أسباب الهجرة القصرية للعقول العربية ما زالت قائمة، وأن الأنظمة العربية القهرية المستبدة ما زالت هى هى، تمارس القمع وإنتهاك الحقوق والحريات العامة للمواطنين، فإن عودة المغتربين العرب أو تواصلهم مع أوطانهم الأصلية، أو إشراكهم في البناء والتنمية، ليس سوى أحلام واوهام، وإن ما يجري ليس سوى دعايات في وسائل الإعلام، لإظهار النظام الرسمي العربي بأنه نظام حاضن لأبنائه بينما هو في الواقع إما طارد أومضطهد أو سجّان لهم.

ومع إطلالة ربيع الثورات العربية، الذي وجد الترحيب والدعم والمساندة، من جميع أبناء الأمة الشرفاء، باليد واللسان والقلب، ساهم المغتربون العرب، في جميع معاركه وميادينه التقنية والأعلامية وألإقتصادية، وجاءوا من شتى المهاجر يبذلون الدماء والأرواح في ميادين القتال ضد أنظمة القهر والطغيان، في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا……. اعتقدت مبتهجاً، أن عقبة ألأنظمة القهرية المستبدة في طريقها للزوال، وأن مناخ الحرية والديمقراطية سوف يفتح الأبواب واسعة أمام عودة كثير من العلماء والخبراء والمبدعين العرب، للمشاركة والمساهمة في البناء الحضاري العصري للوطن العربي، ولكني كغيري صدمت، عندما إرتفعت أصوات مريبة تثير موضوع إزدواجية الجنسية والولاء والإنتماء للمغتربين العرب، وكأنما هم القيمون الأوصياء على ألأمة، وان من هاجر الى الغرب يفقد بعض او كل ولائه للوطن الأم، وكأن الجنسية الأجنبية أشبه بعملية زراعة قلب غربي جديد، يغير في مشاعر الحب والولاء والإنتماء. لقد أيقنت أن نظرية المؤامرة ما زالت قائمة، وأن كيان الأمة مخترق وليس لديه المناعة اللأزمة ضد فايروسات( سايكس بيكو )والذي لم يعد مجرد إسم لمن خطط ووضع الحدود الجغرافية الدولية بين الأقاليم العربية لمنع وحدتها، بل هو إسم لمؤامرة مستمرة تسعى دوما لوضع العوائق والعقبات، والوسائل والأدوات لمنع نهضة هذه ألأمة والحيلولة دون تقدمها ووحدتها، إن أُولئك الذين طعنوا في ترشيح حازم أبو إسماعيل للرئاسة في مصر، بحجة ان أُمه تحمل جنسية أجنبية، بعضهم عن جهل وبعضهم عن قصد، لمحاربته وإسقاطه كمنافس في الإنتخابات الرئاسية، لم يكن الدافع بالتأكيد أمن الوطن ومصالحه، بل هي مصالحهم الشخصية في منعه من الترشح، حتى لو أدى ذلك إلى الإساءة أو الإهانة لحوالي إثنين وثلاثين مليون مغترب عربي بينهم مئات الآلآف من العلماء والخبراء والمبدعين.

ولديهم جميعاً إحساساً مرهفاً بالكرامة الإنسانية التي كانت سبباً مباشراً لهجرتهم وبقائهم في ارض الإغتراب، وعدم عودتهم إلى اوطانهم الأصلية حيث لا كرامة ولا مساواة ولا عدالة ولا حقوق إنسان، بينما تتيح لهم المهاجر فرصاً مواتية، وحقوقاً متساوية مع غيرهم من المواطنين، بلا تمييز أو إقصاء، بما في ذلك المشاركة الكاملة في الحياة السياسية، ومنهم من أصبح رئيساً أو وزيراً أو نائباً، ومنهم قادة عسكريين ومسؤولين أمنيين، ومنهم من وصل إلى أعلى المناصب فى الجامعات ومراكز الأبحاث القومية والإستراتيجية في دول الإغتراب، ومنهم.. ومنهم… واليوم ها هم المغتربون العرب، يفاجئون مثلنا بهذه المواقف، بل هم أكثر شعوراً بالإحباط وخيبة لأمل، من الاراء التي تطعن بولائهم وإنتمائهم لإوطانهم الأصلية، وخاصة في دول الربيع العربي، بينما هم في بلاد الإغتراب لم يجدوا من يقصيهم أو ينقصهم حقوقهم الإجتماعية أو الإقتصادية أو السياسية بسبب انهم يحملون جنسيات مزدوجة، أو أن لهم ولاءات لبلدانهم الأصلية تتعارض أو تشكل خطراً على إخلاصهم وولائهم لبلدان الإغتراب، وهو لو كان مطروحاً لكان أقرب للمنطق، لأن المغترب يحمل معه وفي قلبه ووجدانه ثقافة وفكراً وإنتماءً أكثر قوة وتأثيراً من مجرد جنسية حصل عليها بسبب إقامته عشر سنوات أو أكثر في بلاد المهجر، وأن الحب والولاء والإنتماء لا يضعفه أو يلغيه قرار أو وثيقة او جنسية، إنما هو شيء متغلغل في العقول والقلوب ويجري مجرى الدم في العروق.

وخير مثال لإسقاط حجج هؤلاء الذين يدّعون أن الجنسية الأجنبية للمهاجر العربي قد تضعف ولاءه وإنتمائه إلى وطنه الأم، هو (دولة إسرائيل )، والتي يكاد يكون كل إسرائيلي فيها، يحمل جنسية أجنبية أُخرى، ولكن بدل أن يضعفها ذلك، فهي للأسف أقوى دول المنطقة، لأن كل إسرائيلي يوظف جنسيته الأخرى وإمتيازاتها ومكاسبها، من أجل حماية دولة إسرائيل وتعزيز قوتها في الميادين الإقتصادية والتقنية والسياسية والثقافية والإعلامية وغيرها، وعودة إلى موضوع جنسية والدة المرشح للرئاسة حازم أبو إسماعيل، نستغرب بالمقابل، ومقارنة بذلك، أن أمريكا في إلإنتخابات الرئاسية السابقة، لم تثر ضد الرئيس باراك أُباما، كون والده وإخوته وجدته لأبيه، يحملون جنسية أجنبية، لا بل جنسيةً من العالم الثالث أو الرابع، لا تنتمي إلى نادي دول الحضارة والقيم الغربية!! ، ربما لم يكن الأمريكيون المنافسون للرئيس أُوباما، في قوة إنتماء أو ولاء، وربما خبث او دهاء نظرائهم في الإنتخابات المصرية، أو ربما، وهذا هو الأصح وألأصدق أن أمريكا ومصالحها وأمنها، أكبر وأهم وأقوى، من أن تقف عند هذه المناكفات الرخيصة، او أن تترك شروط إختيار رئيسها في يد الأهواء والأطماع، أو أن تفرض على الشعب الوصاية في الإختيار من خلال لجنة تختلق الأسباب الواهية لعدم ترشيحه، ، لا بل هي تضع المرشح كما هو بكل صفاته وخلفياته أمام الشعب، الذي له وحده أن يقرر صحة وملاءمة وحسن إختيار الأصلح للرئاسة، ما دام يملك شروطها الأساسية، بغض النظر عن جنسية أمه وأبيه أو أُخته وأخيه.

الغريب والمدهش أن جنسيات المغتربين العرب أخذت تُثار في المكان الخطأ وغير المتوقع، وهوالموطن ألأصلي، الذي يحمله المغترب في قلبه ووجدانه وفكره ودمه حيثما حل وإستقر، حتى إلي القبر، بينما لا يجد في المجتمعات الغربية من يطعن في ولاءه وإنتمائه، أو يعتبره ناقص الأهلية للمشاركة في الحياة السياسية، إن إثارة مسألة الجنسية المزدوجة للمغترب العربي، في وطنه الأصلي، إنما هي إحدى أدوات سايكس بيكو، للحيلولة دون عودة من يرغب من المغتربين العرب، وخاصة العلماء والمبدعين، للوطن الأم، وللحيلولة دون مساهمتهم في بناء الوطن العربي، وإغلاق الأبواب التي يفترض أنها فُتحت لهم على مصراعيها، من خلال الربيع العربي، للعودة والمشاركة في البناء والتنمية الصناعية والعلمية والإقتصادية والثقافية والسياسية لبلدانهم الأصلية. وفوق ذلك إنها وسيلة أُخرى، للحيلولة دون عودة هؤلاء، لإبقاء فائدتهم وإنتاجيتهم وإبداعاتهم، حيث هم في بلاد الغرب، التي لا يهمها ان يكون عندهم جنسياتهم الأصلية، ما دامت تستنزف إمكانياتهم وإبداعاتهم وعقولهم وسنيّ عمرهم. إن ثروات الأمم من الأموال، كثروات الأفراد والشركات، يمكن أن تنقص وأن تفيض، ولكن ثرواتها من العلماء تنقص ولا تفيض، فإن نقصت فهو الجهل وزيادة في الجهل، وإن زادت فهو العزة والتقدم والإزدهار (وقل ربي زدني علماً)، ومن هذا المنطلق، فإن الأمة العربية تشكل ظاهرة غريبة تستحق الدراسة، فهي اليوم متخلفة تقنياً وعلمياً، رغم أن ثروتها من العلماء والمبدعين، كما رأينا، تبدو فائضة عن الحاجة، وتنتشر في كل بقاع الأرض، بينما هي في الواقع في أمس الحاجة لهم، بعضهم هاجر يبحث عن رزق كريم، وبعضهم يبحث عن الحرية والكرامة، وبعضهم أغرته الفرص المادية والمعنوية، أو أجبرته، على الإستقرار في المهاجر، وكثيرون من العلماء العرب، وخاصة العراقيون منهم، تم إغتيالهم بدم بارد، وتصفيتهم فرداً فرداً، وذنبهم الوحيد أنهم علماء!!!! وها هم اليوم، علماؤنا ومبدعونا وخبرائنا في المهجر، يتعرضون لنوع جديد من الإبعاد عن أوطانهم الأصلية، وربما الإغتيال بإسلوب جديد مبتكر، إسمه الجنسية المزدوجة.

كم سنكون جهلة ومتخلفين وأُضحوكة العالم، لو رفضنا مشاركة هؤلاء الأعلام والعلماء في بناء أوطانهم الأم، وتبوء جميع المراكز والوظائف التي تحتاجهم وتليق بهم، بحجة انهم يحملون جنسيات أخرى أجنبية، إن أُمة أكرمها الله عز وجل بقوله (كنتم خير أُمةٍ أُخرجت للناس )، لا يمكن ولا يجب ان ينطبق عليها قول الشاعر (يا أمة ضحكت من جهلها الأمم).’ محام ليبي – سفير الجامعة العربية في المانيا سابقاً-ومدير إدارة المجتمع المدني بالجامعة العربية سابقا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية